525754 4

عمران سلمان/

على الرغم من الإغراء الواضح للانشغال بالشأن السياسي في الدول العربية والاستثمار فيه، فإن معظم مشاكل هذه الدول هي ذات طابع اقتصادي، كالعجز الكبير في الحساب الجاري والمالية العامة وارتفاع مستويات الدين الخارجي والعام.

وبينما هناك استعداد متزايد للاعتراف بالعلاقة بين الاضطرابات السياسية وبين التدني المستمر لمستويات المعيشة في بعض الدول، إلا أن هذا الاعتراف لا يترجم على أرض الواقع، وبدلا منه يسود الحديث عن الصراعات بين القوى السياسية والمحاور الإقليمية والمؤامرات الدولية...إلخ.

جعجعة من دون طحن

فالدول التي ترزح تحت ضغط الديون وتلك التي تعاني من سوء الإدارة والفساد أو تلك التي تقوم على بنية تحتية متهالكة وبيروقراطية قاتلة وعجز مرضي في الميزانية، هي في الغالب أكثرها عرضة للقلاقل والمشاكل السياسية، من غيرها.

هل يتعلق الأمر هنا بحجم الثروة أو وجود الخامات الأولية مثل البترول من عدمه؟ لا شك أن هذا يلعب دورا كبيرا في اقتصاديات دول مثل الخليج، لكن ما لا يمكن إنكاره أيضا أن كفاءة النظام الإداري والتخطيط والبيئة القانونية والتشريعية للاستثمار في الخليج تتفوق بصورة كبيرة على نظيراتها في الدول العربية الأخرى. كما أن دول الخليج تستثمر الكثير من الوقت والجهد والعلاقات الدولية في تطوير الاقتصاد والدفع بعجلة التنمية.

الذين يراهنون على وجود طريق مختصرة واهمون. فكلما طال تنفيذ الإصلاح كلما طالت المعاناة

والعديد من الدول العربية لا ينقصها النفط أو الغاز أو العقول، لكنها مع ذلك تعجز عن الوفاء بأبسط شروط الحياة الكريمة لمواطنيها.

ولا عجب في ذلك. فالاهتمام بالاقتصاد لا يأخذ سوى حيز بسيط من النقاشات والمعالجات داخل هذه الدول، بينما ترى معظم الوقت يستأثر به السياسيون ومحترفو الظهور الإعلامي ومن لف لفهم، في أحاديث وتنظيرات لا تسمن ولا تغني من جوع.

دول طاردة للأجانب

والكثير من الدول العربية، بسبب تشريعاتها وبيئتها الاجتماعية والثقافية طاردة للأجانب والمستثمرين. وهو أمر يعمق من الأزمات الاقتصادية ولا يحلها. ما لا ينتبه له الكثيرون هو أن الازدهار الاقتصادي في أي بلد مرتبط أيضا باستقطاب الكفاءات والعقول والمواهب من مختلف الدول وتحفيزها على البقاء. فليس من باب الصدفة أن الولايات المتحدة أو الدول الغربية عموما، تسلك هذا النهج وتشجع عليه، وليس من باب الصدفة أن دول الخليج تستقطب الملايين من الأيدي العاملة من مختلف دول العالم. وهي تدين لهؤلاء بالتنمية والازدهار الذي تعيشه.

وهذا ليس أمرا فيه ابتداع، فحيثما كانت المجتمعات صحية وطبيعية في بنيتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كلما وجدت إقبالا عليها ممن هم خارجها.

وإذا نظرت إلى خارطة العالم العربي اليوم، فلن تجد سوى دول الخليج، منطقة جاذبة للعمالة، بينما معظم الدول العربية طاردة لها، وليس هناك من يفكر في الذهاب للعمل فيها.

هذا الأمر لوحده مؤشر ينبغي أن يثير القلق في هذه الدول، لكنه للأسف لا يثير قلق أو انتباه أحد. بل على العكس هناك أحيانا من يحرض على كراهية الأجانب ويعمل على تعقيد أوضاعهم وإجبار من تبقى منهم على الهرب والنفاد بجلده.

صندوق النقد

ثم هناك من يلوم المؤسسات الدولية المقرضة مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي أو غيره، باعتبارها مسؤولة عن فرض الشروط والإملاءات على هذه الدول، وبما يحمل الطبقات الفقيرة الكثير من الأعباء والالتزامات!

وهذا أمر في منتهى الغرابة. فهذه المؤسسات ليست خيرية، والأموال التي لديها تخص دول وجهات تريد عائدا من هذه الودائع. ومن الطبيعي أنها عندما توافق على الإقراض فهي تريد ضمانا بأن الدول المقترضة سوف تعيد هذه الأموال، من خلال انتهاج سياسات اقتصادية سليمة. وعندما تعجز الدول عن تقديم مثل هذه الضمانات فإن المؤسسات الدولية تتدخل لفرض إصلاحات، قد تكون قاسية، بهدف مساعدة تلك الدول على الوفاء بالتزاماتها.

الازدهار الاقتصادي في أي بلد مرتبط أيضا باستقطاب الكفاءات والعقول والمواهب من مختلف الدول

إن الأمر هنا يشبه استدانة الأفراد من البنوك أو استخراج بطاقات الائتمان. لا ينبغي للأفراد أن يلوموا البنوك على الأرباح التي تستحصلها منهم، أو اتخاذ إجراءات ضدهم في حالة العجز عن السداد، ولكن يلوموا أنفسهم بالدرجة الأولى للجوئهم إلى البنوك. فهم يوافقون سلفا على الشروط، وهي واضحة ومحددة ومكتوبة، وبالتالي فليس لهم الحق في الشكوى منها بعد ذلك، إذ أن العقد هو شرعة المتعاقدين.

إجراءات لا بد منها

ومختصر القول هو أن الأزمات السياسية والاضطرابات التي تعيشها العديد من الدول العربية اليوم ليس من المرجح أن تنتهي قريبا، مع استمرار تدهور الأوضاع المعيشية في هذه الدول وعجزها عن القيام بإصلاحات اقتصادية ذات مغزى.

والذين يراهنون على وجود طريق مختصرة واهمون. فكلما طال تنفيذ الإصلاح كلما طالت المعاناة. وأية حكومة أو نظام يستلم السلطة سوف يجد نفسه مطالبا باتخاذ إجراءات اقتصادية غير شعبية. هذا بالطبع إذا افترضنا وجود النية والرغبة الصادقة في ذلك.

ففي كثير من الأحيان تمنع الاعتبارات السياسية والحسابات المختلفة الحكومات من اتخاذ الإجراءات السليمة والمطلوبة لإصلاح الاقتصاد، واللجوء إلى حلول ترقيعية، سرعان ما تعيد البلاد إلى المربع الأول، مع المزيد من الاضطراب السياسي وعدم الاستقرار المالي.

اقرأ للكاتب أيضا: من يكسب معركة الوقت! 

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

قليل من السياسة.. كثير من الاقتصاد D7924A44-8492-4B51-9B35-ED578F49956C.jpg AFP قليل-من-السياسة-كثير-من-الاقتصاد طفل يساعد طفلا آخر سقط في أحد شوارع البصرة التي فاضت بعد هطول الأمطار، خلال العودة إلى المنزل من المدرسة 2019-12-18 15:23:32 1 2019-12-18 15:34:32 0

موديز

تقلص عدد الحكومات التي تحظى سنداتها بأعلى تصنيف ائتماني بعد أن فقدت الولايات المتحدة تصنيف "‭‭AAA‬‬" لدى وكالة موديز، التي كانت آخر وكالة تصنيف ائتماني لا تزال تعطيها هذا التصنيف.

فقد خفضت الوكالة الجمعة تصنيف الولايات المتحدة درجة من "‭‭AAA‬‬" إلى "Aa1"، عازية ذلك إلى ارتفاع الدّين والفوائد، وهو انعكاس لتزايد القلق بشأن ارتفاع الدّين في الاقتصادات الكبرى.

وفيما يلي نظرة على الوضع:

ما هو التصنيف "AAA" ولماذا هو مهم؟

التصنيف الائتماني دليل على مدى خطورة شراء الديون بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتقوم وكالات مستقلة بفحص لمصدّري السندات المحتملين في ضوء مقاييس محددة لتقييم جدارتهم الائتمانية وتحديد مدى احتمالية تخلفهم عن سداد الديون.

ويسلط خفض التصنيف الائتماني الضوء على تنامي القلق بشأن المسار المالي للولايات المتحدة، وتسبب في بعض الضغوط التي رفعت عوائد السندات طويلة الأجل، لكن محللين لا يتوقعون موجة بيع حادة للأصول الأميركية. وقالوا إن التأثير على كيفية استخدام البنوك للسندات الحكومية، مثل أن تكون ضمانا، ينبغي ألا يتضرر بشكل كبير.

غير أن خفض التصنيف الائتماني يمكن أن يكون رمزيا، كما كان الحال خلال الأزمة المالية العالمية وأزمة ديون منطقة اليورو.

ومن المحتمل أن يكتسب خفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة أهمية أكبر بسبب تزايد القلق بالفعل حيال السياسة التجارية الأميركية ووضع الدولار كونه عملة احتياطيات.

ما هي الدول ذات التصنيف "AAA" الآن؟

يتقلص عدد الدول الحاصلة على التصنيف "AAA" منذ سنوات.

وبعد خروج الولايات المتحدة من القائمة بفقدانها آخر تصنيف "AAA" كان متبقيا لها، صار عدد الدول الحاصلة على التصنيف الأعلى من أكبر ثلاث وكالات تصنيف ائتماني 11 دولة فقط انخفاضا من أكثر من 15 دولة قبل الأزمة المالية في 2007 و2008.

وتمثل اقتصادات هذه الدول ما يزيد قليلا عن 10 بالمئة من إجمالي الناتج العالمي.

ومن أكبر الاقتصادات الحاصلة عل هذا التصنيف في أوروبا، ألمانيا وسويسرا وهولندا.

وتضم القائمة من خارج أوروبا كلا من كندا وسنغافورة وأستراليا.

وبذلك يصير دّين الولايات المتحدة في مرتبة أدنى من دّين ليختنشتاين الأوروبية الصغيرة التي تتمتع بتصنيف "AAA" ويبلغ ناتجها المحلي الإجمالي سبعة مليارات دولار فقط، حسبما تشير إليه بيانات البنك الدولي.

ما هو تصنيف الولايات المتحدة الآن؟

لا تزال الولايات المتحدة تحمل ثاني أعلى تصنيف ائتماني وهو "AA".

وكانت موديز هي الأخيرة من بين الوكالات الثلاث الكبرى، بعد ستاندرد أند بورز غلوبال وفيتش، تخفض تصنيفها الائتماني للولايات المتحدة، وهي المرة الوحيدة التي فعلت فيها ذلك منذ 1949.

وكانت ستاندرد أند بورز أول وكالة تخفض تصنيف الولايات المتحدة، وذلك في 2011، والتي كانت أول مرة منذ منحها الولايات المتحدة التصنيف "AAA" في 1941. وتبعتها فيتش في 2023.

لماذا يتم خفض تصنيفات الاقتصادات الكبرى؟

يتم تخفيض التصنيفات على خلفية ارتفاع الدّين الحكومي والقلق من عدم كفاية الجهود المبذولة لمعالجة المشكلات المالية طويلة الأجل.

فعلى سبيل المثال، شهد كل عام منذ 2001 تجاوز إنفاق الولايات المتحدة ما تجمعه سنويا، وهو ما أدى إلى عجز في الميزانية السنوية وعبء ديون بنحو 36 تريليون دولار.

وأنفقت البلاد 881 مليار دولار على مدفوعات الفوائد في السنة المالية المنصرمة، وهو ما يفوق ثلاثة أمثال المبلغ الذي أنفقته في 2017. وتتجاوز تكاليف الاقتراض الإنفاق الدفاعي.

وتتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الكبرى الأخرى أيضا بسبب ارتفاع متوسط أعمار السكان وتغير المناخ واحتياجات الدفاع. وتقترب نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا من 100 بالمئة، في حين تتجاوز نسبة الدّين إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان 250 بالمئة.