525124 4

حنين غدار/

يحصل تحولان رئيسيان ضمن النظرة الجماعية للمجتمع في أوساط الشيعة في لبنان. أولا، تتحول الهوية الشيعية اللبنانية من هوية طائفية إلى هوية وطنية، بسبب التكاليف التي تحملّها المجتمع الشيعي خلال العقد الماضي. وثانيا، ثمّة تحول متزايد عن سرد المقاومة، الذي يُنظَر إليه أكثر فأكثر باعتباره سردا للحرب والتلقين الإسلامي.

لا تزال أفكار المقاومة والعداء تجاه إسرائيل من متجذّرة في الهوية الشيعية اللبنانية. ومع ذلك، فإن مشاعر الاستياء المتنامية حيال الحرب وجهود "حزب الله" لمواصلة عسكرة الطائفة الشيعية أثبتت أنها أقوى.

واليوم، أصبحت حقيقة الهوية المعسكرة والمتعطشة إلى الحرب موضع مساءلة بسبب رغبة أفراد المجتمع في تحسين مستويات المعيشة، والاستقرار المالي، والأمن.

ومن هذا المنطلق، فإن الهوية الوطنية ـ والرغبة الشديدة في الانتماء إلى الشعب اللبناني ككل ـ أصبحت أكثر أهمية من الهويات الطائفية التي لطالما اعتُبرت مهيمنة على السياسة اللبنانية.

لقد حدثت هذه التحولات على امتداد سنوات عدة، ولكنها غالبا ما تكون معقدة جدا وتدريجية وبطيئة. فهي تبرز وتضمحل حسب الظروف السياسية والاقتصادية. وعلى الرغم من أن مسار التغيير ثابت، إلا أنه ليس من السهل على الشيعة ككل أن يعبّروا عن آرائهم خلال عملية لم تكتمل أو تتحقق بعد.

استطلاع المجتمع الشيعي

اليوم، أكثر من أي وقت مضى في تاريخ لبنان الحديث، بات من الواضح أنه لا وجود لمجتمع شيعي متماسك وموحّد. في الواقع، إن العناصر المكوّنة للمجتمع تمر بموجات متعاقبة من التحولات في الهوية والصراعات الداخلية التي تمنح المجتمع طبقات متعددة من الهوية، وكثيرا ما تتداخل ضمن الفرد الواحد، ما يجعل من تصنيف هذا المجتمع مسألة معقدة.

والأمر الواضح هنا هو أن المشهد الذي يعبّر فيه الأفراد الشيعة عن استيائهم واختلافهم مع "حزب الله"، إما بالانضمام إلى الاحتجاجات في لبنان، أو عن طريق نشر تسجيلات ضد "حزب الله" عبر تطبيق "واتساب"، أو حتى من خلال سرقة لحظات سريعة على شاشات التلفزيون للمساءلة، هو مشهد أصبح مألوفا. وعلاوة على ذلك، فإن هذه الأحداث تبيّن واقعا مخفيا وأكثر عمقا تمكّن من التسلل من خلال تصدّعات طبقات الهوية نفسها التي تم حجبها في الماضي.

خلافا للشيعة في العراق، لا يملك شيعة لبنان أي نجف يلجؤون إليه

فضلا عن ذلك، فإن لحظات الاحتجاج الناشئة هذه تُعقّد الواجهة الداعمة لـ"حزب الله" حتى الآن التي يظهرها الشيعة للخارج. وفي استطلاع حديث نشره منتدى فكرة، يظهر أنه في أوساط السكان الشيعة في لبنان اليوم، تقول نسبة 75 في المئة من المستجيبين إن موقفها لا يزال "إيجابيا للغاية" تجاه "حزب الله" ـ أي إنها في تراجع بسيط عن نسبة 83 في المئة المسجلة أواخر العام 2017 و77 في المائة أواخر 2018.

وعلى الرغم من أن الأرقام لا تكذب، إلا أنها تستطيع أن تحجب الحقائق المتغيّرة على الأرض التي يصعب تحديدها في بيانات الاقتراع. فتتطلب فهم طبقات الهوية الشيعية أكثر من مجرد توجيه أسئلة مباشرة من قِبَل أطراف خارجية حول رأي المستجيبين في "حزب الله" وإيران.

فإن تحديد المواقف الحقيقية للشيعة ينطوي على فهم هذه الطبقات والنظر في قضايا أبعد من "حزب الله" وإيران، مثل الحرب والسلام في لبنان، وحلفاء "حزب الله" في الداخل، وأهمية المحور الشيعي في النجف في العراق ـ حيث يمثل آية الله السيستاني تحديا ملحوظا لنموذج إيران للمجتمع الشيعي المتمثّل بولاية الفقيه.

كما يتطلب كشف ما تمثّله هذه المؤسسات بالنسبة إلى شيعة لبنان. فـ"حزب الله" قد يعني مقاومة للبعض، وحماية للبعض الآخر. وقد تعني إيران الحماية للبعض، في حين أنها قد تعني دعما ماليا للآخرين. ولا يزال عدد كبير من الشيعة ينظرون إلى "حزب الله" باعتباره شخصية أبوية ويشعرون بالتزام أو واجب في حماية الجماعة من اللامنتمين إلى المجتمع. ولكن هذا لا يعني أن "حزب الله" هو الشخصية الأبوية التي يتطلع إليها الشيعة داخليا.

وفي ضوء هذه العوامل، فإن محاولة تصنيف هذه الجماعة غالبا ما تمنعنا من القراءة ما بين السطور. والأهم من ذلك أن هذا التصنيف قد يخدم "حزب الله" ـ وغيره من الزعماء الطائفيين ـ الذين يفضلون إخفاء الفوارق الدقيقة وطبقات الهوية والحقيقة التي تكمن في ما بينها لصالح كيان موحّد ـ فالسرد الرئيسي لـ"حزب الله" هو أنه يمثل أغلبية الشيعة في لبنان، على الرغم من أنه يدرك جيدا أن هذا الادعاء غير دقيق. وإلا، فإنه ما كان ليقمع المدن الشيعية خلال الاحتجاجات التي امتدت طيلة الشهرين الماضيين بمثل هذا العنف.

طبقات الشخصية الشيعية

من حركة "أمل" التي أسسها موسى الصدر إلى سيطرة "منظمة التحرير الفلسطينية" على جنوب لبنان حتى عام 1982، ومرورا بالحرب الأهلية والحركات اليسارية التي اعتمدت على الشيعة في حروبها، ووصولا مؤخرا إلى الهيمنة الإيرانية على الهوية الشيعية، أصبح لدى الكثير من الشيعة هويات وطبقات متعددة ردا على هذه القوى المختلفة.

فقد يكون الشيعي مؤيدا لفلسطين ومناهضا لها، ومواليا للمقاومة ومعاديا لها، ومواليا لفكرة لبنان ككيان مستقل ومناهضا لها، وكل ذلك في آن واحد. وعلى الرغم من أن هذه الاختلافات المخفية آخذة في الظهور الآن، إلا أنها قائمة منذ فترة طويلة.

لا يزال عدد كبير من الشيعة ينظرون إلى "حزب الله" باعتباره شخصية أبوية

وينطبق ذلك أيضا على أفراد المجتمع المؤيدين لـ"حزب الله". فقد وصف كل مناصر أو مقاتل من "حزب الله" تحدثتُ معه خلال حياتي التنقل عبر هذه الهويات. فهم سئموا من الحروب والأيديولوجيات، ولكنهم راسخون في هوية تمجّد انتصارات الماضي. وهم أيضا في صراع بين أمرين، فكرة تحرير يسارية قديمة ـ تستند إلى حركة المقاومة الوطنية التي سبقت "حزب الله" ـ ومقاومة أيديولوجية فرضها "حزب الله" من خلال الاستحواذ الثقافي الدقيق والخدمات التي يقدمها إلى مجتمع عانى من الفساد لعقود من الزمان.

قد تحظى فلسطين بتأييد الشيعة ـ كقضية ـ ولكنهم قد ينظرون أيضا إلى اللاجئين الفلسطينيين في لبنان كعبء أو كمجتمع أقل شأنا من حيث الحقوق والحريات. فقد يرغب الشيعة في عودة "حزب الله" إلى مهمته الأصلية ألا وهي المقاومة، وقد ينتقدون "حزب الله" لتخليه عنها، إلا أنهم في الوقت نفسه قد يخشون المقاومة، لأن المقاومة تعني حربا أخرى. وقد يرغب الشيعة أيضا في مكافحة الظلم مع الإقرار بأن حلفاء "حزب الله" هم أكثر الشخصيات السياسية فسادا في لبنان.

يشعر الكثير من الشيعة بالإحباط إزاء حروب "حزب الله" في المنطقة وعزله للمجتمع، فضلا عن فساده وإخفاقاته المتزايدة. إلا أنهم يخشون أيضا أن يفقدوا شخصية الأب التي يمثلها "حزب الله" وأن يتعرضوا للتمييز الطائفي والمزيد من العزلة.

فلا يؤمن الشيعة كلهم بأيديولوجية ولاية الفقيه. وفي الواقع، أصبح كثيرون ـ معظمهم ينحدر من الأحزاب اليسارية والتقدمية ـ من أنصار "حزب الله" فقط بسبب تبني "حزب الله" لسردية المقاومة وليس نتيجة أي شكل من أشكال النداءات القائمة على الدين والأيديولوجية.

المخاوف والمعضلات

تعتبر المحظورات التي تحول دون التعبير العلني عن هذه الشكوك قوية، ولكنّ الخوف أقوى. فكيف يمكن للمرء أن يعبّر بحرية أو وضوح عن أفكاره ورغباته داخل المجتمع الشيعي ـ حتى من دون الكشف عن هويته ـ عندما تطرق استخبارات "حزب الله" أبواب المتظاهرين الشيعة كل يوم في الأسابيع القليلة الماضية للاستفسار عن أماكن تواجدهم اليومية والتحقق من هواتفهم المحمولة الشخصية؟ ويعلم الشيعة أنه إذا صادف وجود أحدهم أو إحداهن في إحدى ساحات الاحتجاج، فستبدأ التحقيقات ولن تنتهي أبدا. هذا وتتعرض أسر بأكملها للمضايقة، وقد تم القبض على الكثير منهم.

وخلافا للشيعة في العراق، الذين يتمتعون بمؤسسة دينية داخلية تدعم الاحتجاجات في البلاد ضمنا، لا يملك شيعة لبنان أي نجف يلجؤون إليه. ولن يجدوا أي مكان يلوذون به في حال فشلت الاحتجاجات وعادت كل طائفة إلى زعيمها. وهذا من شأنه أن يضع شيعة لبنان أمام معضلة حقيقية: فكثيرون منهم عالقون بين رغبتهم في أن يصبحوا مواطنين لبنانيين وبين خوفهم من أن يصبحوا من دون غطاء، إذا ما ابتعدوا عن النموذج الطائفي التقليدي.

من المهم الإقرار بأنّ الناس رقصوا في النبطية، وأن النسوة خلعن الحجاب في وسط الميدان في بعلبك

ولعل الشيعة الذين يعيشون في خوف أو إذلال لا يدركون احتياجاتهم وتطلعاتهم. وقد يعبّرون عن معضلاتهم بطرق قد يسيء الآخرون قراءتها أو يتغافلون عنها. لذا، ما يهم حقا هو ليس رأيهم بإيران أو "حزب الله". فما يهم هو السياق: كيف ومتى ينزلون إلى الشوارع، وما هو العلم الذي يختارون رفعه، والأهم من ذلك إذا ما تمكنوا من تحدي قواعد "حزب الله" وخطوطه الحمراء الثقافية والاجتماعية، وليس السياسية.

ومن المهم الإقرار بأنّ الناس رقصوا في النبطية، وأن النسوة خلعن الحجاب في وسط الميدان في بعلبك. فلا عجب في أن يشعر "حزب الله" بالتهديد الكافي جراء هذه الأفعال لكي يتخذ إجراءات قمعية بحق المحتجين الشيعة. ففي لبنان، لطالما كان الجانب الثقافي والمجتمعي يؤدي إلى الطريق السياسي، ولا سيّما في المجتمع الشيعي. ولهذا السبب شعر "حزب الله" بالتهديد، ولهذا السبب فإن عصيان المحتجين الشيعة مهم.

وفي ضوء كل هذه العوامل، لربّما يكون من غير العادل أن نسأل من هو الشيعي في لبنان اليوم. ولكن هذا السؤال ذاته، بكل ما يحمل في طياته من تحيزات وتعقيدات، أضحى الآن أكثر ضرورة من أي وقت مضى. ويجب أن تتناول إجابات هذا السؤال كل الهويات والمخاوف والحقائق غير المعلنة الكامنة خلف ما هو سائد وظاهر في أوساط المجتمع الشيعي اللبناني.

حنين غدار هي زميلة زائرة في زمالة "فريدمان" الافتتاحية في معهد واشنطن ومديرة تحرير سابقة للنسخة الإنكليزية لموقع NOW الإخباري في لبنان.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
ماذا يعني أن تكون شيعيا في لبنان اليوم؟ DDBB3371-EE75-402B-9247-25E281441F5D.jpg AFP ماذا-يعني-أن-تكون-شيعيا-في-لبنان-اليوم 2019-12-13 15:28:43 1 2019-12-13 15:33:20 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.