525621 4

نيرڤانا محمود/

"ابنتك تسأل أسئلة من خارج المنهاج، وتضيع وقت الحصة".

غضب مدرسي غضبا عارما، واشتكى لأمي، لأني سألته لماذا نكرم القاتل والمقتول؟ سؤالي هو سبب وجود شارع في القاهرة باسم سليم الأول وميدان باسم طومان باي. وبالطبع لم تكن لديه إجابة.

المدرس كان مثالا لظاهرة تسطيح التاريخ التي ابتليت بها مصر والعالم العربي منذ سبعينيات القرن الماضي، عندما دخلنا مرحله الغيبوبة الفكرية. إذ انحصر تدريس التاريخ، في مصر والعالم العربي، في منهج ضيق سطحي يقدم أحداث تاريخنا العربي وكأنها قضاء وقدرا. 

تعمدت كتب التاريخ في بلادنا ألا تنتقد إلا المحتل الغربي؛ الإنكليز، الفرنسيين، الصليبيين، الرومان. أما العرب والمسلمين، فقد قدمتهم على أنهم فاتحين، منقذين، أصحاب نية حسنة، بلا جرائم ولا حتى أخطاء.

نحتاج إلى عقول جديدة لا تخاف من مواجهه تجار الدين

تعمدنا طوال هذه السنوات ألا نواجه الأسئلة البديهية عن تاريخنا الإسلامي.

فتح أم غزو؟ سليم الأول أم طومان باي؟ الأمة الواحدة الضعيفة، أم الدول المتعددة الحديثة؟ تجنبت كتب التاريخ، والنخب الدينية والثقافية النقاش، بناء على قول مصري بسيط "بلاش وجع دماغ".

مع انتشار الإسلاموية السياسية والاجتماعية، أصبح همّ معظم المثقفين والمفكرين تجنب أي مواجهة مع رجال الدين، وخصوصا عن الفتوحات والغزوات، فلا أحد يريد أن يواجه مصير فرج فودة، أو يوصف بالزندقة. 

أعدت سؤالي مرارا وتكرارا في مراحل مختلفة من حياتي وواجهت نفس الرفض ونفس الغضب والتهكم من رجال الدين والفكر.

أحد رجال الدين، وقد غضب من سؤالي، نصحني أن أتحجب قبل أن أتفلسف.

أما رجال الفكر، فقد قال لي أحدهم: "أنت بتوجعي دماغك في أسئلة لا تجدي. فتح؟ غزو؟ سليم الأول ظالم، أو طومان باي مظلوم، حديثنا عنهم لن يغير شيء".

ولكن، في مقابل سياسة التسطيح الرسمية تجاه التاريخ وأحداثه، ظهرت سياسة موازية من أتباع حركات الإسلام السياسي تأدلج التاريخ.

تركيا والعالم العربي وأدلجة التاريخ

ترفض هذه الحركات التعددية الإسلامية والهويات الوطنية الحديثة وتدعو إلى هوية أيديولوجية واحدة عابرة للأوطان.

من هذا المنطلق، أصبح توظيف التاريخ سلاحا أساسيا لهذه الجماعات. يمجد الإسلامويون الحاكم المنتصر، كسليم الأول حتى لو ارتكب المعاصي، ويحتقرون المهزوم، كطومان باي، بل ويظهرونه على أنه المفسد الخاطئ.

وصل وله الإسلامويون بحكام بن عثمان إلى حد تصوير بعضهم للحكم العثماني بصورة المنقذ الذي منع "النصرانية والتشيع والكفر" من الانتشار بين العرب. وكأن المماليك لم يكونوا مسلمين، مدافعين عن الدين، هزموا التتار والصليبيين والبرتغال قبل غزو سليم الأول لمصر.

ثم جاء نظام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ومعه الدراما التركية لتدشن صفحة جديدة أكثر قوة وانتشارا لهذا الفكر المؤدلج في عقول الشباب العربي من المحيط إلى الخليج.

ولهذا فمن غير المستغرب أن نرى ردات الأفعال العنيفة الغاضبة من أتباع بني عثمان العرب لمسلسل ممالك النار.

نجح العمل في طرح الأسئلة الصعبة التي تعمد علماؤنا ومثقفونا التهرب منها على مدى عقود. جاء المسلسل ليكشف فشلنا المزمن في بناء عقول ناضجة تتعلم من الماضي لتواجه تحديات الحاضر والمستقبل. أجيال من شبابنا لم تجد من يشكل وجدانهم وهويتهم وانتمائهم إلا من جماعات تتاجر بالدين وتتغنى بسلطان الأتراك وتحلم بخلافة لم تكن أبدا نموذج جيدا للإسلام كدين أو كدولة.

السؤال الآن، ماذا بعد ممالك النار؟ هل يستطيع العرب مواجهة أدلجة الإسلاميين لتاريخهم وشبابهم؟

البعض يقول لا؛ ويعتقد أن أدلجة الشعوب العربية وصلت إلى درجة يصعب عكسها.

لكني أختلف مع هذه النظرة المتشائمة. نحن نستطيع فعل الكثير، وكفانا عقودا من الخنوع والاستسلام لتجار الدين.

في استطلاع للرأي على مواقع التواصل الاجتماعي، تساءلت قناة الحر مشاهديها بعد عرض مسلسل "ممالك النار": هل تعتبر دخول العثمانيين إلى المنطقة العربية قبل خمسة قرون فتحا إسلاميا أم غزوا عثمانيا؟ 85 في المئة؜ من المشاركين أجابوا بأنه غزو عثماني.

النتيجة، وإن كانت تعكس أراء المشاركين فقط وهي عينة غير علمية، تعطي أملا بأن الفن الناجح يمكن أن يغير نظره المجتمع تجاه إرثه وتاريخه. الفن سلاح مهم في مواجهه حركات الإسلام السياسي ولكنه يحتاج إلى ضوابط عديدة أهمها مراعاة الحقائق التاريخية، كما حدث في مسلسل ممالك النار، لكي ينجح في مخاطبة أجيال الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

نحن في أمس الحاجة إلى أعمال جديدة تعالج محطات أخرى في تاريخ الخلافة، كالثورات العربية، الحرب العالمية الأولى وسفر برلك، وغيرها من الأحداث التي لا يعرفها شبابنا الذي تعود على التعرف على التاريخ العثماني من المسلسلات التركية.

الفن وحده لا يكفي. التعليم المدرسي والديني أهم وأقوى. فلا يمكن أن ينجح الفن حين يهاجمه من رجال الدين. فقد بثت إذاعة القران الكريم المصرية محاضرة بعنوان "إنهم يشوهون تاريخ الفاتحين الأوائل"، والذي تمت فيه مهاجمه مسلسل ممالك النار.

بالله عليكم، إذا كان هذا حال رجال الدين الأزهريين، فماذا تركنا لأغوات السلطان؟

يجب أن يعي رجال الدين أن نقد التاريخ لا ينقص من الدين شيء، بل على العكس يثبته في قلوب الشباب بوعي أكبر ويفصل بين ما دعا إليه الخالق وبين أخطاء البشر.

تعمدت كتب التاريخ في بلادنا ألا تنتقد إلا المحتل الغربي

الصراع مع نظام العثمانيين الجدد في تركيا أكبر بكثير من النزاع على غاز البحر المتوسط، والاتفاق مع حكومة السراج في ليبيا، والحلف التركي القطري. الصراع مع العثمانيين الجدد هو صراع على الهوية وتشكيل الوعي العربي.

هو صراع بين نموذج يستخدم التاريخ لتعبئة المناصرين ويبيع وهم الخلافة للشباب العربي، وآخر يصارع الأدلجة والتضليل.

لم أعد بحاجة إلى إجابه عن سؤال طفولتي، فقد قررت محافظة القاهرة تغيير اسم شارع سليم الأول منذ العام الماضي، ولكن تغيير ميراث سليم الأول أصعب بكثير من تغيير أسماء الشوارع والميادين.

نحتاج إلى عقول جديدة لا تخاف من مواجهه تجار الدين، ومناهج تعليميه مختلفة، لا تغير فقط كلمة فتح إلى غزو، بل وتفسر التاريخ بحيادية وموضوعية. نحتاج إلى إعلام جديد يواجه منصات الإسلامويين بفكر تنويري جديد. وقبل كل هذا، نحتاج أزهرا جديدا لا يتشبث بتراث متجمد ملتبس. نحتاج إلى مشروع حضاري متكامل يبني وطنا لا يقتل فيه فرج فوده وولا يهاجم فيه المبدعين ولا يعتبر طومان باي عجمي غير مصري، فهل من مجيب؟

اقرأ للكاتبة أيضا: مستقبل "داعش" في ظل النفوذ التركي في سوريا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

"ممالك النار"... الصراع أبعد من مسلسل 2586844A-52F2-4833-99E4-6A82FB3A46D9.jpg Social Media ممالك-النار-الصراع-أبعد-من-مسلسل طومان ونلباي في مشهد من المسلسل (المصدر: صفحة المسلسل على موقع فيسبوك) 2019-12-17 17:12:56 1 2019-12-17 17:19:12 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.