تظاهرة مناوئة لتكليف حسان دياب تأليف الحكومة اللبنانية
تظاهرة مناوئة لتكليف حسان دياب تأليف الحكومة اللبنانية

قبل اندلاع ثورة 17 أكتوبر وفي خضمها، دأب الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله على شنّ هجومات على من ينسبون الحكومة اللبنانية إلى حزبه، معتبرا أن من يفعلون ذلك إنما يهدفون إلى الإضرار بمصلحة لبنان من خلال تحفيز مقاطعته ومحاصرته والتحريض لشنّ عدوان عليه، وتاليا على القضاء التحرك ضد هؤلاء.

ومنذ استقالة الحكومة، على وقع التظاهرات المناهضة للطبقة السياسية، حرص نصرالله، وتجنّبا أيضا لنسب أي حكومة جديدة إلى حزبه، على تقديم اقتراح يقوم على مخرجين: حكومة تضم سياسيين واختصاصيين جامعة تكون إمّا برئاسة سعد الحريري وإمّا برئاسة شخصية يسمّيها الحريري.

وتحت هذا السقف "ناور" الرئيس سعد الحريري، محاولا التوفيق بين حاجة "حزب الله" إلى بقائه على رأس الحكومة اللبنانية، من جهة وبين متطلبات المرحلة المعقدة ماليا واقتصاديا واجتماعيا وإقليميا ودوليا التي تقتضي إخراج اللاعبين السياسيين من الحكومة حتى "تولّد الثقة الداخلية وتجذب المساعدات الخارجية"، من جهة أخرى.

هيمنة "حزب الله" على لبنان أصبحت مكشوفة كليا

أحبط "حزب الله" خطة الحريري هذه ولكنه لم يُطح به، فقرر إبقاء باب المفاوضات مفتوحا معه، لمرحلة ما بعد التكليف، حيث سيكون الحريري ضعيفا، بسبب عدد الأصوات المتوقع أن يحصل عليها، وبسبب انهيار التسوية التي كانت قد جمعته قبل سنوات مع "التيار الوطني الحر" لإيصال العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية.

ولكن الحريري لم يتمكّن من الاستمرار عندما اتخذ حزب "القوات اللبنانية" قرارا بعدم تسميته في الاستشارات النيابية الملزمة ليشكل الحكومة العتيدة، لأنه بسحب هذا الغطاء، سيجد نفسه، أضعف مما يجب، في مفاوضات تشكيل الحكومة، فاعتذر عن عدم خوضه "سباق" التكليف فاسحا في المجال أمام عبور حسّان دياب، الاسم الذي اصطفاه "حزب الله" وحليفه "التيار الوطني الحر"، ليدخل إلى نادي رؤساء الحكومة في لبنان.

عبور دياب هذا كان سهلا، فـ"حزب الله" يسيطر على الفريق السياسي المتحالف معه، وهو يتمتع بغالبية برلمانية واضحة، بفعل نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، في حين أن الفريق الذي يزعم مواجهة الحزب هو فريق مهشّم ومقسّم ومتنازع. "القوات اللبنانية" في مكان و"تيار المستقبل" في مكان ثان و"الحزب التقدمي الاشتراكي" في مكان ثالث و"حزب الكتائب اللبنانية" في مكان رابع والمستقلون في..."خبر كان".

وهكذا أصبح حسّان دياب، الرجل الذي ستدمغ على صورته راية "حزب الله"، مهما حاول أن ينفي هو و"حزب الله" هذه الصلة الوجودية، رئيسا مكلّفا تشكيل الحكومة المفترض أن تخلف حكومة سعد الحريري المكلّفة تصريف الأعمال.

ولكن هل يشكّل ذلك فتحا عظيما لـ"حزب الله"؟

لنعد بالزمن قليلا إلى الوراء.

قبل اندلاع ثورة 17 أكتوبر، كان كثيرون، في الداخل والخارج، يأخذون على سعد الحريري وسمير جعجع ووليد جنبلاط أنهم يوفرون، بوجودهم في الحكومة، غطاء لسيطرة "حزب الله" على البلاد.

وكان جعجع وجنبلاط يعتبران أن خروجهما من الحكومة في ظل استمرار الحريري على رأسها، لا معنى له، لأنهما سيعجزان عن تشكيل معارضة فاعلة في ظل انعدام شريك سنّي قوي.

وسمحت هذه "الشراكة" لوزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، بعدما استمع إلى مبرراتها في خلوات عقدها مع الحريري ومسؤولين لبنانيين آخرين، إلى القول في نيويورك، في مؤتمر على هامش الجمعية العمومية للأمم المتحدة، إن "لبنان دولة عميلة لإيران".

ولم تبتعد المملكة العربية السعودية، وهي أهم مساعد مالي ـ اقتصادي للبنان، كثيرا عن التوصيف الأميركي، بل كانت قد سبقتها إليه، وتعاطت مع "بلاد الأرز" على هذه القاعدة، وكان غيابها عن الاجتماع الذي عقدته "المجموعة الدولية لدعم لبنان" في باريس مدوّيا، على الرغم من أن بيانه كان في شقه السياسي موجّها ضد توريط "حزب الله" للبنان في الأزمات الإقليمية.

وحاولت الرياض إسقاط هذه الشراكة في وقت سابق، عندما أجبرت الحريري على تقديم استقالته من رئاسة الحكومة، ولكنها عادت ففشلت بذلك، بسبب الأسلوب الفظ الذي اتبعته وجر عليها غضبا لبنانيا وعربيا ودوليا.

المهم، أن ما كان يطمح إليه كثيرون في الداخل والخارج، حصل حاليا فخرج سعد الحريري من "الشراكة" وخرج معه كل من جنبلاط وجعجع.

وهذا يعني أن هيمنة "حزب الله"، الذي نال يوم الخميس الأخير "شهادة" جديدة بامتهان الإرهاب من ألمانيا، الركن الأساسي في "الاتحاد الأوروبي"، على لبنان أصبحت مكشوفة كليا، وعليه، والحالة هذه، أن يتدبّر وحلفاؤه والتابعون له، الخروج من الهاوية العميقة.

ولأن أكتاف "حزب الله" ليست عريضة لا خليجيا ولا دوليا، فإنه يستحيل أن ينجح في هذه المهمة، فإيران، راعية الحزب، على الرغم من ثرواتها الطبيعية وإنتاجاتها المحلية، تتخبط في الهاوية المالية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية، مثلها مثل فنزويلا العائمة عل النفط.

وإذا أضفنا أن "حزب الله" يدرك عواقب نسب أي حكومة إليه، فهو سيكون، مع حكومة يترأسها حسّان دياب، في وضع معقّد للغاية.

وبناء عليه، ما هي السيناريوهات التي يمكن أن يعتمدها، لاحقا؟

أصبح حسّان دياب، الرجل الذي ستدمغ على صورته راية "حزب الله"

ثمة من يعتقد بأنه سيعيد جذب الرئيس سعد الحريري إلى المعادلة، وبشروط الحزب السياسية المعلنة سابقا، بعد أن يفرض الهدوء على الشارع، من خلال مواصلة مساعيه الناشطة لإنهاء الثورة، بالترهيب والترغيب.

فـ"حزب الله" الذي يدرك كلفة حسان دياب عليه، سواء على مستوى الامتعاض السني أم على مستوى إحياء معارضة كان قد ارتاح من عبئها لسنوات، أم على مستوى التعاون الخليجي ـ الدولي الذي يحتاجه لبنان أكثر من أي وقت مضى، قد يُضحي به، عندما تنضج الظروف، بعد أن يكون قد منحه لقبا لمدى الحياة، مثل اللقب الذي سبق وحمله حتى وفاته الرئيس أمين الحافظ الذي لم يستطع، في العام 1973، الذهاب إلى جلسة الثقة، على وقع رفض طائفته له.

وفي حال، لم ينجح هذا المسار، فإن الحزب، بالتعاون مع رئيس الجمهورية ميشال عون، سوف يلجأ إلى التغطية على الكوارث بدخان ينبعث من حدّة الملاحقات القضائية، ومن التدابير التي ستخضع لها المصارف، ومن المعتقلات التي ستفتح على مصراعيها.

والتدبير الأخير، ليس "آخر دواء" بل "بداية الداء".

متسوقون في سوق النبطية الذي أعيد فتحه بعد تدميره خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في النبطية، جنوبي لبنان، 19 مايو 2025. رويترز
متسوقون في سوق النبطية الذي أعيد فتحه بعد تدميره خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله، في النبطية، جنوبي لبنان، 19 مايو 2025. رويترز

وسط أنقاض خلفها القصف الإسرائيلي لجنوب لبنان، تحث ملصقات دعائية الناخبين على التصويت لجماعة حزب الله في الانتخابات البلدية غدا السبت، وسط مساعي الجماعة لإظهار أنها لا تزال تتمتع بنفوذ سياسي على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقتها العام الماضي في الحرب مع إسرائيل.

والانتخابات البلدية بالنسبة لحزب الله أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ تتزامن مع تزايد الدعوات لنزع سلاح الجماعة واستمرار الضربات الجوية الإسرائيلية، وفي وقت لا يزال فيه كثير من قاعدتها الانتخابية من الشيعة يئنون تحت وطأة تداعيات الصراع.

ومضت بالفعل ثلاث جولات انتخابية أجريت هذا الشهر بشكل جيد بالنسبة للجماعة المدعومة من إيران. وفي الجنوب، لن تكون هناك منافسة في كثير من الدوائر، مما يمنح حزب الله وحلفاءه انتصارات مبكرة.

وقال علي طباجة البالغ من العمر 21 عاما "بالدم نريد أن ننتخب"، في إشارة إلى ولائه لحزب الله. وسيكون إدلاؤه بصوته في مدينة النبطية بدلا من قريته العديسة بسبب ما لحق بها من دمار.

وأضاف "العديسة صارت صحراء، راحت كلها، لم يعد فيها شيء".

ويعكس مشهد الأنقاض في الجنوب التداعيات المدمرة للحرب التي بدأت مع قصف جماعة حزب الله لإسرائيل "إسنادا" لحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) مع اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023، وتطور الأمر إلى أن بلغ ذروته بهجوم إسرائيلي واسع النطاق.

وباتت الجماعة أضعف مما كانت عليه في السابق بعد مقتل قيادتها وآلاف من مقاتليها وتضاؤل ​​نفوذها على الدولة اللبنانية بشكل كبير وتزايد نفوذ خصومها في البلاد.

وفي مؤشر على مدى انقلاب الموازين، أعلنت الحكومة الجديدة أنها تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة ما يعني ضرورة نزع سلاح حزب الله كما هو منصوص عليه في اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل والذي توسطت فيه الولايات المتحدة.

وقال مهند الحاج علي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث، إن نتائج الانتخابات تشير بناء على ذلك إلى أن "الحرب لم تحقق هدفها المتمثل في خفض شعبية حزب الله ... بل على العكس، يشعر كثير من الشيعة الآن بأن مصيرهم مرتبط بمصير حزب الله".

ولطالما كان سلاح الجماعة مصدر انقسام في لبنان ما أشعل فتيل اقتتال قصير عام 2008. ويقول منتقدون إن حزب الله جر لبنان إلى القتال.

وقال وزير الخارجية يوسف راجي، وهو معارض لحزب الله، إنه تم إبلاغ لبنان بأنه لن تكون هناك مساعدات من المانحين الأجانب لإعادة الإعمار حتى يكون السلاح بيد الدولة وحدها.

من ناحيته، ألقى حزب الله بعبء إعادة الإعمار على عاتق الحكومة واتهمها بالتقصير في اتخاذ خطوات تجاه هذا الأمر رغم وعود الحكومة.

شروط نزع السلاح

قال الحاج علي إن الهدف من ربط مساعدات إعادة الإعمار بنزع سلاح الجماعة هو تسريع العملية، لكن "من الصعب أن يقبل حزب الله بذلك".

وذكرت الجماعة أنه لا يوجد أي سلاح لها حاليا في الجنوب، لكنها تربط أي نقاش عما تبقى من ترسانة أسلحتها بانسحاب إسرائيل من خمسة مواقع لا تزال تسيطر عليها وبوقف الهجمات الإسرائيلية.

وتقول إسرائيل إن حزب الله لا يزال يمتلك بنية تحتية قتالية في الجنوب تضم منصات إطلاق صواريخ، ووصفت ذلك بأنه "انتهاك صارخ للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان".

وذكر مصدر دبلوماسي فرنسي أن إعادة الإعمار لن تتحقق إذا استمرت إسرائيل في القصف وإذا لم تتحرك الحكومة اللبنانية بالسرعة الكافية لنزع السلاح.

ويريد المانحون أيضا أن يقوم لبنان بإصلاحات اقتصادية.

وقال هاشم حيدر، رئيس مجلس الجنوب، إن الدولة ليس لديها الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، لكنه أشار إلى أن هناك تقدما في رفع الأنقاض. ووفقا لتقديرات البنك الدولي، يحتاج لبنان إلى 11 مليار دولار لإعادة الإعمار والتعافي.

وتشير كومة من الأنقاض في النبطية إلى مكان متجر خليل ترحيني (71 عاما) الذي كان بين عشرات المتاجر التي دمرها القصف الإسرائيلي في سوق النبطية المركزي.

ولم يحصل ترحيني على أي تعويض، ولا يرى جدوى من التصويت. وقال "الدولة لم تقف إلى جانبا"، في تعبير عن شعوره بالخذلان.

لكن الوضع كان مختلفا تماما بعد حرب سابقة بين حزب الله وإسرائيل في عام 2006 حين تدفقت المساعدات من إيران ودول الخليج العربية.

وقال حزب الله إنه ساعد 400 ألف شخص ودفع تكاليف الإيجار والأثاث وترميم الأضرار، لكن المستفيدين يقولون إن الأموال المتاحة له تبدو أقل بكثير من عام 2006.

واتهم حزب الله السلطات الحكومية بعرقلة وصول الأموال القادمة من إيران رغم أن طهران تعاني أيضا من ضائقة مالية أكبر مما كانت عليه قبل عقدين بسبب تشديد الولايات المتحدة للعقوبات التي تفرضها عليها وعودتها من جديد لسياسة ممارسة "أقصى الضغوط".

أما دول الخليج، فقد توقفت مساعداتها للبنان مع انخراط حزب الله في صراعات إقليمية وتصنيفها له منظمة إرهابية في عام 2016. وأيدت السعودية موقف الحكومة اللبنانية بأن تكون المتحكم الوحيد في السلاح.

وقال حسن فضل الله النائب البرلماني عن حزب الله إن تأمين تمويل لإعادة الإعمار يقع على عاتق الحكومة، واتهمها بالتقصير في اتخاذ "أي تحركات فعالة في هذا السياق".

وحذر من أن هذه المسألة قد تفاقم الانقسامات في لبنان إذا لم تُعالج. وتساءل "هل يمكن أن يستقر جزء من الوطن وجزء آخر يتألم؟ هذا لا يستقيم" في إشارة إلى الشيعة في الجنوب ومناطق أخرى، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت التي يُهيمن عليها حزب الله، والتي تضررت بشدة من قصف إسرائيل.