ترامب وإردوغان خلال قمة الناتو
ترامب وإردوغان خلال قمة الناتو

526015 4

إيلان بيرمان/

سيشكل العام المقبل اختبارا حاسما لواحد من أكثر التحالفات ديمومة لولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

ومنذ سنوات قليلة، تشهد العلاقة بين واشنطن وأنقرة حالة اضطراب بسبب سلسة من القضايا، أبرزها المخاوف الأميركية بشأن شراء تركيا للدفاعات الجوية الروسية المتقدمة والاعتراضات التركية على تسليح أميركا للميليشيات الكردية في الحرب ضد داعش. العلاقة الثنائية. لكن مع دخولنا العام الجديد، تستعد العلاقات بين الحليفين القديمين في حلف الناتو إلى أن تصبح أسوأ بكثير.

ومع اقتراب العام الجديد، تنذر المعطيات بأن تشهد العلاقات بين الحليفين القديمين في حلف الناتو مزيدا من التدهور.

إن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب المثير للجدل في أكتوبر الماضي بسحب القوات الأميركية من شمال سوريا قد مهد الطريق لغزو تركي للأراضي السورية، ونجح في إخفاء المشاكل الحالية في العلاقة الثنائية، على الأقل مؤقتا. لكن هذا القرار، بلور أيضا إجماعا في الكابيتول هيل على أن تركيا، التي أصبحت الآن أكثر عدوانية في مناوراتها الإقليمية غير المحدودة في سياق تطلعاتها العثمانية الجديدة، تحتاج إلى تلقي رسالة تصحيحية.

تركيا تواصل اتخاذ خطوات تثير شكوكا جوهرية حول تواصلها المستمر مع الغرب

وبالفعل، سارع الكونغرس إلى ترجمة أقواله على أرض الواقع، وذلك حين أصدر مجلسا النواب والشيوخ، في أوائل ديسمبر الجاري، قرارات بالاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن لأول مرة منذ أكثر من نصف قرن، وهو ما يعد بمثابة توبيخ علني لأنقرة. 

وعمدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، في وقت لاحق، إلى وضع إطار تشريعي يمكن أن يمنع تركيا من شراء مقاتلة من طراز F-35، وفي الوقت نفسه السماح لدولة قبرص، التي تخوض معها تركيا نزاعا إقليميا طويل الأمد، في البدء بشراء أسلحة أميركية.

تعكس خطوات الكونغرس هذه إجماعا متزايدا في مختلف دوائر صنع القرار في العاصمة الأميركية على أنه من الحكمة بمكان أن تبدأ الولايات المتحدة، المقيدة منذ فترة طويلة بتركيا عبر حلف الناتو، في وضع خطط عسكرية وسياسية أخرى. ربما كان الأبرز، قول الجنرال تشارلز والد، نائب قائد القيادة الأميركية الأوروبية السابق، إن على الولايات المتحدة سحب قواتها من تركيا، وإعادة نشرها لدى حلفاء جديرين بالثقة، وسط تنامي معاداة أميركا في تركيا وميلها الاستراتيجي نحو خصوم الولايات المتحدة مثل روسيا وإيران.

تركيا، من جانبها، تصدر إنذارها الخاص، فقد لوح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بأن حكومته تسعى إلى الحصول على قدرات نووية بشكل مستقل، ما يشير إلى رفضه، ضمنيا، المظلة الأمنية التي يوفرها حلف الناتو، والتي صُممت جزئيا بهدف كتمان الطموحات النووية لدى أعضاء الحلف. 

كما هدد إردوغان بمنع القوات الأميركية من استخدام قاعدة إنجرليك الجوية (التي تضم حاليا نحو 50 رأس نووي أميركي). وقد أشار علنا إلى وجود خطط للانخراط بشكل أكبر في الحرب الأهلية الليبية بالتنسيق مع روسيا ـ وهي خطوة يرى كثيرون أنها مقدمة لنوع من الشراكة التركية الروسية مشابهة لتلك التي تسود الآن في سوريا.

وحاول الرئيس ترامب قصارى جهده التخفيف من الأضرار، بما في ذلك عن طريق النأي بنفسه علنا عن قرار الكونغرس الاعتراف بمذبحة الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى كإبادة جماعية.

لكن من غير الواضح أن إدارته يمكنها عكس الاتجاهات السياسية الحالية التي تدفع البلدين بعيدا عن بعضهما البعض، خاصة وأن تركيا تواصل اتخاذ خطوات تثير شكوكا جوهرية حول تواصلها المستمر مع الغرب.

إنقاذ الشراكة بين البلدين لا يعود لأميركا فقط

ومن غير المؤكد قدرة البيت الأبيض على تبديد الفكرة السائدة بين الحزبين الأميركيين (الجمهوريين والديمقراطيين) بأن تركيا تحولت من حليف موثوق به إلى شيء مختلف تماما.

بالطبع، هناك أسباب مقنعة لواشنطن للسعي لإدارة علاقاتها مع تركيا خلال فترة الاضطراب الحالية. ففي النهاية، لا يمثل إردوغان تركيا ككل، ولن تستمر فترة إردوغان السياسية إلى الأبد. وبعد أن تشاركت الولايات المتحدة مع أنقرة لأكثر من نصف قرن بشأن مجموعة من القضايا السياسية والأمنية، سيكون من الحكمة محاولة إدارة العلاقات الثنائية حتى يحين وقت التغير في تركيا (أو على الأرجح، تغيير القيادة).

ولكن في الأساس، فإن إنقاذ الشراكة بين البلدين لا يعود لأميركا فقط. إنه أيضا قرار تركي، وتشير تصرفات إردوغان بشكل متزايد إلى أن حكومته اتخذت خيارها.

اقرأ للكاتب أيضا: مساعي موسكو للتوازن في الشرق الأوسط

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

 العلاقات الأميركية التركية في لحظة حرجة 546A28B2-17F8-4D71-AEF9-938776B344BD.jpg AFP العلاقات-الأميركية-التركية-في-لحظة-حرجة ترامب وإردوغان خلال قمة الناتو 2019-12-20 13:05:56 1 2019-12-20 13:18:56 0

ترامب سوريا

يتيح قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، رفع العقوبات عن سوريا، فتح صفحة جديدة، ليس في تاريخ هذا البلد الذي حطمته الأزمات والحروب فحسب، بل في تاريخ المنطقة برمتها.

وتتهيأ أطراف إقليمية ودولية كثيرة لاغتنام القرار، الذي يحمل وعودا بالازدهار للشعب السوري، في التنافس من أجل ترسيخ نفوذها في سوريا.

"من سيحظى بماذا من الكعكة السورية؟" سؤال يتردد في أروقة التكهنات. لكن "أعتقد أننا لا نزال بحاجة إلى مراقبة التطورات،" كما يقول  كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، سنان سيدي لـ"الحرة".

وفي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات الداعية إلى الاستثمار والتعاون الدولي وعودة سوريا إلى "الحضن العربي"، تظهر في المقابل تحذيرات من مخاطر تدخلات خارجية ومحاولات لاستغلال الوضع السوري الهش. 

"النفوذ الروسي في الساحة السورية قد تراجع، لكن هذا لا يعني أن هذه القوى قد اختفت تماما. بل يعني أنه مع رفع العقوبات، سيسعى الروس والإيرانيون للاستفادة من هذه الفرص، نظرا لوجود مصالح تجارية ومالية داخل سوريا تحظى بدعمهم،" يقول سيدي.

لكن، "المملكة العربية السعودية وتركيا،" يستدرك سيدي، "ستجدان نفسيهما في وضع يمكنهما من ممارسة نفوذ كبير داخل سوريا، حيث ستتدفق الفرص الاستثمارية والأموال إليها، وهو ما طالما تمنته دول الخليج".

ما بعد العقوبات

لن تكون مرحلة ما بعد العقوبات لسوريا طريقا مفروشا بالورود. يحتاج السوريون إلى إعادة بناء بلد ببنية تحتية متهالكة، واقتصاد منهار، ومجتمع ممزق. وكما كانت مسرحا لتنافس وتنازع مسلح، إقليمي ودولي، قد تصبح في مرحلة ما بعد العقوبات مسرحا لتنافس اقتصادي سلمي على الأرجح.

 يشير رئيس مركز القرن للدراسات، سعد بن عمر، خلال حديثه مع قناة "الحرة"، إلى أن "الرئيس ترامب يعتقد أن المنطقة يجب أن تسير نحو السلام من خلال الخطوات التي اتخذتها الإدارة الأميركية في لبنان وسوريا وتركيا".

لطالما اعتمدت واشنطن على العقوبات كوسيلة لعزل نظام بشار الأسد. ومع ذلك، فإن قرار رفع هذه العقوبات يدل على تغيير في الاستراتيجية، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز دور حلفائها الإقليميين، مثل تركيا والسعودية، في عملية إعادة إعمار سوريا، مع تقليل النفوذ الإيراني والروسي. 

وتتوافق السياسة الأميركية هذه مع توجهات دول إقليمية عديدة.

"المملكة العربية السعودية تدعم الشعب السوري، لأنها لا ترغب في أن يكون خاضعًا أو تحت سيطرة أي دولة،" يقول بن عمر.

ويضيف: "كانت التجربة الإيرانية تجربة مؤلمة للغاية. لا نرغب في أن يستبدل الشعب السوري القيادة الإيرانية أو السيطرة الإيرانية بسيطرة دول أخرى. أعتقد أن الحكومة السورية الجديدة تدرك أن سوريا يجب أن تبقى بعيدة عن المحاور والتحالفات الضيقة".

تعزيز النفوذ الإقليمي

تسعى تركيا، التي كانت داعما رئيسيا للمعارضة السورية، إلى تعزيز نفوذها في سوريا من خلال التعاون مع الحكومة الجديدة بما يتيح لأنقرة توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة ككل. 

وتظهر السعودية اهتماما متزايدا بإعادة دمج سوريا في المحيط العربي لتعزيز الاستقرار الإقليمي والمشاركة في جهود إعادة الإعمار، بما يتماشى مع رؤيتها الاستراتيجية.

ولا يقتصر على تركيا والسعودية، السعي لضمان النفوذ والمصالح في سوريا ما بعد العقوبات. رغم ذلك، تعد الخطوة التاريخية التي مثلها قرار ترامب، بتنافس محسوب على إيقاع مرحلة إقليمية جديدة عنوانها الاستثمار والنمو الاقتصادي والمصلحة المشروعة لجميع الدول.