بناء على تفكير منطقي بسيط، كل ما تقوم به الإنسانية على مستوى التقدم التقني يهدف لزيادة سعادة الإنسان. التكنولوجيا في الأصل تهدف لتحقيق مال أكثر بجهد أقل وإمكانيات أعلى، وهذا منطقيا يفترض أن يساهم في حصول الإنسان على المزيد ماديا ومعنويا، وبالتالي تحقيق السعادة.

لكن هل نحن اليوم أكثر سعادة فعلا؟

من جهة، استطاعت التكنولوجيا رفع مستوى الرعاية الصحية عموما، وزادت العمر الافتراضي للإنسان. في المستقبل، ستتطور تكنولوجيا تعديل الجينات البشرية بحيث سيمكن نظريا القضاء على معظم الأمراض وتطوير صفات الإنسان الجينية بشكل مذهل. الذكاء الاصطناعي سيجعل حياتنا أسهل بكثير، وإنترنت الأشياء سيجعلنا نتحكم بكل شيء من حولنا من خلال شبكة واحدة كما نتحكم اليوم بالمعلومات، كما أن كل أنواع الترفيه صارت متاحة لنا عند الطلب، أما الشراء فقد أصبح عند أطراف أصابعنا ليصلنا أي شيء نريد إلى عتبة البيت.

لكن هذا كله قد لا يحقق السعادة. في أميركا، البلد الأغنى والأكثر تقدما، يتراجع معدل السعادة بشكل تدريجي منذ عام 2005 حسب تقرير السعادة العالمي (World Happiness Report)، والذي يعد بمبادرة من الأمم المتحدة، ويشارك فيه عدد كبير من الخبراء، حيث تأتي أميركا في المرتبة الـ15 في تقرير هذا العام.

التقنية بشكل عام رفعت من حجم التوقعات على الناس في حياتهم العملية

بل إن هناك عددا كبيرا من الدراسات التي تؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين الاستخدام المكثف للموبايل والشبكات الاجتماعية وبين ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، وبدرجات أعلى بين الشباب والمراهقين والفتيات. الشبكات الاجتماعية ساهمت في انتشار نوع من القلق مبني على الخوف على "المنزلة الاجتماعية" (Status Anxiety)، وذلك بسبب المقارنة الذي يحدثها الإنسان بين نفسه وبين الآخرين من حوله على فيسبوك وانستغرام وغيرها، كما أدرى لارتفاع مستويات "الحسد" والذي يؤدي نفسيا للحزن الشديد أحيانا.

الإحساس المتزايد لدى الناس أن تفاصيل حياتهم وأفكارهم يتم مراقبتها من الحكومات والشركات والآخرين الذين يقتحمون حياتهم على الشبكات الاجتماعية خلق أيضا نوعا من القلق، والمعروف أن هذا سيزداد خلال السنوات العشر القادمة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والتي تقتات بشكل أساسي على فهم سلوكيات الجماهير وتحليلها واستغلالها لصالح الشركات التقنية والمعلنين.

التقنية بشكل عام رفعت من حجم التوقعات على الناس في حياتهم العملية. ما كان ينجز قبل 20 سنة خلال أشهر، يمكن إنجازه اليوم خلال أقل من ساعة (بلا أي مبالغة)، ولكن هذا جعلنا في دوامة متسارعة من الحاجة للإنجاز، ووضعنا جميعا على طريق سريع من المنافسة مع الآخرين، وهذا كله له ضغوطه الحادة علينا جميعا.

هذا كله، ساهم في تصاعد (الابتكار التقني) الدي يهدف لزيادة السعادة في حياة الإنسان، وهي الطريقة التي تتعامل من خلالها الإنسانية اليوم مع أي مشكلة تواجهها.

• هناك باحثون ركزوا على الدراسات التي تقول بأن أكثر من 50 في المئة من السعادة له علاقة بالجينات وليس بتأثير حياة الإنسان. بنيت هذه الدراسات على دراسة التوائم المتشابهة الذي انفصلوا عند الولادة بسبب ظروفهم الأسرية، وعاشوا في بيئات مختلفة تماما. السعادة هنا مرتبطة من حيث التعريف بالــ "الإيجابية المرتفعة" لدى الشخص، والسلام الداخلي لديه، وتوافق رغباته الداخلية مع واقعه عموما. هؤلاء الباحثين يبحثون عن طرق لتعديل الجينات بحيث يولد الطفل وعنده مستوى عال من السعادة، حتى أن عالم النفس الأوروبي الشهير ميهالي تشيكسنتميهالي يتوقع في دراساته حول "مستقبل السعادة" بأن العقود القادمة ستشهد نمو ظاهرة "الأطفال حسب الطلب"، حيث ستتجاوب الهندسة الجينية مع طلبات الآباء الأثرياء الراغبين في رفع مستوى السعادة والذكاء والمناعة لدى أطفالهم الذين لم يولدوا بعد.

• بعض العلماء يبحث عن طرق لزرع شريحة في الجسم تستطيع ضخ محفزات لهرمونات السعادة والنشوة في الدماغ بشكل مستمر، وهناك تجارب فعلية في هذا الاتجاه، ولكن السعادة هنا مرتفعة بالفرح لدى الإنسان مع الأشياء التي تواجهه في حياته، وتصنع له حالة من الانتعاش والاحتفال بالحياة.

الشبكات الاجتماعية ساهمت في انتشار نوع من القلق مبني على الخوف على "المنزلة الاجتماعية "

• هرمون الدوبامين (Dopamine) في الدماغ (أو ما يسميه البعض بهرمون السعادة) هو المسؤول عن ذلك الشعور الجميل عند حصول أمور مفاجئة للإنسان بشكل مرضي له، وهو أساسي في مقاومة الاكتئاب، والتكنولوجيا تسعى باستمرار للتحكم في إفرازه بحيث يسبب السعادة للإنسان، ولكن هذا ما زالت تواجهه عوائق كبيرة، لأنه هرمون وناقل عصبي حساس جدا، ومسؤول عن التوازن النفسي للإنسان. بعض الباحثين حذر من أن الشبكات الاجتماعية تسبب نوع من الإدمان لإنتاج هرمون الدوبامين في الدماغ والتأثير الذي يصاحبه، وذلك من خلال ردود الأفعال الإيجابية التي يحصل عليها الناس من متابعيهم وأصدقائهم، مما يجعلنا مدمنين للشبكات الاجتماعية.

• هناك عدد كبير من التطبيقات التي تساعد الناس على التأمل (Meditation) وعلى تسجيل لحظات السعادة، والتذكير بالأعمال التي تسبب السعادة، وهناك تطبيقات تسهل للإنسان فعل الخير، والذي يساهم في إنتاج هرمون endorphins في الدماغ والذي له علاقة بالسعادة المرتبطة بمساعدة الآخرين.

• وأخيرا، هناك كم كبير من النصائح وأفكار التعامل مع التكنولوجيا بأنواعها والتي تقلل من آثارها السلبية علينا، وهي ما سأتناوله الأسبوع القادم.

باختصار: إذا لم تتعامل مع التكنولوجيا بقواعد صارمة، وكانت لديك الكفاءة النفسية لمقاومة إغراءاتها الضارة، ففي الغالب ستكون التقنية سبب للتعاسة أكثر من كونها سبب للسعادة..

القمة العربية

لا شك أن زيارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى الخليج الأسبوع الماضي، أشاحت بالأضواء بشكل كبير عن قمة بغداد العربية، التي عقدت في 17 مايو بحضور عدد محدود من القادة العرب. 

قد أثار الغياب الجماعي للعديد من الرؤساء والملوك العرب تساؤلات حول أسباب ضعف التمثيل، ما دفع مراقبين إلى وصفها بـ"أضعف القمم" في تاريخ الجامعة العربية.

القمة طالبت في بيانها الختامي المجتمع الدولي بـ"الضغط من أجل وقف إراقة الدماء" في قطاع غزة. وحث المجتمعون المجتمع الدولي، ولا سيّما الدول ذات التأثير، "على تحمل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية للضغط من أجل وقف إراقة الدماء وضمان إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة دون عوائق إلى جميع المناطق المحتاجة في غزة". 

وناقشت القمة قضايا عربية عديدة من أبرزها التحديات التي تواجه سوريا، والتطورات الميدانية في ليبيا واليمن ولبنان، إلى جانب الحرب في قطاع غزة.

لكن زيارة ترامب ليست العنصر الوحيد الذي ألقى بظلال  على قمة بغداد، بل ثمة عناصر عديدة جرى تداولها، على أنها لعبت دورا في إحجام بعض القادة العرب عن المشاركة.

أبرز تلك العناصر، النفوذ الإيراني وزيارة إسماعيل قآني، قائد فيلق القدس إلى العراق قبل القمة بأيام، الأمر الذي اعتُبر رسالة واضحة عن حجم التأثير الإيراني على الدولة العميقة في العراق، حتى وإن كان رئيس الحكومة، محمد شياع السوداني، يحاول أن يتمايز بمواقفه ويظهر انفتاحا على الدول العربية والخليجية. 

كما أن السوداني، ورغم الاعتراضات الصادرة عن أصوات تدور في فلك إيران، التقى بالشرع في الدوحة. أضف إلى ذلك، غياب القرار السيادي في العراق، بسبب تنوع الولاءات السياسية وتأثير الفصائل المسلحة على القرارات السيادية العراقية، وهو ما جعل القادة العرب، بحسب مراقبين ومحللين سياسيين، يشككون في جدوى حضورهم لقمة تُعقد في بغداد، حيث لا يرون في الحكومة العراقية تمثيلاً حقيقياً للدولة. 

وقد انعكس الأمر على التحضيرات للقمة، وعلى تفاعل الجمهور العراقي معها، حيث تصاعدت عبر وسائل التواصل الأصوات المتطرفة المرتبطة بالفصائل المسلحة، ما أدى على ما يبدو، إلى إرسال رسائل سلبية لقادة عرب بعدم ترحيب العراقيين بهم، خصوصاً الجدل الذي رافق دعوة السوداني للشرع لحضور القمة.

من جانب آخر، أثارت المحكمة الاتحادية العراقية الجدل بإلغاء اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله مع الكويت، ما اعتبرته الأخيرة تنصلاً من التزامات دولية. هذا الخلاف قد يفسر بحسب محللين عراقيين، غياب بعض قادة دول الخليج عن القمة.

ولا يمكن، أثناء استعراض أسباب "فشل" قمة بغداد، اغفال مسألة أن القمم العربية الشاملة باتت أقل أهمية في ظل تفضيل الدول العربية للقمم الثنائية أو الإقليمية التي تتناول قضايا محددة، تماماً كما حدث في زيارة ترامب إلى السعودية وقطر والإمارات. 

هذا النوع من الزيارات واللقاءات الثنائية، بات يفضله القادة العرب، وباتوا يبدون اهتماماً أقل بحضور القمم العربية لا تلبي أولوياتهم الوطنية المباشرة، والتي تنتهي غالباً إلى بيانات إنشائية، لا إلى قرارات عملية.