إنقاذ مهاجرين في البحر المتوسط
إنقاذ مهاجرين في البحر المتوسط

525592 4

د. ابتهال الخطيب/

في العمل الإنساني، كثيرا ما تجد نفسك مسحوب عميقا إلى لب القضايا، متغلغلا في تفاصيلها، حتى ليتحول الكثير منها إلى قضايا شخصية بالنسبة إليك، وحتى لتنغمر حياتك بعد زمن بشعور مستمر بالتقصير وتأنيب الضمير.

حين أنغمس بعيدا يذكرني زوجي أنني أرفع الفواصل بين حياتي وعملي، وأنني أحتاج ألا أجعل من كل قضية وقصة وحالة موضوع شخصي؛ إلا أن الفصل بين الإثنين، القضية والحياة الشخصية، ليس بالموضوع اليسير، ذلك أن القضايا الإنسانية ذات طبيعة تواصلية ملحة تقترب من كونها مرضية، فبحكم تشاركنا في بشريتنا نستطيع تخيل آلام هذه القضايا، وبحكم فطرة حب البقاء والسعي للحفاظ على النوع تجبرنا هذه البشرية على مد يد العون والمساعدة وأحيانا الانغماس في المشكلة إلى حد يأخذ علينا حيواتنا ويصعب الفصل بين واقعنا الشخصي والواقع المتنوع شديد التباين للبشرية بأكملها.

وكان أن قدمت د. مشاعل الهاجري، أستاذة القانون المدني في جامعة الكويت، ترجمة ممتازة لمقال الفيلسوفة الرأسمالية آين راند، والذي عنونته د. الهاجري "أخلاقيات الطوارئ"*، والذي يتعامل مع فكرة "الإيثار" من حيث حقيقيتها، دوافعها، وأخلاقيتها، بما يرتبط بشكل مباشر بالكثير من الأسئلة الدائرة في نفسي حول مفهوم المساعدة وحدودها.

مقال راند يريح الضمير منطقيا ولكنه مؤرق إنسانيا

وعلى الإبهار المنطقي للمقال، إلا أن نفسي لم تستطع تقبل عقلانيته الصلفة في تعامله مع الطبيعة الإنسانية المعقدة، أو لربما هي روحي التي عجزت عن الإقرار بالأنانية المطلوبة والتي تلمست حقيقة وجودها في حياتي بين سطور مقال الكاتبة؟

تقول راند: "دمر الإيثار فكرة أي خير حقيقي أو نوايا طيبة بين البشر. لقد لقن الناس فكرة أن تقدير إنسان آخر هو فعل غير أناني، مضمر بذلك ضمنا أنه لا مصلحة شخصية للمرء في الآخرين ـ وأن تقدير قيمة الآخر يعني التضحية بالنفس ـ وأن أي حب، احترام أو إعجاب يمكن أن يشعر به المرء تجاه الأخرين ليس ـ ولا يمكن أن يكون ـ مصدرا لمتعته الشخصية، بل تهديد لوجوده، صكّ تضحية على بياض تم الإمضاء عليه لمصلحة من يحبّ" (11).

تؤكد راند أن الأفراد الذين يقعون على الجانب الآخر من فكرة الإيثار، أي المستفيدين من "أقصى منتجات الإيثار" هم المرضى النفسيون الذين "لا يبالون إطلاقا لأي شيء حي" وأن أغلبية البشرية تقع بين هذين الجانبين المتناقضين والذين يتسببان في "فوضى فكرية عارمة على جبهة العلاقات الإنسانية السوية".

وتشير راند إلى وجود حيرة، إذا صح التعبير، في إدراك أو تصور المبادئ الأخلاقية وأن المعظم لا توجيه لديهم، حسب تعبيرها، "في مجال الأخلاق التي يسيطر عليها الابتذال للإيثار" (11).

تعرف راند التضحية على أنها "تسليم شيء ذي قيمة كبيرة مقابل شيء ذي قيمة أقل أو من دون قيمة" (11) إلا أن "المبدأ العقلاني للسلوك" في رأيها "هو على النقيض من ذلك تماما: تصرّف دائما وفق تراتبيّة مبادئك (hierarchy of your values)، ولا تضحّ أبدا بشيء ذي قيمة كبيرة مقابل شيء أقل منه قيمة" (11).

تعطي راند مثالا واضحا على أن المصلحة الشخصية والأنانية هي ما تسير معظم أفعالنا حتى حين يبدو الوضع ظاهريا نقيض لذلك، فعلى سبيل المثال، الرجل الذي يدفع كل ما لديه من مال لينقذ زوجته من مرض عضال هو يأتي ذلك لأن بقاءها يضمن سعادته أكثر من وجود المال لديه.

تؤكد راند بأن "الطريقة المُثلى للحكم بشأن متى يكون على المرء مساعدة شخص آخر وما إذا كان عليه القيام بذلك هي من خلال الإحالة إلى المصلحة الذاتيّة والعقلانيّة للفرد وإلى تراتبيّة قيمة الشخصية: إن الوقت، المال أو المجهود الذى يكرّسه المرء أو المخاطرة التي يأخذها ينبغي أن تتناسب مع قيمة الشخص الآخر فيما يتعلق بالسعادة الخاصة المتحققة من ذلك" (12).

من خلال توصيف راند المنطقي "الصلف" هذا، سيتبدى أن الأم تقدم كل أنواع المساعدة التي نصفها بالإيثار والتضحية من باب المحافظة على سعادتها هي الشخصية ومن باب إبقاء من تحب ومن يضيفون بثقل لنوعية حياتها سالمين سعداء.

تتعارض هذه الفكرة ومفهوم الإيثار الأمومي العاطفي الذي طالما كان قاعدة أساسية في التقييم الأخلاقي بل والديني الذي يضع الجنة تحت قدمي الأم بسبب من إيثارها وتضحياتها، في حين أن تحليل راند المنطقي يشير إلى أنانية صحية، إذا صح التعبير، خلف هذه الرعاية الأمومية.

فإذا كان "إيثار" الأم مصلحي في النهاية، أو هو ليس إيثارا أصلا وإنما، كما تقول راند، هي "نزاهة" والتي تعني "إخلاص المرء تجاه قناعاته وقيمه" (13)، فما معنى إذن العمل الإنساني الذي يقدم للأغراب الذين لا تأثير مباشر لهم في حياة الإنسان؟ تقول راند "إنه الاحترام العام والنوايا الطيبة التي يمنحها المرء للإنسان باسم القيمة المُحتملة التي يمثلها ـ إلا إذا تخلّى عنها" (13).

الإنسان العقلاني بالنسبة لراند "لا يغيب عنه أن الحياة هي مصدر جميع القيم... إنه يدرك حقيقة أن حياته هي المصدر، ليس فقط لجميع قيمه، وإنما أيضا لقدرته على التقييم. لذلك، فإن القيمة التي يسبغها على الآخرين هي محض نتيجة، امتداد، انعكاسٌ ثانوي للقيمة الأوليّة التي تتمثل فيه هو شخصيا" (13).

وعليه، يجب على الإنسان أن يحافظ على حياته أولا لأنه دون أن يكون حيا، لن يستطيع مساعدة الآخرين بل ولن يستطيع تقييم حيواتهم. نحن، من خلال إجلال الكائنات الحية الأخرى، حسب توصيف راند، نجل أنفسنا، مما يعيدنا لمفهوم الأنانية الصحية والتي من خلالها نستطيع تقييم كل حي ينتمي لفصيلنا.

تفرق راند بين الحالات الطارئة والحالات العادية في الحياة وهي تؤكد أنه "في حالات الطوارئ فقط يكون على المرء واجب التطوّع لمساعدة الغرباء، إذا كان بوسعه ذلك" (14) وأن ذلك يجب أن يكون ناتج "عن النية الطيبة لا عن الواجب" (14).

كما أن المساعدة، في رأي راند، يجب أن تكون مؤقتة، فليس على الإنسان أن يطعم فقيرا طول العمر كما وأنه ليس عليه أن يبحث عن كل الفقراء حول العالم طوال حياته لإطعامهم "فيتحول سوء حظ بعض الناس في هذه الحياة إلى ارتهان لحياة الآخرين" (14).

تنتهي راند إلى القول بأن "الهدف القيمي من حياة الإنسان هو تحقيق سعادته الشخصية، وهذا لا يعنى أن يكون لا مباليا تجاه الآخرين... بل إن ما يعنيه هو ألا يكرّس حياته لما يحقق صالح الآخرين، وألا يضحى بنفسه لاحتياجاتهم، وأن إراحتهم من معاناتهم ليس شغله الأوّل..." (15).

لربما لأن راند لم تحيى في الشرق الأوسط، هي لا تدرك تماما معنى أن تكون الكوارث هي القاعدة لا الاستثناء، وأن النجاة بالنوع البشري الشرق أوسطي تتطلب تضحيات وعمل مستمرين لا تطوعات مؤقتة متى ما تسنت ودون أن تتعارض والمصالح الشخصية، وأن السعادة الشخصية، في هذا الجزء الغريب من الكون، رهينة الظروف العامة التي لا ينجو منها سوى أغنى الأغنياء الذين يستطيعون تأمين أنفسهم في البقع الأخرى من الكرة الأرضية حيث تتوافر رفاهية الحديث عن المصلحة والسعادة الشخصيتين.

يجب على الإنسان أن يحافظ على حياته أولا لأنه دون أن يكون حيا، لن يستطيع مساعدة الآخرين

أقول ذلك معترفة تماما بتقصيري، وبأنني من الفئة التي تساعد عرضيا، مرحليا، وفي تقديم لحياتي الشخصية في معظم الأحيان عما عداها. عنايتي هذه بحياتي، وعناية كل من حولي بحيواتهم، تبدو على طبيعتها غير أخلاقية (ولربما غير منطقية؟) على نحو كبير في ظل الظروف الفاحشة للمنطقة وفي ظل عذابات قريبة جدا لجيران يقول المنطق بضرورة نجاتهم لكي ننجو نحن كذلك.

مقال راند يريح الضمير منطقيا ولكنه مؤرق إنسانيا، فنزعته الداروينية التي تدفع إلى العناية بالذات من منطلق أنها المنحى للعناية بالآخرين بما يشكل معنى إيجابي للأنانية قد تأخذ أبعادا خطرة من حيث التشجيع على هذه الأنانية التي في الغالب ستأخذ أشكالا قصوى عند البشر محولة هذه الدنيا من الغابة التي هي الآن، إلى أدغال متوحشة الغلبة فيها فقط لأقوى الأقوياء والحكم فيها دوما لمصلحته.

إن فلسفة راند المنطقية القاسية تماما، وإن لم تستطع أن تحول التفكير البشري مع مطلع القرن العشرين إلى "الأنانية الأخلاقية" كما تسميها المترجمة د. الهاجري، إلا أن لفلسفتها هذه تأثير كبير على مفاهيم الأخلاق على مدى القرن والنصف اللاحقين، والتي هي مفاهيم لا يزال البشر متنازعين بينها، بكل مثاليتها، وبين حيواتهم واحتياجاتهم، بكل متطلباتها "المبتذلة" أحيانا.

أدرك أن مصلحتي تحكم كل تصرف من تصرفاتي، ولربما هي يجب أن تكون كذلك، ولكنني أكره هذه الحقيقة، فما هو الإنسان فاعل تجاه هذه المعضلة الأخلاقية الموجعة.

*المقال لكاتبته آين راند ولمترجمته د. مشاعل الهاجري منشور في مجلة الثقافة العالمية، مايو-يونيو 2019، عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، دولة الكويت، ص 10-15.

اقرأ للكاتبة أيضا: ليت المستور بقي مستورا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

"الأنانية الأخلاقية" BF37B9C9-1875-4F13-B8A4-C2B700667B4D.jpg AFP الأنانية-الأخلاقية إنقاذ مهاجرين في البحر المتوسط 2019-12-17 14:10:18 1 2019-12-17 14:22:18 0

الانتخابات العراقية

مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر، تتزايد الدعوات لحظر مشاركة الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة الموالية لطهران، ما يشير إلى تصاعد المقاومة ضد سنوات من النفوذ الإيراني في العراق.

منذ أكثر من عقدين، هيمنت الجماعات المدعومة من إيران على المشهد السياسي في العراق، مستخدمة ميليشياتها لتشكيل نتائج الانتخابات وترسيخ نفوذها السياسي. لكن قبل انتخابات هذا العام، تطالب مجموعة متزايدة من النشطاء العراقيين بتطبيق قانون قد يُغير موازين القوى.

انتخابات خالية من السلاح

يدور الجدل حول قانون الأحزاب السياسية رقم 36، الصادر عام 2019. 

يحظر هذا التشريع على الجماعات المسلحة الانخراط في النشاط السياسي، ولكن لأسباب غير معروفة، لم يُطبّق القانون قط.

والآن، يطالب قادة المجتمع المدني بتغيير ذلك.

"نحتاج إلى عملية انتخابية حقيقية وعادلة، خالية من تدخل السلاح والمال السياسي، يقول مجتبى أحمد، الناشط المدني وأحد المتظاهرين الذين أصيبوا خلال احتجاجات تشرين 2019.

"نريد أن يكون للعراق صوته السياسي الخاص، بعيدا عن الميليشيات والنفوذ الإيراني وأي نفوذ آخر".

يشغل أحمد الآن منصب نائب رئيس منظمة "صفاء"، وهي منظمة عراقية غير حكومية تدعو إلى إصلاحات ديمقراطية. ومثل العديد من النشطاء، يرى أحمد في الانتخابات المقبلة فرصة نادرة لتحدي الواقع السياسي بالوسائل السلمية.

إرث من الاحتجاجات.. فرصة للتغيير

في تشرين 2019، هزت الاحتجاجات الجماهيرية الطبقة السياسية وتحدت التدخل الإيراني في في الشأن العراقي، علنا. وطالب المتظاهرون خلالها بإنهاء المحاصصة الطائفية، والفساد الحكومي، وسلطة الفصائل المسلحة المرتبطة بالنظام الإيراني.

على الرغم من حملات القمع العنيفة والركود السياسي الذي تلا ذلك، لا يزال نشطاء مثل أحمد ملتزمين بالإصلاح من خلال صناديق الاقتراع، لكن مع التشديد على ضرورة تطبيق القانون رقم 36، الذي يمنع الأحزاب المرتبطة بالميليشيات من خوض الانتخابات.

لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت الحكومة ستستجيب لهذا النداء. لكن بالنسبة لجيل جديد من العراقيين، تُمثل الانتخابات المقبلة أكثر من مجرد ممارسة مدنية، بل هي اختبار لمدى إمكانية استعادة الحياة السياسية من براثن السلاح والأجندات الخارجية.

ويطالب أحمد المحكمة الاتحادية العليا في البلاد بحظر الفصائل المسلحة من ممارسة السياسة، ويطالب البرلمان والسلطات المعنية كافة بتفعيل قانون الأحزاب السياسية لإعادة النزاهة والمصداقية الى العملية الانتخابية.

تغيير قواعد اللعبة

في المقابل، ترى الناشطة المدنية، يسرى زينب، أن التطورات والتغييرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين غيرت قواعد اللعبة، وتشير إلى أن الفصائل العراقية تراقب بقلق تراجع نفوذ إيران في المنطقة.

وتؤكد زينب أن بعض تلك الفصائل بدأت تقدم تنازلات من أجل الحفاظ على النظام السياسي القائم.

"تمثل المرحلة الحالية فرصة حقيقية ونادرة للقوى المدنية والليبرالية، والشباب العراقي لاستثمار لحظة الضعف النسبي لهذه الجماعات المسلحة المرتبطة بالمحاصصة والطائفية، والانطلاق نحو بناء مشهد سياسي أكثر توزنا وعدالة".

وتمكنت الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران، عبر تشكيل أجنحة سياسية، من التوغل داخل العملية السياسية والاستحواذ على غالبية مقاعد البرلمان العراقي في انتخابات عام 2018، لكن اندلاع احتجاجات تشرين الشعبية في أكتوبر 2019، على مدى عام كامل، ساهمت في تراجع شعبية هذه الفصائل والأحزاب المتحالفة معها وتسببت في انحسار أصواتها في انتخابات عام 2021.

 لكن سرعان ما عادت الفصائل إلى الواجهة لتستحوذ مجددا على غالبية مقاعد البرلمان بعد انسحاب نواب التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر من العملية السياسية، تقول زينت.

ويشير رئيس مؤسسة "بصرياثا للثقافة الفيدرالية"، عمار سرحان، الى أن الفصائل المسلحة تجبر المنتمين إليها على انتخاب مرشحيها.

ويشدد سرحان في حديث لـ"الحرة"، على أن "من الضروري إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها مع القوات الأمنية لضمان استقلالية التصويت للأفراد، وكذلك ينبغي العودة إلى قانون الانتخابات السابق "قانون الدوائر المتعددة" الذي نظمت بموجبه انتخابات عام 2021.

قوانين الانتخابات

وشهد العراق تشريع ستة قوانين انتخابية منذ عام 2003، الأول كان في مرحلة الدولة الانتقالية، إذ كان العراق كله دائرة انتخابية واحدة، مع إقرار قوائم انتخابية مغلقة.

وفي 2014 أصدر البرلمان قانونا جديدا للانتخابات اعتمد فيه نظام سانت ليغو حسب معادلة 1.7، لكن هذه المعادلة شهدت تغييرا في انتخابات 2018 حين تم إصدار قانون انتخابي جديد اعتمد معادلة 1.9.

وشهد القانون تغييرا جذريا عام 2020، استجابة لمطالب احتجاجات تشري، إذ اعتمد على الأكثرية بدلا من النسبية. وقسّم المحافظة، التي كانت في القوانين السابقة دائرة واحدة، إلى عدة دوائر انتخابية. هذه التعديلات أسهمت في فوز نحو 70 مرشحاً مستقلاً، من بينهم مرشحون عن أحزاب جديدة انبثقت عن ساحات الاحتجاج، بينما تراجع حظوظ غالبية الأحزاب الكبيرة التي لم تتمكن من تحقيق الأغلبية.

هذا الأمر دفع الأحزاب التقليدية للسعي إلى تغيير القانون بالفعل في 27 مارس 2023.

لكن الناشط السياسي واثق لفته، يعتبر الأحزاب الناشئة أحزابا ضعيفة لا تمتلك المال ولا السلطة ولا السلاح. 

ويعتقد لفتة أن عمليات التغيير من خلال صناديق الاقتراع بحاجة إلى زمن طويل جدا وقد تنجح أو لا تنجح، مع وجود قوى موازية للدولة، مسلحة ومتمكنة ماليا، وقادرة حتى على التلاعب في نتائج الانتخابات.

ويستبعد لفته أن يؤدي تراجع النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط إلى إحداث تغيير في الواقع السياسي العراقي.

يقول لـ"الحرة"، "ليس من السهل إبعاد هذه الأحزاب والفصائل المسلحة عن صندوق الاقتراع. نحتاج إلى وقت طويل جدا كي يتحول العراق من فكر المجاميع والجمعات الصغيرة إلى فكر دولة حقيقة واحدة".

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد، أنمار السراي، أن تقلص النفوذ الإيراني في المنطقة ينعكس على نفوذ الفصائل العراقية على الساحة الإقليمية، وتدخلاتها خارج الحدود، لكنه يستبعد أن يؤدي إلى تقليص نفوذ الفصائل داخل العراق.

"تأثير تقلص النفوذ الإيراني على الداخل العراقي والتحكم به، بالتأكيد لا. ستبقى هذه الفصائل على الأقل خلال السنوات الأربعة القادمة ماسكة بالحكومة القادمة ويكون لها الكلمة العليا على القرارات وسوف تستمر بالضغط"، يقول السراي لـ"الحرة. 

ويذهب المحلل السياسي رمضان البدران، إلى أن الفصائل العراقية المدعومة من إيران أصبحت اليوم قوية بذاتها متمكنة داخل الدولة العراقية سياسيا وعسكريا واقتصاديا "إلى درجة أن إيران أصبحت تحتاجها".

ويشير إلى أن "هذه الفصائل باتت أزمة عراقية وليس أزمة مرتبطة بإيران".

حظوظ التيار المدني

يعتقد البدران أن التيار المدني العراقي لا يمتلك مشروعا يؤهله لمنافسة القوى التقليدية.

"على هذا التيار أن يفهم أن هناك دستورا، ويجب أن يفهم العيوب في النظام الانتخابي، الذي يسمح لأركان النظام السياسي في إعادة تدوير أنفسهم في كل مرة"، يقول في حديث مع موقع "الحرة".

ويرى أن "التيار المدني لو أجاد معركة صناديق الاقتراع، لكان العراق اليوم بوضع أفضل".

ورغم صعود نواب مستقلين وآخرين تابعين للأحزاب الصغيرة والناشئة الى البرلمان في الانتخابات السابقة، الا أنهم لم يتمكنوا وبحسب ناشطين تحدث معهم موقع "الحرة" من مواجهة الاجنحة السياسية للفصائل المسلحة، ولم يتمكنوا من تفعيل قانون الأحزاب ومنع الفصائل المسلحة من خوض العملية الانتخابية.

وترى النائبة عن كتلة "امتداد" في مجلس النواب العراقي، فاتن القره غولي، أن النواب المستقلين لا يمكنهم الضغط لمنع هذه الفصائل من المشاركة في العملية الانتخابية.

"دورنا هو أن نوضح ونحدد للجمهور الجهة السياسية التي تهدف لبناء الدولة، لاسيما التشريعية، بشخوص مؤمنين بالعملية الديمقراطية النزيهة بعيدا عن المحاصصة"، تقول لموقع "الحرة".

وتشير القره غولي إلى أن غالبية الناخبين يخشون من تأثير الفصائل المسلحة على العملية السياسية ويؤكدون على ضرورة الفصل بين السياسة والسلاح لضمان انتخابات نزيهة ومستقرة.

وتؤكد القره غولي على أن ضمان نزاهة العملية الانتخابية يكمن في مشاركة جميع الأطراف بشكل عادل بعيدا عن المال السياسي والسلاح المنفلت.

ومن المقرر أن تجري في العراق انتخابات برلمانية في أكتوبر المقبل.  ويتوقع أن تكون الانتخابات مختلفة عن سابقتها إذ تأتي في خضم تطورات إقليمية ودولية متسارعة، منها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، بعد إضعاف قدرات الجماعات المسلحة المرتبطة بها.