جانب من مصنع تكرير النفط الخام في بقيق بعد تعرضه لهجوم في 14 سبتمبر 2019

525173 4

مايكل آيزنشتات/

في الأيام الأخيرة، حذّر كبار المسؤولين الأميركيين من إمكانية استعداد إيران لشن هجمات جديدة في الشرق الأوسط في إطار حملتها الرامية إلى تقويض سياسة الضغط الأقصى التي تنتهجها إدارة ترامب.

وسبق للمنشآت التي تستخدمها القوات الأميركية في العراق أن تعرضت لعدد متزايد من الهجمات الصاروخية، من بينها تسع هجمات في الأسابيع الخمسة الماضية وحدها.

ولم يُقتل أي أميركي في هذه الهجمات، لكن الزيادة في إطلاق النار وحركة الصواريخ الإيرانية المُبلّغ عنها إلى العراق تُعد بمثابة مؤشرات محتملة على هجمات قاتلة تستهدف الأفراد الأميركيين، أو حتى تكرار الهجمات الجريئة بواسطة طائرات بدون طيار وصواريخ موجهة على منشآت نفط سعودية في 14 سبتمبر. ويشعر بعض المسؤولين بالقلق من قيام إيران باستهداف البنية التحتية الحيوية الأخرى هذه المرة، مثل محطات تحلية المياه في الخليج.

عند التعامل مع جهات مثل إيران، على واشنطن أن تكون مستعدة في بعض الأحيان لتصعيد الموقف

ونتيجة لذلك، تفيد التقارير بأن واشنطن تفكّر بإرسال ما بين 4000 و7000 جندي إضافي إلى المنطقة، بما يتجاوز الـ 14000 جندي الذين تم إرسالهم إلى هناك منذ مايو. ولا يُعرف المزيج الدقيق للقوة الذي هو قيد الدراسة، على الرغم من أنه سيشمل على الأرجح زيادة في الأصول الضرورية لمنع تكرار الهجمات السابقة، مثل سفن حربية لحماية ناقلات النفط، ودفاعات جوية وصاروخية لحماية البنية التحتية الحيوية، ومقاتلات الشبح لحماية المنصات عالية القيمة المحمولة جوا والحفاظ على حرية الحركة الجوية الأميركية.

ومع ذلك، فإن الدفاع عن كل هدف ذي قيمة عالية أمر مستحيل، لذا ستبقى قوة الردع الطريقة الأفضل لمنع وقوع هجمات جديدة، ووقف المزيد من التصعيد، وحماية المصالح الأميركية في الخليج. وبالتالي، يجب دعم العمليات الجديدة لنشر القوات بتدابير أخرى لتعزيز الردع.

مواءمة الغايات، والسُبل والوسائل

تتطلب سياسة الضغط الأقصى التي تنتهجها واشنطن أقصى قدر من الردع. فالضغوط الاقتصادية الشديدة الناتجة عن الجهود المبذولة لوقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل قد دفعت أساسا بطهران إلى شن هجوم عسكري، ومن المرجح أن تفعل ذلك مجددا.

ولكن بدلا من مساهمة [الولايات المتحدة] في منع هجمات مماثلة، كثيرا ما قوّضت أقوال الرئيس الأميركي دونالد ترامب وأفعاله قوة الردع الأميركية ـ بدءا من تعهده المتكرر بإنهاء تورّط الولايات المتحدة في "حروب لا تنتهي" في المنطقة، وإلى تصريحاته التي تم الوفاء بها جزئيا بأنه سيتم سحب جميع القوات الأميركية من سوريا. وربما أدت هذه الخطوات إلى دفع طهران إلى الاستنتاج بأن الرئيس الأميركي يفتقر إلى العزيمة لخوض معركة، وأن بإمكانها على أقل تقدير استهداف حلفاء الولايات المتحدة دون عقاب.

يكمن التحدي الرئيسي الذي يعترض قوة الردع الأميركية في المصداقية وليس في القدرة

وبالتالي، عندما استهدفت إيران أربع ناقلات تابعة لحلفاء الولايات المتحدة بألغام بحرية في 12 مايو واثنتين أخريين في 13 يونيو، أدى انعدام أي رد عسكري أميركي إلى زيادة جرأة النظام على ما يبدو، وربما دفع به إلى إسقاط طائرة أميركية بدون طيار من طراز "غلوبال هوك" في 20 يونيو. وقد سمح الرئيس ترامب بشن هجمات سيبرانية محدودة ردا على إسقاط الطائرة، مما زاد من تأكيد رغبته في تجنب العمل العسكري.

وبالمثل، يبدو أن تغريداته اللاحقة تُعزز الانطباع بأن طهران يمكن أن تهاجم حلفاء أمريكا بِحُرية. وفي 24 يونيو، أشار إلى أن "الدول الأخرى... يجب أن تحمي سفنها الخاصة" في الخليج؛ وبعد يوم واحد، كتب أن الهجوم على "أي شيء أميركي" سيُواجَه "بقوة ساحقة". وبعد أقل من ثلاثة أشهر، جاءت الضربة الإيرانية الرئيسية بطائرات بدون طيار/صواريخ على منشآت النفط السعودية.

وبناء على ذلك، يكمن التحدي الرئيسي الذي يعترض قوة الردع الأميركية في المصداقية وليس في القدرة. ولردع الهجمات الإضافية، يجب أن تسمح قواعد الاشتباك الأميركية باستخدام القوة لحماية الحلفاء.

ويُعتقد أن قواعد الاشتباك البحرية للدول المشارِكة في "التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية" تسمح بذلك، لكن على واشنطن أن تؤكد بشكل أكبر التزامها بردود عسكرية محتملة ضد الهجمات في كافة المجالات ذات الصلة ـ البحر والجو والأرض والفضاء الإلكتروني. ويشمل ذلك جعل طهران تدرك أن الضرر الذي ستعانيه في أي تبادلات مستقبلية سيكون أسوأ بكثير من الضرر الذي تُلحقه.

الردع عن طريق الحرمان أو العقاب؟

اختارت واشنطن عموما الردع من خلال إنكار مواجهاتها مع إيران، محاولة إقناع النظام بأنها ستُحبط أي هجمات سيحاول تنفيذها ـ أي ستتم إزالة الألغام البحرية، وسيتم إحباط الضربات على السفن التجارية، وسيتم تعطيل المؤامرات الإرهابية، وسيتم اعتراض الصواريخ والطائرات بدون طيار.

لكن هذه المقاربة تسمح لطهران بأن تجري تقييما مسبقا للمخاطر والتكاليف التي من المحتمل أن تتكبدها لتحقيق أهدافها، مما قد يجعلها تخفض سقف هجماتها.

تفضل إيران عموما مزايا المفاجأة والقدرة على الإنكار، إلا أن غياب أي منهما لن يردعها بالضرورة

لذلك، يجب على واشنطن أن تسمح باستخدام قوة الردع من خلال فرض العقوبات أيضا، مثل تهديد الأصول التي تقدّرها طهران بالفعل والتصرّف بطرق لا يمكن التنبؤ بها بحيث تجعل من الصعب على قادة النظام معايرة المخاطر.

وبخلاف ذلك، ستواصل إيران اختبار دفاعات التحالف دون دفع أي ثمن. ومع ذلك، ليس من الواضح ما إذا كانت قواعد الاشتباك الأميركية الحالية تجيز اعتماد مثل هذه المقاربة ـ وإذا أجازت ذلك، من غير الواضح ما إذا كان قد تم نقل هذا الأمر إلى إيران.

تحذير وإسناد

قد يكون من الممكن في بعض الأحيان ردع إيران من خلال التنبيه بعملية عسكرية إيرانية وشيكة، إذا كان ذلك سيحدّ من فرص نجاحها. ومع ذلك، عندما حذّر المسؤولون الأميركيون من هجوم إيراني وشيك في مايو، وترافقت هذه الإعلانات مع نشر قوات أميركية جديدة، فذلك لم يمنع طهران من شنّ هجمات على ناقلات النفط في مايو ويونيو.

ومن غير المرجح أيضا أن يردع الكشف العلني عن أدلة على دور النظام الإيراني في خطوات "قابلة للإنكار" ظاهريا، أي هجمات مستقبلية. ففي النهاية، غالبا ما تترك إيران تلميحات عن دورها في الهجمات.

فالألغام التي استُخدمت لعرقلة عمليات موكب بقيادة أميركية خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية غالبا ما كانت تحمل علامات إيرانية، وهو الأمر بالنسبة للأسلحة المنقولة إلى الوكلاء المؤيدين لإيران في العراق (بعد عام 2003) واليمن (بعد عام 2015). وبالمثل، غالبا ما تتضمن رموز الحاسبة المكتوبة للبرمجيات الخبيثة المستخدمة في الهجمات الإلكترونية الإيرانية، مصطلحات فارسيّة.

وهكذا، بينما تفضل إيران عموما مزايا المفاجأة والقدرة على الإنكار، إلا أن غياب أي منهما لن يردعها بالضرورة. ومع ذلك، لا يزال الكشف عن دور طهران مفيدا لأنه يمكن أن يساعد في تشكيل الرأي الدولي وإقناع الدول الأخرى بمساعدة الجهود المضادة التي تقوم بها الولايات المتحدة.

العوامل المحلية والإقليمية

اتهمت طهران واشنطن بإثارة الاضطرابات الأخيرة في إيران ولبنان والعراق. وإذا تم استئناف الاحتجاجات الجماهيرية وازدادت حدتها داخل إيران، فقد يُنفذ النظام ضربات عسكرية ضد الولايات المتحدة بدافع من الشعور باليأس والضعف.

ومع ذلك، إذا أدركت طهران التهديدات على جبهات متعددة، فالتجربة تشير إلى أنها قد تتحاشى الرد تماما لتجنب الإفراط في تعريض نفسها [لهجمات] في وقت محفوف بالمخاطر.

وهناك أيضا احتمال بأن تتسبب التوترات المستمرة بين النظام الإيراني وإسرائيل في التقاء مساريْ الصراعين المنفصلين، الأميركي والإسرائيلي، مع إيران، خاصة إذا تسببت ضربة في العراق تُنسب إلى إسرائيل في سقوط عدد كبير من الضحايا هناك. وستكون مثل هذه النتيجة أقل ترجيحا إذا عززت الولايات المتحدة موقفها الرادع.

الخاتمة

تُظهر التجربة أنه بمجرد اختيار طهران لتوجه استراتيجي، سيكون من الصعب في كثير من الأحيان تحييدها عن هذا المسار؛ ومع ذلك، غالبا ما ستتراجع عندما تُقابَل بردّ صارم، بحيث تجدّد تحدّيها في مكان وزمان آخرين.

وبالتالي، في حين من الصعب اللجوء إلى قوة الردع بسبب تفاوت الحوافز بين النظام الإيراني (الذي قد يعتقد أنه يقاتل من أجل بقائه) والولايات المتحدة (التي لا تخشى مثل هذا الاحتمال)، على واشنطن أن تفعل ما في وسعها لإرغام طهران ـ على الأقل ـ على الحد من وتيرة عملياتها ونطاقها، واختيار أهداف أقل ربحية، واللجوء إلى وسائل أقل فعالية لتنفيذ هجماتها. وقد تقلل هذه المقاربة من التكاليف التي قد تفرضها طهران ومن احتمال التصعيد أيضا.

يجب دعم العمليات الجديدة لنشر القوات بتدابير أخرى لتعزيز الردع

ولكن لكي يحدث ذلك، على إدارة ترامب تجنّب التصريحات والخطوات التي تقوض الردع، ومواءمة غايات الاستراتيجية الأميركية وسُبلها ووسائلها بشكل أفضل، وتضليل طهران بشكل أكبر بشأن حسابات التكلفة والمنفعة، وإظهار درجة أكبر من قبول الولايات المتحدة بالمخاطر، وطرح تهديدات من اتجاهات متعددة أمام طهران، لكي تضطر بشكل دائم إلى إعطاء الأولوية لردودها.

وعند التعامل مع الجهات الفاعلة الصعبة مثل إيران، على واشنطن أن تكون مستعدة في بعض الأحيان لتصعيد الموقف من أجل وقف هذا التصعيد وتهدئة الوضع في نهاية المطاف، في السعي نحو هدف حل الأزمة بطريقة غير عنيفة.

مايكل آيزنشتات هو زميل "كاهن" ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
ردع الهجوم الإيراني المقبل CE15151C-EEAF-4131-80B2-C05FF8856BD7.jpg Reuters ردع-الهجوم-الإيراني-المقبل جانب من مصنع تكرير الخام في بقيق بعد تعرضه لهجوم 2019-12-14 03:48:25 1 2019-12-13 21:29:37 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.