524963 4

حازم الأمين/

تتكثف في النائب في البرلمان اللبناني هادي حبيش صورة السياسي "المافيوزو" التي اشتعلت الانتفاضة اللبنانية لاقتلاعه. مشهد حبيش في قصر العدل شاتما القضاء ومتعديا على القانون، لأن قاضية أوقفت موظفة، تمت بقرابة للنائب، بدعوى فساد. هذا المشهد يجسد حقيقة النخبة السياسية الحاكمة في لبنان، والتي أوصلت البلد إلى ما هو عليه اليوم من إفلاس.

لا حدود لوقاحة نظام الفساد في لبنان. النائب نفسه، وهو عضو في كتلة تيار المستقبل التي يرأسها سعد الحريري، يمت بصلة قرابة موازية للضابط في قوى الأمن الداخلي سوزان الحاج، صاحبة الفضيحة المدوية المتمثلة بتوقيف وسجن الفنان زياد عيتاني، هذه الفضيحة التي ما زالت العائلة تجاهر بها على رغم انكشافها، ما زال النظام يتسع للكثير منها طالما أن نظام الفساد ما زال مطمئنا أن لا أحد يحاسبه.

والحال أن واقعة قصر العدل هذا الأسبوع لم تكن ذروة الانتهاكات التي ترتكبها السلطة في لبنان. عناصر شرطة مجلس النواب، وهؤلاء لهم جهازهم الخاص، تولوا الانقضاض على تظاهرة سلمية في منطقة فردان في بيروت وانهالوا على المتظاهرين بالعصي وحطموا سيارات العابرين.

بيروت تعيش على وقع انتهاكات يومية تتولاها السلطة وأجهزتها المختلفة

عناصر الشرطة لم يقدموا على فعلتهم أمام مقر المجلس ولا أمام منزل رئيسه. فعلوا ذلك في أحد شوارع بيروت. كان فعلا انتقاميا وميليشياويا بالمعنى الحرفي للكلمة. الدولة المافياوية المقاومة اندفعت بهراواتها نحو المتظاهرين. فعلت ذلك، بينما كان شبيحتها من مناصري رئيس المجلس نبيه بري في منطقة الخندق الغميق يستعدون لغزوتهم الثالثة على خيم المتظاهرين في وسط بيروت.

إنها دولة الزعران فعلا، الدولة التي أوفدت في ذلك اليوم إلى باريس عددا من موظفيها "الأنيقين" ليقنعوا المجتمع الدولي بضرورة إنقاذ دولتهم من الإفلاس بعد أن تولوا لسنوات وسنوات نهب عائدات هذه الدولة، إلى أن وصل بهم الأمر إلى مد أيديهم على مدخرات اللبنانيين في المصارف.

توجه هذا الوفد إلى باريس ليقنع العالم بضرورة تمويل رواتب شرطة مجلس النواب الذين انهالوا على المتظاهرين بالهراوات، وراتب النائب الذي اقتحم قصر العدل، وراتب قريبته سوزان الحاج. هل من وقاحة أكثر وضوحا وجرأة من هذه الوقاحة؟ وهل لغير الشتائم أن تتولى تظهير ما تبعثه من غضب وغثيان ويأس؟

هؤلاء هم من يتولى اليوم المفاوضة على تشكيل "حكومة الإنقاذ"! هذا المجلس وهؤلاء النواب وهذه الأحزاب يقترحون على اللبنانيين حكومة إنقاذ! وهؤلاء أيضا عاتبون على اللبنانيين بسبب الشتائم التي شهدتها تظاهرات بيروت. يرسلون زعرانهم إلى الساحات ليهتفوا "شيعة شيعة شيعة" ولينهالوا على المتظاهرين بالعصي، ثم يطل الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله في كلمته ليأخذ على المتظاهرين "قلة تهذيبهم". السلطة كاشفة عن وجهها القبيح والفاسد والمرتهن، في مقابل متظاهر لا يملك إلا الشتيمة في مواجهتها.

ثم أن الوقاحة امتدت إلى كل مؤسسات السلطة في لبنان. المصارف التي شاركت في حفلة النصب الكبرى، أحضرت إلى فروعها عناصر من الشرطة للتصدي لغضب المودعين. فحين يرتفع صوتك في المصرف طالبا راتبك الذي صار في حسابك، سيحضر شرطيا ويقول لك "ولو... خفف صوتك. أنت في مصرف ولست في الشارع"!

الشتائم هي صورة عن حال الاختناق، العنف اللفظي في طريقه إلى التحول إلى عنف آخر

الشتائم يجب أن تبقى في الشارع، ذاك أنها انتهاك لفظي لما توافقنا على أنه تهذيب! ولكن ما توافقنا عليه بصفته قانونا، لا يستدعي انتهاكه من قبل المصرف تدخلا من عناصر الشرطة. المصرف الذي لا يلتزم بتعميم جمعية المصارف لجهة الإفراج عن التحويلات الجديدة، يمكنه فعل ذلك ولا أحد سيعاقبه، بينما الصحافية التي كانت تغطي التظاهرة سينهال رجال شرطة مجلس النواب "المقاومون"، على رأسها بالهراوات!

هذه الوقائع نعيشها يوميا في بيروت. الاستثناء هو ألا يشهد المرء في يومه العادي واقعة من هذا النوع. المدينة تعيش على وقع انتهاكات يومية تتولاها السلطة وأجهزتها المختلفة. حال من الاختناق الكبير الذي من المنتظر أن يولد انفجارا لا نعرف حدوده حتى الآن، إلا أنه قادم لا محالة.

كل خبر وكل قصة وكل مشهد ينطوي على انتهاك وعلى استباحة لكرامات الناس ولحرياتها ولمدخراتها. الشتائم هي صورة عن حال الاختناق، لكن العنف اللفظي في طريقه إلى التحول إلى عنف آخر. فاللبنانيون يعيشون اليوم على بعد مسافة ليست طويلة عن العوز والجوع. عناصر الشرطة الذين يحرسون المصارف ستتوقف رواتبهم قريبا.

وفي هذا الوقت ستمضي الطبقة السياسية في محاولاتها لتشكيل حكومة فساد أخرى، يرأسها سعد الحريري ويتضمن بيانها الوزاري تمسكا بسلاح المقاومة، وبالديمقراطية التوافقية، وستتمثل فيها شرطة مجلس النواب بوزراء كثر، وسيواصل لبنان انهياره.

اقرأ للكاتب أيضا: الزحف إلى القصر بديلا من الانتحار

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

دولة الزعران 5DBFC39D-3B58-47E2-A1FF-8D5DA494F2B2.jpg AFP دولة-الزعران اعتصام أمام وزارة الداخلية اللبنانية استنكارا لاعتداءات شرطة مجلس النواب على المتظاهرين 2019-12-12 13:53:59 1 2019-12-12 14:14:58 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.