قبول الرأي المخالف دون اتهامه بالهرطقة والزندقة أو الردة وإهدار دمه
قبول الرأي المخالف دون اتهامه بالهرطقة والزندقة أو الردة وإهدار دمه

من الصعب أن أنسى أو أن ينسى أحد مشاهدي الأفلام في العالم العربي فيلم "الإرهاب والكباب" للرائع عادل إمام.

ولم أزل أتذكر واحدا من الممثلين في الفيلم، وكان يرى أن الغرب أو أوروبا كما وصفها متقدمة على الشرق والبلدان العربية في أمور كثيرة، وكان دائما يعطي المثل لما هو أفضل بقوله "في أوروبا والبلاد المتقدمة يفعلون كذا وكذا..."، حتى وصل به الأمر في الفيلم أن يقول جملته الشهيرة "في أوروبا والبلاد المتقدمة يأكلون الكباب بالطحينة!".

ويعبّر هذا الموقف ـ أي تفوق الغرب ـ عن شعور عام عند كثيرين في البلدان العربية، نتيجة لتفوق الغرب في الكثير من الأمور التكنولوجية والاجتماعية والمعيشية، فالسيارات، والطائرات، وسفن الفضاء، والإنترنت والهواتف الخلوية، والتطور الطبي الرهيب في الجراحات وعلم الأدوية هي من ثمار الحضارة الغربية الحديثة.

مبدأ "العدل" بين جميع المواطنين ومساواتهم في الحقوق هو أساس الحكم الرشيد

ولا أحد ينكر مثل هذا التفوق والذي دعا كثيرين من الشبان من شمال البحر المتوسط للهجرة غير الشرعية مما يعرض حياتهم للخطر.

والجدير بالذكر هنا أن الغرب قد تقدم ليس لأنهم يأكلون "الكباب بالطحينة" كما ذكر الممثل في فيلم الإرهاب والكباب، بل لأنهم يأخذون بالأسباب الداعية للتقدم وتطور الحضارة الإنسانية.

ومن هذه العوامل ما يلي:

العامل الأول

تشجيع التفكير والمفكرين، فالفكر في الغرب ليس "كفرا" كما تقول الجماعات الإسلامية المتطرفة، وليست كلمة "صاحب فكر" مدعاة لاعتقال شخص ووضعه في السجون، فالفكر في العالم الغربي مرحب به بلا حدود طالما لا يستخدم العنف.

العامل الثاني

معاملة جميع المواطنين بعدل، فلا يوجد فارق بينهم على أساس الدين أو العرق، فهم جميعا لهم نفس الحقوق والواجبات أيا كان دينهم، فإن كان للمسيحي الحق في بناء كنيسته في أوروبا أو أميركا، فإن المسلم في الغرب له نفس الحق تماما، ويتم التعامل مع جميع المواطنين من هذا المنطلق، وسواء سمينا ذلك بالعلمانية أم لا، فإن مبدأ "العدل" بين جميع المواطنين ومساواتهم في الحقوق هو أساس الحكم الرشيد الذي يقود الأمم إلى الأمام.

العامل الثالث

استخدام الأسلوب العلمي في البحث، فلا نجد كثيرا في الغرب يعلق الفشل على سوء الحظ أو "النحس" كما نسميه في عالمنا العربي، فإن حدث فشل في أي موقع من مواقع الدولة، فإن البحث في أسبابه يتم بصورة علمية لا تستخدم كلمة "نحس" وكلمة "سوء حظ" في قاموسها!

العامل الرابع

احترام المحاولة حتى لو فشلت، فمجرد المحاولة لها تقدير في المجتمع، ويتم تشجيع الإنسان على المحاولة مرة أخرى إن فشلت المحاولة أو المحاولات الأولى، وكنتيجة لذلك تستمر المحاولات والإصلاحات ـ دون أن يتم تثبيطها وإحباطها ـ حتى تثمر، ولن أنسى كيف أنه حتى في لعبة التنس تم استخدام كلمة "محاولة جيدة" بدلا من كلمة "حظ سيء" حين يخسر اللاعب نقطة بعد محاولة كسبها.

العامل الخامس

قبول الرأي المخالف دون اتهامه بالهرطقة والزندقة أو الردة وإهدار دمه، فحينما كان من يفكر بصورة مختلفة في أوروبا يتهم بمثل هذه الاتهامات، كانت القارة الأوروبية تعيش في أسوأ عصورها والتي كانت تسمى بـ"عصور الظلام"، ولم يكن لها أي حظ حينذاك في الحضارة والتقدم.

لا يوجد فارق بينهم على أساس الدين أو العرق، فهم جميعا لهم نفس الحقوق والواجبات أيا كان دينهم

وعلى العكس تماما فحين احترموا الرأي المخالف تقدموا في جميع الأصعدة، فلولا قبول الرأي "المخالف" في مرحلة من المراحل لظلت أوروبا تؤمن أن الأرض ليست كروية!

فباختصار لم يتقدم الغرب لأنهم "يأكلون الكباب بالطحينة" كما جاء في فيلم الإرهاب والكباب، وإنما تقدم بإعلاء مبادئ العدل والمساواة وتفعيل القانون واستخدام أسلوب البحث العلمي في التفكير واحترام حق الإنسان في إبداء رأيه.

وللحديث بقية!

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.