يضع صورة عبد الناصر على رأسه خلال تظاهرات مصر عام 2011
يضع صورة عبد الناصر على رأسه خلال تظاهرات مصر عام 2011

525165 4

عريب الرنتاوي/

للوهلة الأولى، بدت مبادرة "راديو سوا" لفتح ملف عن مصائر ومآلات "الفكرة القومية العربية" خارجة عن سياق الأحداث والتطورات في المنطقة، بيد أن الأسئلة التي طرحها مُعدّو البرنامج أعادت للمسألة قيد البحث "راهنيتها"، ولم يعد الحديث بشأنها عزفا منفردا أو تحليقا خارج السرب.

وأبدأ مقالتي اليوم، كما بدأت حديثي للراديو قبل أيام، بالتمييز بين مدارس ثلاث راهنة في النظر لهذه المسألة:

الأولى؛ ويمكن تسميتها بـ"التقليدية"، وتنتمي إلى مرحلة صعود الفكرة وانتشارها، في خمسينيات القرن الفائت وستيناته، حين أمكن لتيارات فكرية ـ سياسية رئيسة ثلاثة، أن تجسد الفكرة في أحزاب عريضة، وأن تنتقل بها إلى قمة هرم السلطة في عدد من الدول العربية.

وسنرى أحزابا وتيارات كالناصرية والبعثية و"القوميين العرب" تملأ الساحات والميادين، وتتولى مقاليد الحكم في كل من مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر واليمن الجنوبي، مدعومة بتأييد ملايين المواطنين في دول عربية عديدة، قبل أن تبدأ هذه الفكرة و"تياراتها" بالتراجع والانحسار، وتحديدا في ضوء نتائج الهزيمة المُذلّة في حرب يونيو عام 1967، وما تلاها من أحداث وتطورات في الدول المذكورة، والتي ترتبت على، وأفضت إلى، فشل الدولة العربية الحديثة، في القيام بوظائفها، وتفشي نظم الفساد والاستبداد و"الركود"، مع كل ما صاحبها من صراعات وتصفيات داخلية، وحروب وصراعات عربية بينية.

الفكرة القومية العربية الجديدة ما زال ينقصها الكثير من التحديث والتجديد

الثانية؛ ويمكن وصفها بـ"الخليجية"، وترتبط بالصراع المحتدم بين معسكرين عربيين ـ إقليميين، واحد بقيادة إيران والثاني بقيادة المملكة العربية السعودية، وهو صراع اتخذ ويتخذ أساسا طابعا مذهبيا ـ دينيا، للتغطية على جوهره الجيوسياسي، وإن كان فتح الباب أمام نشأة مدرسة "قومية عربية" من قبل أطراف لطالما قاومت المدرسة الأولى وناصبتها العداء، ولم تظهر يوما شغفا أو تعلقا بفكرة "القومية العربية"، بل ونظرت إليها بكثير من الشك والريبة، بوصفها تتصادم مع فكرة "الأممية الإسلامية" بمدرستيها "الإخوانية" و"السلفية".

مبرر نشأة هذه المدرسة هو حشد "العرب" في مواجهة "الفرس"، توازيا مع فكرة "القوس السنّي" في مواجهة "الهلال الشيعي"... وإذا كانت القاهرة ودمشق وبغداد قد مثّلت "حواضن" المدرسة الأولى، فإن الرياض وأبوظبي وبدرجة أقل، بعض المثقفين والسياسيين اللبنانيين، قد رفعوا لواء هذه المدرسة، وتولوا مهمة التنظير لها.

الثالثة؛ وهي المدرسة الأقل حضورا (حتى الآن) على الساحة السياسية والفكرية العربية، ويمكن وصفها بالمدرسة الديمقراطية ـ الحداثية في الفكر القومي، وتسعى في استيعاب دروس فشل المدرسة الأولى، وتبدي أعمق المخاوف من "أجندة" المدرسة الثانية، وتجادل في وجوب انفتاح المدرسة القومية على الأقليات القومية والاثنية في مواجهة مفهوم "المركزية العربية" الذي ميّز خطاب المدرسة الأولى، واستلهام قيم الحرية والتعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وتعيد الاعتبار لفكرة "المصلحة المشتركة" ومفهوم "التدرج" في استعادة الرابطة القومية وتعميقها، على حساب "الشعاراتية الزائفة"، في استلهم غير مباشر ـ ربما ـ لتجربة الاتحاد الأوروبي وبعض التكتلات الاقتصادية والسياسية الدولية.

وإذا كان صوت هذه المدرسة قد ارتفع عاليا بعد هزيمة يونيو 6719، إلا أن تطورات عديدة، ليست هذه المقالة مجالا للخوض فيها، أبقت هذه المدرسة وممثليها، على "هامش" الحياة السياسية والفكرية العربية.

شيء من التاريخ

لم تكن نشأة الفكرة القومية في مختتم القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ناجمة عن تطور ملموس لرأسمالية صناعية عربية، أو نتيجة لتنامي حاجات "السوق" وقوانينه ومتطلباته، كما هو الحال في نشأة القوميات الأوروبية قبل مئتين أو ثلاثمائة عام...

النشأة الحقيقية للقومية العربية، فكرة وحركة، ارتبط أساسا بنضال الشعوب ضد الغزو الكولونيالي للمنطقة، ومحاولات دول إمبريالية تقاسم النفوذ فيها، وبخاصة في ضوء نتائج الحرب العالمية الأولى، وتعزز نفوذ هذه الفكرة في مرحلة "تصفية الاستعمار" وفي سياقات الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، باعتبارها حلقة من حلقات تصفية الاستعمار الكولونيالي للمنطقة العربية.

على أن الفشل المتراكم في حل القضية الفلسطينية، والهزائم المتكررة في الحروب العربية الإسرائيلية، فضلا عن المآلات الكارثية للدولة الوطنية، دولة ما بعد الاستقلالات العربية، سيفضي لاحقا إلى إصابة هذا التيار في مقتل، ودخوله في مرحلة الانهيارات المتلاحقة بعد ذلك.

هنا، وهنا بالذات، سيبدأ هذا التيار رحلة البحث عن "طوق نجاة" وسيعمل سياسيوه ومثقفوه على "تجديد" هذا التيار، وضخ دماء جديدة في عروقه، أقله لتخطي مرحلة "حروب الإلغاء" التي ميّزت علاقاته بالتيارات اليسارية والشيوعية ذات النفوذ الشعبي الواسع في تلك الأزمنة.

ويمكن القول إن سبعينيات القرن الفائت وثمانياته، ستشهد على ولادة ظاهرتين اثنتين متلازمتين: الأولى، وتمثلت في اتجاه بعض التيارات القومية يسارا وتبنيها بعضا من الأدبيات الماركسية ـ اللينينية في طبعاتها المختلفة من "ماوية" "وفيتنامية" و"غيفارية"... والثانية، وتجلت في التقارب الملحوظ بين تيارات قومية وأحزاب شيوعية عربية.

ويمكن النظر للعلاقات "المتميزة" بين الحزب الشيوعي اللبناني الذي خرج من عباءة "النص السوفياتي التقليدي" من جهة والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، "الوريث الشرعي" لحركة القوميين العرب، والخارجة بدورها من "عباءة النص القومي التقليدي" إلى فضاءات "اليسار القومي" من جهة ثانية، بوصفها "ذروة سنام" هذا التلاقي بين التيارين الذي ميّز تلك الحقبة.

على أن "شهر العسل" بين هذين التيارين لن يستمر طويلا، فقد دخل إلى الساحة السياسية والفكرية العربية، لاعب جديد، سيكون له موقع الصدارة على المستوى الشعبي العربي، وهو التيار الإسلامي بطبعاته المختلفة، وتحديدا "الإخوانية" منها، وستظهر أحزاب وتيارات محسوبة على "الإسلام السياسي الشيعي".

وسيرفع تيار الإسلام السياسي بجناجيه السنيّ والشيعي، لواء "مقاومة إسرائيل"، "حماس" في فلسطين و"حزب الله" في لبنان، بعد أن ظلت هذه الراية حكرا على قوميين ويساريين ووطنين عربا.

هنا، ومرة أخرى، سيدخل التيار القومي العربي مرحلة جديدة من "التكيّف" مع معطيات مرحلة جديدة، انتقلت فيها راية "الزعامة" للإسلام السياسي، وبوجود روافع إقليمية كبيرة لهذا التيار، تبدأ بإيران ولا تنتهي بتركيا ـ العدالة والتنمية، وسيتحول "المؤتمر الإسلامي ـ القومي" إلى رمز لهذا التحول في مواقف الحركة القومية التقليدية، وسيجرف إلى صفوفه كثير من قوى اليسار العربي، مسقطا من حساباته، أن زعامة هذا المعسكر تنعقد أساسا لإيران، التي لا يجمعه بها رابط قومي أو مصالح عميقة مشتركة، تتخطى الالتزام اللفظي بمواجهة "الشيطانين الأكبر والأصغر"، فضلا عن نظام حكمها، الذي يتعارض تماما مع كل ما نشأ عليه اليسار والقوميون العرب.

في مرحلتي الصعود والهبوط، سيجد التيار القومي العربي التقليدي، نفسه في مواجهة مع دول خليجية، وإن بشروط مختلفة من حيث "توازنات القوى" وأشكال الصراع وأدواته...

في المرحلة الأولى، مرحلة صعود هذا التيار، جوبه بمقاومة من الدول المحافظة، التي انتظمت خلف الغرب والولايات المتحدة زمن الحرب الباردة وتحالفاتها، في مواجهة ما أسمي بـ"الخطر الشيوعي".. وفي المرحلة الثانية، ستجد بقايا هذا التيار نفسها في مواجهة غير متكافئة، مع هذه الدول، التي تنتظم مرة أخرى خلف الولايات المتحدة، ولكن في مواجهة ما يسمى اليوم بـ"الخطر الشيعي".

وإذا كانت المرحلة الأولى قد تميزت بموقف وموقع هجوميين لهذا التيار الذي استند إلى حواضن عربية قوية ودعم دولي من المعسكر الاشتراكي، فإن المرحلة الثانية، الحالية، ستتميز بانتقاله إلى موقف وموقع دفاعيين، في مواجهة "اللحظة الخليجية المهيمنة في العالم العربي".

أين من هنا؟

يجادل كثيرون بأن "فكرة القومية العربية" قد سقطت وانتهت، مستندين إلى إصابة التيار الذي يرفع لواءها بحالة من "هشاشة العظام"، وعلى اعتبار أن عصر ما بعد الحداثة، وثورات الاتصال والمعلومات والثورة الصناعية الرابعة، قد أزالت الحدود والأسوار بين مكونات "القرية الكونية الواحدة"، وأن العولمة والشركات العابرة للقارات، لم تعد تبقي مطرحا للفكرة القومية ولا لمن يمثلها.

والحقيقة، أن ثمة شواهد كثيرة، تشي بأن هذه الفكرة، ما زالت كامنة وخبيئة في حراكات الشوارع العربية، وأن سنوات الفساد والاستبداد والركود، لم تنجح في انتزاعها من صدور وعقول وضمائر ملايين العرب في مختلف بلدانهم، بمن فيهم الأجيال الشابة... بدلالة "نظرية الأواني المستطرقة" التي فعلت فعلها إبّان ثورات "الربيع العربي"، وعودة القضية الفلسطينية إلى هتافات وشعارات الشوارع العربية المنتفضة في بيروت والخرطوم والجزائر وغيرها... وتنامي الإحساس بالهويات الوطنية الجامعة، بعد سنوات من "التشظي الهوياتي" في عدة بلدان عربية.

ثم، أن التبشير بـ"انمحاء" الهويات القومية في الغرب والدول الصناعية الكبرى، لا تؤيده كثير من الظواهر الدالة على عودة "الفكرة القومية" في الغرب، بدلالة هذا الصعود المقلق للحركات القومية واتخاذها في كثير من الأحيان طابعا "عنصريا فظا"، وتفشي نفوذ اليمين الشعبوي والسياسات الانكفائية والحمائية، وبناء الجدران و"البريكست" والانسحابات المتكررة من معاهدات واتفاقات ومواثيق دولية، في مجالات الطاقة والبيئة والاقتصاد والمناخ وغيرها.

الفكرة القومية وإن ضعفت، إلا أنها ثمة شواهد عديدة دالّة على بقائها ووجودها

على أن الفكرة القومية العربية الجديدة (المدرسة الثالثة) ما زال ينقصها الكثير من التحديث والتجديد، لتصبح "أقل مركزية" وأكثر انفتاحا" على الأقليات القومية من كرد وأشوريين وسريان وكلدان وأمازيغ وغيرها من مكونات وكيانات... ولتصبح أكثر تماهيا مع قيم الحداثة والعصر، قيم الحرية والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان وسيادة القانون ودولة المواطنة وسيادة القانون.

وإذا كان البعض قد راهن في العشرية الأولى للربيع العربي، على "وحدة العرب" عبر "البوابة الدينية"، الإسلامية بالطبع، بوصفها الرابط المُتبقي الذي يجمعهم، إلا أن أحداث هذه الحقبة بالذات، دللت وتدلل، على أن الدين، وبخلاف ما نشأت عليه أجيال عربية متعاقبة، يفرق ولا يوحد، ليس بدلالة الانقسامات الوطنية المترتبة على نظام حكم إسلامي بين مختلف المكونات والكيانات الوطنية فحسب، بل وبشهادة الانقسام السني ـ الشيعي، وما يستتبعه من انقسامات متناسلة كذاك الانقسام الدامي في البيئة الشيعية (العراق نموذجا) وفي البيئة السنية (اصطراع المدارس المذهبية والانقسام السلفي ـ الإخواني) وغير ذلك من الشواهد والنماذج.

لنخلص إلى القول: إن الفكرة القومية وإن ضعفت وضعفت معها الرابطة القومية، إلا أنها ثمة شواهد عديدة دالّة على بقائها ووجودها... وأن هذه الفكرة لكي تستعيد ألقها وحضورها، بحاجة للخروج بها من أسر المدرستين: التقليدية في طبعاتها الناصرية والبعثية، والخليجية المصممة على مقاس صراع المحاور الإقليمية، على أن تنفتح على قيم المدنية والمواطنة ومنظومات حقوق الإنسان والأقليات، وأن تجعل من الدولة المدنية ـ الديمقراطية ـ العلمانية، هدفا لها، لا تساوم عليها، لأي سبب أو حجة وذريعة، فحكاية "لا صوت يعلو فوق المعركة" كانت سببا رئيسا في فشل الفكرة في صعودها، وشعار "لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة"، يعيد إنتاج السيرة ذاتها في مرحلة هبوطها، وبشروط أسوأ وأكثر مأساوية من أي مرحلة مضت.

اقرأ للكاتب أيضا: عن "حماس" وإسرائيل... عن غزة و"الهدنة"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

عن "الفكرة القومية"... العرب نموذجا 757516FB-881F-44D5-BE3C-57C7491EABE3.jpg AFP عن-الفكرة-القومية-العرب-نموذجا يضع صورة عبد الناصر على رأسه خلال تظاهرات مصر عام 2011 2019-12-14 02:15:43 1 2019-12-13 20:31:22 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.