526074 4

منى فياض/

عندما طالعت مقالة طوني عيسى في الجمهورية "ماذا لو فعلها حزب الله؟" تذكرت مقالة لي نشرتها قبل 13 عاما.

يشير عيسى إلى أن حزب الله وجد نفسه يتخبّط في مكان شديد الإحراج، فهو الحريص على صورته كمقاوم للاحتلال الإسرائيلي بعيدا عن الانغماس في الفساد الداخلي؛ اضطر إلى الوقوف في وجه انتفاضة لا تنادي إلا بمواجهة فساد طبقة ارتكبت أشنع الموبقات صراحة في حق الدولة والخزينة والمؤسسات والشعب... يتساءل عيسى: ماذا لو كشف حزب الله الفاسدين جميعا كونه الأقوى بجمع المعلومات والقدرات؟

تذكرت مقالة نشرتها في مطلع 2006 بعنوان "حكمة حزب الله". استغربت في المقالة انتقال الحزب من كونه النموذج الإسلامي المقاوم والملتزم بالأخلاقيات والقيم الإسلامية من دون تعصب، إلى التحول فجأة شيعيا ومتعصبا لهذه الشيعية.

إنهم في مأزق. يريدون تغيير النظام فيما يدافعون بشراسة عمن يفرض بقاءه

في البداية، جعل حزب الله من نفسه المثال والمرجع للشباب وللجماهير العربية السنية في معظمها والتي تبنت خطابه الخالي من أي تعصب شيعي أو فئوي، لكنه تحول إلى ناطق أوحد باسم الشيعة الذين لطالما كانوا عروبيين ومتعددي الانتماءات!

سألت: كيف لمن يدعو إلى تحرير شعب من الاحتلال أن يقبل بأن يدافع عن النظام السوري المستبد؟ متمنية أن يبقي على صورته التي عهدناها كي نظل نفتخر بسلوك الحزب الأخلاقي والقيمي وأن يجعل لها الأولوية وأن يعمل لمصلحة الوطن وليس لمصلحة الحزب.

بينت الاحداث اللاحقة أن لا حكمة ولا من يحزنون، وأن تمنياتي، كمثل تمنيات طوني عيسى، ذهبت أدراج الرياح.

العباءة و"الخندق الغميق"

وضع "حزب الله" نفسه حاليا بمواجهة الشعب الذي ثار من أجل المطالب الاجتماعية والاقتصادية دون أن يشير إليه أو إلى سلاحه من قريب أو من بعيد. وبالرغم من أن الحزب يوافق ـ أو يدعي ذلك ـ على المطالب المحقة نجده يروج لفكرة المؤامرة الأميركية.

رفض المحتجون منذ البداية الخضوع لمنطق المؤامرة والأجندات الخارجية بجميع أشكالها. واعتبروا أنهم غير ملزمين بتعديل مطالبهم باسترداد حقوقهم المهدورة لأن طرفا خارجيا أو أكثر دعم هذا المطلب أو ذاك!

أمام الانقلاب الجذري في مزاج الشعب الذي رفض الطبقة السياسية وألاعيبها يأتي الرد: إما نحن أو الفوضى. إما حكومة بشروطنا أو لا حكومة. وفيما يؤكد المحتجون يوميا، ممارسة وخطابا، خروجهم من عباءة الطوائف وصراعاتها نجد أن المسؤولين يتصرفون انطلاقا من "موشور" (بريسم) طائفي. فالطائفية درعهم الواقي للاستمرار في الحكم والفساد. جميع الأسلحة مباحة في تمارين الفتنة. آخرها شعار "ضرب الميثاقية" التي ابتدعوها بأنفسهم عبر تكليفهم رئيس حكومة لا يرضى عنه الشارع السني الذي نزل إلى الأرض اعتراضا. هذا إلى جانب القمع واختراق الحركة الاحتجاجية عبر إدخال عامل فلسطين وإسرائيل بشكل مصطنع وبالقوة لاتهام الثوار بالتطبيع والخيانة.

جعلتهم تجربة الدفعة الأولى من نسخة ثورات 2011 يتوقعون انتهاء الاحتجاجات من تلقاء نفسها مع مرور الوقت. وإذ لم ينجح الوقت في استنزافها ببطء من خلال استخدام جرعات مدروسة من التوقيفات والقمع والتعتيم الإعلامي. أُنزل شباب "الخندق" بوجه الثوار للإرهاب والتكسير والتخريب تحت شعار "شيعة شيعة شيعة"، بحثا عن استفزاز الشارع المقابل والتلويح بالحرب الأهلية. فما الذي يدفع بالشباب إلى رفع شعار "شيعة شيعة شيعة" في مواجهة الثوار؟

حاولت مقالة أحمد محسن في رصيف22 في 16 من الشهر الجاري أن تقترب من شباب الخندق الغميق لتنقل شهاداتهم. ويبدو أن التسمية أصبحت مجازية لأنه تحول إلى مكان تجمّع لشباب الضاحية والأوزاعي للهجوم. يكتب الصحافي: "صحيح لديهم هراوات وعصي وُزّعت عليهم على عجل". لكن صحيح أيضا: "لديهم أحلام في جيوبهم، وقد يخرجونها يوما ما مجددا، ويشهرونها هم أيضا. قد يخرجون من تحت "العباءة!".

بالطبع لدى هؤلاء الشباب أحلام وآمال للمستقبل، ولكن هل الثورة هي التي تقف عائقا بوجه مستقبلهم وأحلامهم؟ عندما يقولون: "تعاطفنا معهم في البداية، فهم مثلنا ونحن مثلهم... علمنا أن هناك حشودا تتجه إلى وسط بيروت. كان الأمر مسليا في البداية. كان معنا ‘دربكّة’ وأعلام فريق النجمة".

إذن الثورة تشكل لهم نافذة؛ لكنها تضعهم في مأزق أيضا ما جعلهم يتعاملون معها بنوع من التناقض الوجداني! إذ تجدهم فجأة يلجؤون إلى السردية التقليدية لتفسير انسحابهم: "لولا الحزب (حزب الله) والحركة (حركة أمل) لبقينا نمسح الأحذية في البلد (وسط بيروت)!".

مع الثورة.. ضد الثورة

الاستناد إلى سردية الحرمان الأبدي لتبرير عدولهم عن الاستمرار في المشاركة بالثورة وانقلابهم على القائمين بها، تبرير أيديولوجي ووهمي، ولا يجيب عن السؤال المترتب عليه: لماذا لم توفر لهم قياداتهم، المشاركة في الحكم بفعالية منذ اتفاق الطائف قبل 30 عاما والتي هيمنت على الدولة تدريجيا منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حتى الآن البديل عن مسح الأحذية؟ لماذا لا يزالون يعانون من الفقر والبطالة الصريحة أو المقنعة بالرغم من آلاف التوظيفات، من خارج الأعراف، التي اشتهر بها رئيس المجلس النيابي؟ وأبرزها حاليا خمسة آلاف شرطي (شرطة مجلس النواب) تابعين لأمرته والعاملين لحسابه ويستخدمهم كعصا ميليشياوية بوجه المتظاهرين بعد أن كانت شرطة المجلس تقتصر على 40 عنصرا للتشريفات؟

حيرتهم تجعلهم يهجمون على الثوار في يوم ثم يشاركونهم في يوم آخر

ثم هل هم أفقر من أهالي طرابلس وعكار والبقاع! وهم إذ يوافقون الثوار على تغيير النظام يضعون لنفسهم حاجزا غير مرئي ليجعلهم بمواجهة الثوار: "ثمة سوء فهم كبير. تغيير النظام يعني أنا يحق لي أن أصير رئيسا للجمهورية، أو رئيسا للحكومة... أعطي هذ كمثل. نحن نعاني في الدخول إلى وظائف الدولة، ليس لأن الأحزاب هي التي تتحكم بذلك وحسب. نعاني فعلا من النظام، الذي يجبرنا على القبول بحصة أقل من عددنا، مقابل إهمال معيار الكفاءة". وكأنها ليست مطالب الثوار نفسها!

الغريب أن إحساس التهميش يترافق مع الشعور الذي يراود كل شيعي عادي ممن نصادفهم في كل مكان من أنهم السلطة! ينقلبون على الثورة بينما أحد أهم العوائق أمامهم وأمام الثوار قياداتهم بالذات التي تريد تأبيد هذه السلطة وتريد إفشال الثورة!

ربما هذا سبب مأزقهم الوجداني: "أشعر أنّي أنتمي إلى المكانين"! إنهم مع الثورة وضدها في آن واحد.

المأزق

الأرجح أن هذا التبرير هو العذر الأسهل لانقيادهم لزعامتهم الطائفية التي أعطتهم الشعور بالتفوق المعنوي ولو تسببت بمفاقمة فقرهم. يستسهلون رمي الحقد الطبقي على ثورة تطالب بإنصافهم. يستمتعون بالضرب لحماية زعامتهم تأكيدا لتعصبهم للسيد كشخص مقدس غير قابل للمس: "نحب أن نضرب. ويجب أن نضرب. والذي يتحدث عن السيد يجب أن يُضرب".

ونعلم جميعا أن الثوار لم يهينوا أحدا من القيادات الدينية فيما عدا السياسيين والذي يبدو أنهم هم من قام بذلك: "دعني أذكّرك، وأتحدى أي أحد أن ينكر القصة: نحن الذي ألّفنا ‘الهيلا هيلا هو’، ونحن الوحيدون الذين ما زلنا نرددها بصيغتها الأصلية".

حيرتهم تجعلهم يهجمون على الثوار في يوم ثم يشاركونهم في يوم آخر: "نعم، شاركت وأفتخر. وبقيت أنزل وأعتصم حتى بعد مشاركتي في الهجوم. لا أحد طلب مني أن أنزل في اليوم الأول، ولا أحد طلب مني أن أرافق الشباب إلى المشكل. هناك مَن يطلب في الحالتين، ولكني أوكد لك أن غالبية الذين ينزلون مثلي، يلحقون بالبقية".

ما الذي يقوله هذا الشاب؟ أولا أنهم كفوا عن النزول بعد أسبوع، أي حين طلبت إليهم القيادات الشيعية علنا الانسحاب من الساحات. ثانيا أن هناك من يعطي الأوامر بالنزول. وأن البعض ينزلون تلقائيا للمشاركة. بالطبع ضمن آلية الميمتيسم /المحاكاة، التي يتحدث عنها رينيه جيرارد.

حالة الانكار تحجب عنهم رؤية ما يجري تحت أنظارهم

الخلاصة على لسان أحدهم: "سأقول لك ما يريدون أن يسمعونه. عدد الشباب الذين يمشون خلف الأحزاب سيتراجع كثيرا، في حال تغيّرت أحوالنا الاقتصادية. ولكن تغيير الاقتصاد ليس ممكنا من دون تغيير النظام. نحن دعاة تغيير النظام الحقيقيون".

نعم إنهم في مأزق. يريدون تغيير النظام فيما يدافعون بشراسة عمن يفرض بقاءه.

فإلى أين يذهب بهم الثنائي الشيعي وإلى أين يذهبون بالبلد؟ ولماذا لا تلبى مطالب الثورة والتنحي لفترة من أجل محاولة الإنقاذ؟ وهل يمكنهم تحمل نتائج الانهيار الاقتصادي الذي ينتظرنا جراء التمسك بالمكاسب؟ أم أن الرهان على تدهور الوضع الاجتماعي واشتعال العنف الذي يعطيهم الذريعة لنسخ السيناريو العراقي؟ وهل سيكون بإمكانهم الحفاظ على ولاء الشارع؟

يبدو أن حالة الانكار تحجب عنهم رؤية ما يجري تحت أنظارهم. نظرتهم تصطدم بالعوائق التي تضعها أمامهم النظريات المهيمنة المشوبة بالتخيلات التي تحجب الحقائق عن العقل. فنقاوة النظرة لا بد من أن ترتبط بصمت معين يسمح بالإنصات بعد أن تتوقف الخطابات الثرثارة للأيديولوجيات والعقائد.

اقرأ للكاتبة أيضا: الثورات السلمية ليست خيارا أخلاقيا فقط.. إنها الأنجع

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
"نصرالله" يهتف: "هيلا هيلا هو"! 6EDAE80E-C5E9-4120-B531-21BC6DB1909E.jpg AFP نصرالله-يهتف-هيلا-هيلا-هو إحدى جولات اعتداء مناصري "حركة أمل" "حزب الله" على المتظاهرين عند جسر الرينغ في بيروت 2019-12-22 01:31:45 1 2019-12-20 18:19:45 0

الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض،  13 مايو 2025. رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يتحدث في منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، في الرياض، 13 مايو 2025. رويترز

تجلت حالة العزلة التي يعيشها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح الأسبوع الماضي مع نشر صورة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو يصافح الرئيس السوري أحمد الشرع الذي وصفته إسرائيل بأنه "إرهابي من تنظيم القاعدة يرتدي بدلة".

وقال ترامب للصحفيين بعد محادثات مع الشرع، الأربعاء، في الرياض "إنه يملك الإمكانات. إنه زعيم حقيقي". وجاءت تلك التصريحات خلال اجتماع توسطت فيه السعودية، التي اتفقت مع ترامب خلال الزيارة على عدد من الصفقات في الأسلحة والأعمال والتكنولوجيا.

جولة ترامب السريعة التي استمرت أربعة أيام وشملت السعودية وقطر والإمارات الأسبوع الماضي لم تكن مجرد مشهد دبلوماسي مصحوب باستثمارات ضخمة.

وقالت ثلاثة مصادر إقليمية ومصدران غربيان إن الجولة الخليجية همشت إسرائيل وأبرزت ظهور نظام جديد للشرق الأوسط تقوده الدول السنية متجاوزا "محور المقاومة" المنهار التابع لإيران.

وفي ظل الغضب المتزايد في واشنطن إزاء عدم توصل إسرائيل لاتفاق بشأن وقف لإطلاق النار في غزة، ذكرت المصادر أن جولة ترامب تمثل رسالة تجاهل لنتنياهو، الحليف المقرب للولايات المتحدة والذي كان أول زعيم أجنبي يزور واشنطن بعد عودة ترامب إلى السلطة في يناير.

وأضافت المصادر أن الرسالة كانت واضحة: ففي رؤية ترامب للدبلوماسية في الشرق الأوسط، وهي رؤية أقل أيديولوجية وتعتمد أكثر على النتائج، لم يعد بإمكان نتنياهو الاعتماد على دعم أميركي غير مشروط لأجندته اليمينية.

وقال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى في إدارة جورج بوش الابن "تشعر هذه الإدارة بالإحباط الشديد من نتنياهو، وهذا الإحباط واضح... إنهم يتعاملون بشكل تجاري للغاية، ونتنياهو لا يقدم لهم أي شيء في الوقت الراهن".

وقالت المصادر إن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لإسرائيل، التي لا تزال حليفا قويا للولايات المتحدة وتحظى بدعم قوي من الإدارة الأميركية والحزبين الجمهوري والديمقراطي.

لكن المصادر أضافت أن إدارة ترامب أرادت إيصال رسالة إلى نتنياهو مفادها أن الولايات المتحدة لها مصالحها الخاصة في الشرق الأوسط ولا تريد منه أن يقف في طريقها.

وذكرت مصادر مطلعة أن صبر الولايات المتحدة بدأ ينفد ليس فقط بسبب رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي قبول وقف إطلاق النار في غزة، بل أيضا بسبب اعتراضه على المحادثات الأميركية مع إيران بشأن برنامجها النووي.

ولم يرد مكتب نتنياهو على طلبات للتعليق. ولم يُصدر المكتب أي تصريحات بشأن زيارة ترامب الخليجية.

وأكد متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي أن ترامب لا يزال صديقا لإسرائيل.

وقال المتحدث باسم المجلس جيمس هيويت "نواصل العمل عن كثب مع حليفتنا إسرائيل لضمان إطلاق سراح باقي الرهائن في غزة وعدم حصول إيران على سلاح نووي أبدا وتعزيز الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط".

وذكرت المصادر المطلعة أنه على الرغم من تأكيد مسؤولين في إدارة ترامب علانية على متانة العلاقات الأميركية الإسرائيلية، فإنهم يعبرون في الجلسات المغلقة عن انزعاجهم من رفض نتنياهو مسايرة المواقف الأميركية بشأن غزة وإيران.

وقالت ستة مصادر إقليمية وغربية إن التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أخذ في التزايد قبل جولة ترامب الخليجية.

وبدأ التوتر عندما سافر نتنياهو إلى واشنطن في زيارة ثانية في أبريل سعيا للحصول على دعم ترامب لشن ضربات عسكرية على المواقع النووية الإيرانية، لكنه فوجئ بتحول الرئيس نحو الخيار الدبلوماسي إذ علم قبل ساعات فقط من اللقاء أن المفاوضات على وشك أن تبدأ.

وفي الأسابيع التالية، أعلن ترامب وقف إطلاق النار مع الحوثيين في اليمن والتقارب مع القيادة الإسلامية الجديدة في سوريا كما تجاوز إسرائيل في زيارته الخليجية، وهو ما يظهر التوتر في العلاقات التقليدية بين الحليفتين، وفقا للمصادر.

وقال ديفيد ماكوفسكي، الباحث في معهد واشنطن ومدير مشروع عن العلاقات العربية الإسرائيلية، إن واشنطن وتل أبيب "لا تبدوان على توافق في القضايا الكبرى كما كانتا في المئة يوم الأولى" من رئاسة ترامب.

غزة تثبت الانقسام

خلال حملته الانتخابية، أوضح ترامب أنه يريد وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن الرهائن هناك قبل عودته إلى البيت الأبيض.

لكن بعد مرور أشهر على رئاسة ترامب، واصل نتنياهو تحدي دعوات وقف إطلاق النار، ووسع نطاق الهجوم، ولم يقدم أي خطة لإنهاء الحرب أو خطة لما بعد الحرب في الصراع المستمر منذ 19 شهرا. ويقول مسؤولو الصحة في غزة إن عدد القتلى في القطاع تجاوز 52900.

واندلعت الحرب، التي أثارت تنديدات دولية بشأن الأزمة الإنسانية في غزة، بسبب الهجوم الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وتقول إسرائيل إنه أسفر عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتبدد أي أمل في استغلال ترامب زيارته للمنطقة لتعزيز صورته كصانع سلام والإعلان عن اتفاق لإنهاء الحرب.

وبدلا من ذلك، ضاعف نتنياهو، الذي تتهمه المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في غزة، هدفه المتمثل في سحق حماس. ويخضع نتنياهو للمحاكمة في إسرائيل بتهم الفساد التي ينفيها.

وخلال اختتام ترامب زيارته، شنت إسرائيل هجوما جديدا الجمعة على غزة. وأدت الغارات الإسرائيلية إلى مقتل مئات الفلسطينيين في الأيام القليلة الماضية.

أما الأولوية الأخرى لترامب، وهي توسيع اتفاقات إبراهيم التي تطبّع العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية لتشمل السعودية، فقد عرقلها أيضا تعنت نتنياهو.

وأوضحت الرياض أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع إسرائيل قبل أن تتوقف الحرب ويصبح هناك مسار لإقامة دولة فلسطينية، وهو ما يرفضه نتنياهو.

وقال شينكر "ليست لديه استراتيجية، ولا خطة لليوم التالي بشأن غزة". وأضاف "وهو يعترض الطريق".

أما علنا، فقد رفض ترامب نفسه أي حديث عن أي خلاف. وفي مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت بعد زيارة الخليج، نفى ترامب أن يكون محبطا من نتنياهو الذي قال عنه إنه يواجه "وضعا صعبا" بسبب الحرب في غزة.

لكن ترامب يمضي قدما من دون نتنياهو. وباهتمام بالمصالح الذاتية دون حرج، يقود الرئيس الأميركي عملية إعادة تنظيم للدبلوماسية الأميركية تجاه الدول السنية الثرية، التي ترتكز على الرياض الغنية بالنفط.

وقال مصدر إقليمي كبير إن زيارة ترامب توجت الدور المؤثر للسعودية بصفتها قائدا للعالم العربي السني. وعلى النقيض من ذلك، فقد أدت سنوات من التجاوزات الإيرانية، والضربات العسكرية الإسرائيلية القوية لحليفتيها حماس في غزة وجماعة حزب الله في لبنان، إلى تراجع دور طهران بصفتها قوة إقليمية شيعية.

وأضاف المصدر "كان لإيران الدور القيادي، والآن دخلت السعودية بأدوات أخرى: الاقتصاد والمال والاستثمار".

صعود السُنة

رغم أن نتنياهو هو من تصدر المعركة ضد إيران، يتشكل النظام الإقليمي الجديد في الرياض والدوحة وأبوظبي.

وتتطلع هذه الدول الخليجية إلى الحصول على أسلحة متطورة لحمايتها من هجمات إيران ووكلائها وكذلك إمكانية الوصول للرقائق الأميركية المتطورة وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ووجدوا شريكا راغبا يتمثل في رئيس أميركي يمكن أن تتداخل سياسته الخارجية أحيانا مع المصالح المالية لعائلته.

وفي قطر، المحطة الثانية من جولته، جرى تقديم طائرة فاخرة من طراز بوينغ 747 لترامب وجرى استقباله بحفاوة تليق بملك.

ووسط احتفال فخم ورقصات بالسيف واستعراض للفرسان ومأدبة ملكية، أعلن ترامب أن قطر، التي قدمت دعما ماليا كبيرا لحركة حماس، "تحاول المساعدة بكل تأكيد" في أزمة الرهائن الإسرائيليين.

وضرب تصريح ترامب على وتر حساس في القدس، حيث ينظر المسؤولون إلى الدوحة كتهديد استراتيجي يمول أحد ألد أعدائهم.

وقال يوئيل جوزانسكي وهو زميل بارز في معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب إن العديد من الإسرائيليين "لا يفهمون مدى مركزية قطر بالنسبة للولايات المتحدة"، مشيرا إلى أنها تضم أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

وأضاف جوزانكسي أنه في الوقت الذي تجعل علاقة قطر مع حماس من الدولة الخليجية تهديدا لإسرائيل، فإن ثروتها الهائلة من الغاز الطبيعي ونفوذها المالي ونفوذها الدبلوماسي حولها إلى حليف لا غنى عنه لواشنطن.

وقدر البيت الأبيض أن الجولة إجمالا ضمنت أكثر من تريليوني دولار من الالتزامات الاستثمارية في الاقتصاد الأميركي، منها طلبيات كبيرة لطائرات بوينغ وصفقات لشراء معدات دفاعية أميركية واتفاقيات لشراء خدمات تكنولوجية. بينما وجد إحصاء أجرته رويترز للصفقات المعلنة أن القيمة الإجمالية تصل لما يقارب 700 مليار دولار.

وفي السعودية، وافق ترامب على صفقة أسلحة قياسية بقيمة 142 مليار دولار مع الرياض، مما أجج المخاوف الإسرائيلية من فقدان التفوق الجوي في المنطقة إذا حصلت الرياض على طائرة لوكهيد من طراز إف-35.

وفي الوقت نفسه، وفي إعادة تقويم للعلاقات الأميركية السعودية، عرض ترامب على الرياض مهلة لإقامة علاقات مع إسرائيل، قائلا لحكام السعودية إن بإمكانهم القيام بذلك في الوقت الذي يناسبهم.

والآن، يتفاوض ترامب على استثمار نووي مدني تقوده الولايات المتحدة للسعودية، وهي صفقة أخرى تثير قلق إسرائيل.

ودفعت الدول التي تتبع المذهب السني أجندتها الدبلوماسية الخاصة. وجاء إعلان ترامب المفاجئ خلال جولته عن رفع العقوبات المفروضة على سوريا، في تحول آخر كبير في السياسة الأميركية، بناء على طلب من السعودية ورغم اعتراضات إسرائيل.

وحتى ديسمبر، عندما أطاح أحمد الشرع بالرئيس السوري بشار الأسد، رصدت واشنطن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يقبض عليه.

ورحبت دول الخليج بالهدنة التي أعلنها ترامب مع الحوثيين في اليمن، وهم جزء من "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، والتي وضعت حدا لعملية عسكرية أميركية مكلفة في البحر الأحمر. وجاء هذا الإعلان، الذي أعقب إجراء المحادثات النووية مع إيران، بعد يومين فقط من سقوط صاروخ حوثي على مطار بن غوريون الإسرائيلي.

وقال جوزانسكي وهو منسق سابق لشؤون إيران والخليج في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي "يزيد موقف إسرائيل أكثر فأكثر كمخربة تقف في طريق ليس فقط الولايات المتحدة بل المجتمع الدولي، إذ تحاول تشكيل المنطقة بشكل مختلف بعد سقوط الأسد وحزب الله وربما إنهاء حرب غزة".

وفي حين التزمت حكومة نتنياهو اليمينية الصمت إزاء زيارة ترامب، عبرت وسائل إعلام إسرائيلية عن قلقها من أن مكانة البلاد مع أهم حلفائها آخذة في التراجع.

وانتقد سياسيون معارضون رئيس الوزراء لسماحه بتهميش إسرائيل بينما يعاد تشكيل تحالفات قديمة.

ووجه رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي يستعد للعودة إلى الحياة السياسية، اتهاما لاذعا لحكومة نتنياهو، مجسدا بذلك الشعور بالقلق الذي يسيطر على كثيرين في المؤسسات السياسية والأمنية الإسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق على أكس "الشرق الأوسط يشهد تغييرات في بنائه أمام أعيننا وأعداؤنا يزدادون قوة، ونتنياهو... وجماعته مشلولون، سلبيون وكأنهم غير موجودين".