رجال يشتبه في انتمائهم لتنظيم داعش يتوجهون نحو نقطة تفتيش أميركية كردية في الباغو بسوريا-أرشيف
رجال يشتبه في انتمائهم لتنظيم داعش يتوجهون نحو نقطة تفتيش أميركية كردية في الباغو بسوريا-أرشيف

أصاب الزميل بابكر فيصل في استعراضه، ضمن مقالين هامين، لأصول التشدد وفروعه في الفكر الإسلامي، فكان منهجياً في تحليله للمفاهيم الإجمالية وانتقائياً بطبيعة الحال في ذكره للمقومات التفصيلية.

ولا شك أن المعالجة الحداثية، في إطار الفكر الإسلامي السياسي الملتزم، لمفهوم الأمة، بما يرتقي بهذا المفهوم إلى الصيغة الجامعة المانعة، ومفهوم الحاكمية، والذي يُقصر الشرعية السياسية على التنزيل رغم غياب المضمون الوافي فيه للغرض المقصود، تقضي لدى من يعتمدها بوجوب الخلافة والجهاد كمشروع سياسي ملزم، وتجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة قمع، وتفتح مجال التوظيف أمام استدعاء آيات القتال، وخاصة آية السيف، كما أحاديث الذبح والتترس والبيات، وصولاً إلى استحداث مفاهيم للإمعان بالتشدد، من إنكار العصمة الأصلية للنفس وتكفير مجهول الحال إلى البعث على النيات.

وهذه المعالجة الحداثية، على الرغم من تجاوزها للنصوص الكفيلة بدرء التشدد، على ندرتها، كما كان مذهب السلف من العلماء، وعلى الرغم من تعارضها مع التاريخ الإسلامي المعاش برمتّه تقريباً، فإنها لم تعد تقتصر على الإسلاميين والجهاديين، بل تشمل أوساطا مسلمة واسعة وإن كان معظمها ممن يرتئي إهمالها. ومن هنا خطورتها وضرورة تفنيدها.

وقد سبق للزميل بابكر، في مقال سابق، أن شدّد على وجوب الفصل بين النص، والمقصد الإلهي من خلفه، وبين القراءات المتتالية له في المراحل الفكرية والتاريخية المتوالية، كما في السياقات المكانية المتوازية، وذلك في إطار الرد على من يجعل من الإفراط بالعنف والإرهاب سمة إسلامية حصرية.

أي أن بابكر يفصّل المفاهيم الجهادية وينكر انسجامها مع روح الدين ويحكم بخطئها، ويبرئ الإسلام بصيغته الأصلية منها.

المعضلة في هذه المقاربة هي أن أية قراءة للنص، بما فيها التي تنبّه إلى وجوب الفصل بين المقصد الإلهي والفهم الإنساني، هي بالضرورة قراءة «بشرية» كذلك، تتساوى في سمتها هذه مع سائر القراءات، أي لا يسعها أن ترتقي للحكم على غيرها إلا من موقع «إيماني» خاص بها، كما تفعل كافة القراءات الأخرى، دون أن يستقيم زعم حصرية العقلانية أو المنطقية لديها، كما يأتي الطرح غالباً وإن دون تصريح. بل إن السبيل الوحيد لافتراض موضوعية للقراءة الرافضة للتشدد، دون الخروج من النطاق الديني الإسلامي، هو في إدراجها ضمن إطار يتجاوز مرجعية النص ويقدّم عليها مرجعية العدل مثلاً، كما فعل المعتزلة، أو مرجعية الرحمة الإلهية، كما في بعض القراءات الصوفية، وهو ما اعتبره علماء السنة والجماعة في المراحل السابقة مذهب «أهل الأهواء» الذين يقدمون قناعاتهم المسبقة على «الحق» الذي يفيده النص الصريح.

ويمكن القول، استقرائياً، أن الزميل بابكر ومن يوافقه في أن القراءات التي يبنى عليها التشدد مخالفة لمقصد الدين، أو أنها مبنية على نصوص يتوجب رفضها ابتداءاً، كما هو رأي «القرآنيين»، أو أنها تعود لتأثير مفرط للمتشددين من السلف، مثل ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب، ينطلقون جميعاً وإن دون إشهار للأمر من مرجعية جديدة يلزمون القراءات ضمنياً الامتثال بها، هي مرجعية «الأنوار» (أو وفق الخطأ الشائع إنما الدال، والذي تجنّبه الزميل بابكر، «التنوير»)، أي الأفكار المؤسسة لما يصطلح اليوم على اعتباره قيماً عالمية، الحياة والحرية والكرامة والمساواة وغيرها.

هذا بحدّ ذاته مشروع حداثي هام وإن انضوى على مسألتين تتطلب كل منهما الإجابة الوافية من الزميل الكريم.

المسألة الأولى هي حول تجنيب النصوص الأولى، ولا سيما منها القرآن والسيرة، المنهج النقدي. قد يكون الاعتبار هنا عملياً، نظراً لحساسية الموضوع ومنعاً للتنفير، أو قد يكون مبنياً على قناعة إيمانية. ويتبين اندراج معظم من ينأى بالقرآن عن النقد ضمن إطار الحصن الإيماني، أي الإصرار على إيجاد المخارج للنصوص كي لا تتعارض مع مرجعية الأنوار، سواء من خلال العودة إلى أدوات التفسير المعتمدة (الحقيقة والمجاز، العام والخاص، المطلق والمقيد، المجمل والمفصل، الناسخ والمنسوخ، أسباب النزول، وغيرها)، وإن بالإفراط والتفريط الهادفين، أو من خلال التمسك السجالي بالجزء المفيد على حساب الكل.

يمكن انطلاقاً من هذه الاستعمالات الطعن بيقين الجهاديين والإسلاميين حول مفاهيمهم المستحدثة في شدتها، وربما الانتقال بها إلى الظن والشك والشبهة. غير أن هذا المنحى يقترب من التكلّف، ويبتعد عن الترابط الداخلي، إذ يتجنب ما يمكن اعتباره «أصول الأصول» ضمن النص القرآني.

فالأمة والحاكمية والخلافة والجهاد وغيرها من المفاهيم الأولية في الفكر الإسلامي الجهادي اليوم تبقى عرضة للتمييز. أما «أصول الأصول»، والتي تتشعب بحضورها في النص القرآني دون أن تحصر بعبارة واحدة أو مفهوم محدد، فتفنيدها أكثر صعوبة.

أول أصول الأصول هذه هو «الأعلوية» التي تمنح المؤمنين أو المسلمين رتبة أعلى من غيرهم، فهم الأعلون وهم خير أمة ومنهم الناجون ومنهم أهل الجنة وهم الذين يرجون ما لا يرجوه غيرهم، وغيرها من صفات المقام.

وقد تكون العلاقة بين الاستعلاء، أي الأعلوية في صيغتها التطبيقية، والإرهاب مباشرة في العديد من الحالات. فالإرهابي المسلم المحفّز ذاتياً كما الذي تُجرى تعبئته قد لا يكون على بينة من دقائق الأحكام الفقهية، غير أنه غالباً على إدراك مسبق لأعلويته كمسلم إزاء الكافر غير المسلم، بل حين يكون التفاوت في المقام الدنيوي لصالح غير المسلم، يتضاعف الزخم التصحيحي المنتج للإرهاب.

ثاني أصول الأصول هذه هو «اختلال المقادير» في العقوبة والحدود، ابتداءاً من قطع يد السارق وصولاً إلى الخلود في نار الجحيم لمن غاب عنه الإيمان. فالمال المسروق يعوّض، أما اليد المقطوعة فلا، والكفر لا يضرّ رب الكون وإله الشريعة البتة ولكنه يستجلب عذاب النار إلى أبد الآبدين.

واختلال المقادير هو عنوان إرهابي تلقائي. وثمة معطيات تفيد بأن جريمة الإبادة التي أرتكبها تنظيم الدولة الإسلامية بحق اليزيديين كجماعة كانت من باب التغليط ثأراً لمقتل فتاة يزيدية اعتنقت الإسلام للزواج من رجل مسلم. وفي السيرة مجزرة جماعية بحق بني قريظة وسبي للنساء والأولاد نتيجة لطلب أميرهم إعفاءهم من عهد للرسول. وإذ يقرّ أحد منظري تنظيم القاعدة باختلال المقادير بين الجرم والعقوبة، فإنه يطرح هذا التفاوت كمقياس لتعامل المسلمين مع غيرهم. رأي هذا المنظر ليس لازماً بطبيعة الحال، ولكن الرأي الفقهي الرافض لهذه المقاربة لا يزال غائباً.

أما أصل الأصول الثالث هنا فهو «افتئات الفئات»، أي الانتقاص من المباح لهم والاستزادة من الواجب عليهم، ابتداءاً بالمرأة بما يشملها من انتصاف في الشهادة والميراث وما عليها من ستر للعورة، وكلها عورة، مروراً بالمرتد، بما يطاله من هدر وقتل، وصولاً إلى الرقيق والسبايا وملك اليمين وما هم عليه من مظالم مباحة.

«سب الذات الإلهية» أودت بحياة أعداد لا تحصى في ديار الجهاد وغيرها، فيما السبي، هذه الشعيرة التي أعاد المجاهدون إحياءها، لم تجد إلى اليوم من يقضي بتحريمها.

ويمكن للقراءات الدينية الساعية إلى التوفيق مع مرجعية الأنوار محاولة تبديد هذه الأصول وتشتيتها، إنما بما يتعارض مع النص ومع الفهم الراسخ له. والمفاهيم التي يشرّحها بابكر فيصل، وغيره من الزملاء، من مفهوم الأمة نزولاً، لا تنتشر عن عبث، بل لأن أصول الأصول هذه تمهّد لها. فالسؤال هنا هل في معالجة هذه المفاهيم تطرّق إلى العوارض دون الأسباب العميقة المتمثلة بأصول الأصول هذه؟ وهل يمكن التوقف عند نقد النصوص المشتقة دون نقد النصوص الأولى؟

واقع الحال هو أن سطوة المفاهيم التي هي موضوع النقد، أو تأثيرات أصول الأصول هذه عليها قد لا تكون عائدة إلى اعتبارات فكرية محضة، بل قد تكون هذه الأوجه الفكرية إطاراً وحسب لاعتبارات أخرى مادية ومعنوية. غير أن الاقتصار على ذكرها في مقال الزميل هو ما استدعى الحصر بالإطار الفكري هنا.

أما المسألة الثانية والتي تواجه البناء على الأنوار كمرجعية ضمنية عند استدعاء النص الديني فهي في انحراف التطبيق نحو القسوة أبان تقييم التجربة الإسلامية.

هل ثمة استعلاء آخر إزاء من يعتنقون المفاهيم التي ينقدها الزميل بابكر؟ إذ يصوّر هؤلاء على أنهم ضحايا «غسيل دماغ»، وقد يكون الأمر بالفعل أنهم يسيرون تلبية لمقولات لا تفي بمصلحتهم. على أنه من الجائز كذلك أن تكون قراءاتهم واعتباراتهم وقيمهم مختلفة عن المرجعية التي يعتمدها الزميل. لا ينفي ذلك الحق بالطعن لعمق الخلاف ولكنه يستدعي السؤال عن الأسس والدوافع، كي لا يكون الموضوع استبدال «غسيل الدماغ» بوصاية جديدة على العقول.

ومن هذا الباب، فإن من اختار تعريب «الأنوار» بـ «التنوير»، أي بالمصدر المتعدي يفترض أبوية (أو «أعلوية»؟) للفكر المستنير، تتناقض مع جوهر الطرح الذي يرى بالأنوار ارتقاء ذاتي، لا استاذية بديلة.

يظهر الزميل بابكر حريصاً عادة على تجنب الوصاية الفكرية والتراتبية الحضارية، وإن جاءت عبارته أحياناً على خلاف ذلك، حين يفترض أن العقل المسلم قد «أغلق بصورة كاملة منذ القرن الثالث عشر»، أو أن التجربة الغربية معيارية في مراحلها وأن التاريخ خطي بتدرجه. على أن النقاش بشأن هذه المواقف أكثر جدوى ضمن إطار يسمح بالتفاعل الفوري ولا سيما أن قدر كبير من الخلاف يعود إلى المصطلح والعبارة.

مع فائق التقدير للزميل الأستاذ بابكر فيصل ولمقالته الثرية المفيدة.

أميركا

معاداة السامية في أميركا... من أين جمع إلياس رودريغيز مصادر كراهيته؟

رامي الأمين
22 مايو 2025

اختار إلياس رودريغز تجمعاً من أربعة أشخاص خارج المتحف اليهودي في واشنطن، وأطلق عليهم النار ليقتل رجلاً وامرأة يعملان في السفارة الإسرائيلية في العاصمة الأميركية. 

لم يكن اختياره للمكان عبثياَ، ولا يخفي الاختيار تقصّد رودريغز استهداف يهود خارج متحف يهودي. 

أعلن رودريغيز عن رسالة سياسية حينما هتف "الحرية لفلسطين"، بعد أن نفذ جريمته الدموية، لكن فعله أعاد النقاش حول معاداة السامية في الولايات المتحدة إلى الواجهة، خصوصا أن الجريمة، حملت إلى جانب البصمات السياسية، بصمات أيديولوجية يسارية متطرفة.

شهد العامان الماضيان ارتفاعاً مقلقاً في مستويات معاداة السامية في الولايات المتحدة، بعد هجوم السابع من أكتوبر الدموي الذي شنته حركة "حماس" ضد إسرائيل. وبحسب إحصاءات لـ"رابطة مكافحة التشهير"، شهد العامان ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، زيادة كبيرة في أعداد حوادث معاداة السامية الموثقة، كما شهد العقد الأخير زيادة بنسبة ٨٩٣٪ في حوادث معاداة السامية.

 


 

ومع أن معاداة السامية، تُنسب بداياتها في أميركا إلى العام ١٨٧٧، عندما رُفض دخول المصرفي اليهودي جوزيف سيليغمان إلى فندق في ساراتوغا سبرينغز في ولاية يوتا، إلا أن المؤرخ جوناثان دي سارنا يؤكد أن المشاعر المعادية لليهود كانت موجودة من قبل، وأنها كانت حاضرة في التاريخ الأميركي المبكر، وكانت أكثر انتشاراً مما يُعتقد. 

ويدعو المؤرخ الأميركي إلى إعادة تقييم موضوعية وشاملة للتاريخ اليهودي الأميركي، تعترف بوجود معاداة السامية كعنصر دائم الحضور، وليس ظاهرة متأخرة أو هامشية.

أما كيفية تمظهر معاداة السامية في الولايات المتحدة، فيستعرضها كل من الباحثين ديفيد آر. هودج وستيفاني كلينتونيا بودي في ورقة بحثية منشورة. 

فمعاداة السامية، "متجذرة في صور نمطية قديمة وتفاعلات القوى بين الأقليات والأغلبية"، بحسب الباحثة والباحث، وهي "تتفاقم بفعل الحسد الاجتماعي، والمعلومات الخاطئة، وانتشار الكراهية عبر الإنترنت، وخصوصا في الـ"دارك ويب". ولا يغفل الباحثان تمظهرها، بأشكال مختلفة عبر "الطيف السياسي".

ويلاحظ كل من الباحث والباحثة، في الدراسة المنشورة قبل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، أن هناك خلطا أحيانا بين انتقاد إسرائيل سياسياً ومعاداة السامية، لكنهما يشيران إلى أن "معاداة الصهيونية تستخدم كقناع لمشاعر عدائية تجاه اليهود"، وأن "العديد من الخطابات المعادية لإسرائيل تكرر رموزًا وسرديات تقليدية معادية للسامية".

موقع "الحرة" سأل المؤرخ الآميركي جيفري هيرف عن قراءته للحادثة. 

تحظى أبحاث هيرف بتقدير نقدي واسع لما تتسم به من دقة بحثية وعمق تحليلي، وفضلا عن كونه متخصصا في أشكال من معاداة السامية المستندة الى خلفيات أيديولوجية مختلفة ومتباينة وتشابكها المعقد.

من هو منفذ الهجوم على المتحف اليهودي في واشنطن؟
في حادثة أثارت صدمة واسعة في الأوساط السياسية والدبلوماسية، أوقفت السلطات الأميركية شابًا يُدعى إلياس رودريغيز، يبلغ من العمر 30 عاما، وهو من سكان شيكاغو بولاية إلينوي، بعد الاشتباه بضلوعه في حادث إطلاق نار أدى إلى مقتل اثنين من موظفي السفارة الإسرائيلية في واشنطن، مساء الأربعاء.

هيرف يرى أن الجريمة التي وقعت في واشنطن هي بوضوح من أعمال معاداة السامية وكراهية اليهود. يصفها هيرف بأنها "مجزرة فردية" أو نسخة حديثة من "صيد اليهود"، شبيهة بروح الجرائم النازية التاريخية. 

ويقرأ هيرف في الخلفيات الأيدولوجية لإلياس رودريغز، المرتبط بحزب ماركسي-لينيني يُعرف باسم "حزب الاشتراكية والتحرير"، ما يشير بحسب هيرف إلى أن "معاداة السامية اليسارية، وليست فقط اليمينية أو الإسلاموية، يمكن أن تدفع نحو العنف".

وربما يكون هيرف أبرز من وضع تصنيفات تفصيلية لظاهرة معاداة السامية عالمياً في دراساته وكتاباته. وهو يتحدث عن وجوه ثلاثة لمعاداة السامية. وعلى الغالب بحسب المتوفر من معلومات حول منفذ هجوم واشنطن، فإن الياس رورديغز يمثل الوجه الثاني بحسب تصنيف هيرف وهو "الهجمات اليسارية العلمانية على إسرائيل".

يذهب هيرف إلى أن هذا الشكل من معاداة السامية يُقرن اليهود بالنظام الرأسمالي، ويظهر في صورة هجومية شرسة ضد دولة إسرائيل. 

ويُعد من أفكار هيرف المركزية والجريئة القول بأن معاداة الصهيونية ومعاداة السامية مترابطتان بشكل لا يقبل الفصل. ويُجادل بأن ما يُقدَّم غالبًا كـ"نقد سياسي مشروع" للصهيونية يخفي في حقيقته عداءً عميقًا لليهود، وذلك لإكساب هذا الخطاب غطاءً من الشرعية.

أما الوجهان الآخران لمعاداة السامية، بحسب تصنيف هيرف، فهما الشكل التقليدي والأكثر وضوحاَ تاريخياً لمعاداة السامية، في السرديات النازية واليمينية المتطرفة، التي كانت أفكارها وتصوراتها المحرّك الأساسي لمشروع الإبادة الجماعية النازي خلال الهولوكوست.

ورغم أنّ هذا النمط العلني من "كراهية اليهود الرجعية" فقد الكثير من شرعيته المجتمعية في أوروبا والولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن أفكاره، بحسب هيرف، الجوهرية لا تزال حاضرة في حركات النازيين الجدد وغيرها من تيارات اليمين المتطرف.

الوجه الثالث يتمثل في ما يسميه بـ"الاعتداءات الإسلاموية"، وهو نمط "آخذ في التصاعد، ويستند إلى تأويلات معينة للتراث الإسلامي في القرن العشرين، ويوجه العداء تجاه اليهود واليهودية ودولة إسرائيل. 

ويتتبع هيرف أصول هذا الخطاب، مبرزًا التعاون المبكر بين بعض التيارات الإسلامية وألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية. ويلاحظ استمرار هذا النهج في العالم العربي، خصوصًا في ميثاق حركة حماس لعام 1988، ويعدّ هجوم 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل ذروة هذا التيار.

ويصف هيرف هذا النمط بأنه "أخطر وأشد الأوجه تأثيرًا في كراهية اليهود المعاصرة".

يربط هيرف في حديثه مع موقع "الحرة" الجريمة بـ"الخطاب الراديكالي المنتشر في الجامعات الأميركية"، مشيراً إلى أن شعارات مثل "من النهر إلى البحر، فلسطين حرة" مهّدت لأعمال كهذه. ويحذّر هيرف من أن البيئة الجامعية ساهمت أيديولوجياً في تغذية الهجوم.

ويعكس هذا الهجوم، كما يلاحظ هيرف، اندماجاً أيديولوجياً بين معاداة السامية الدينية الاسلامية المتطرفة واليسارية الراديكالية.

ويشير هيرف إلى ميثاق حماس لعام 1988، معتبراً إياه وثيقة دينية صريحة تُعلن الحرب على اليهود، وليس فقط على الصهاينة، وانتقد تجاهل الغرب لها.

ويُولي هيرف اهتمامًا خاصًا لمفهوم "التلقيح المتبادل" بين وجوه معاداة السامية، لاسيّما حين بدأت الأيديولوجيتان اليسارية والإسلاموية في دمج معاداة السامية بمعاداة الصهيونية بعد عام 1945. وبالتالي قد تكون الجريمة التي شهدتها واشنطن نتاج هذا التلقيح المتبادل، إذا ما تبين أن لرودريغز تأثر بأفكار "حماس"، أو أي تنظيمات إسلامية أخرى.

يشدد هيرف في حديثه مع "الحرة" على أن معاداة السامية "لا تضر اليهود فقط، بل تدمر المجتمعات العربية أيضاً، إذ تؤدي إلى نشوء أنظمة فاشلة سياسياً واقتصادياً مثل نظام الأسد، وحماس في غزة، والنظام الإيراني، بسبب رؤى مشوهة للواقع".

ويؤكد هيرف على أن التركيز الأكاديمي على معاداة السامية النازية وارتكابها الهولوكوست لا غنى عنه، لكن التصدي الفعّال لأشكال معاداة السامية المعاصرة يقتضي دراسة معمّقة لأشكالها اليسارية والإسلاموية كذلك.

رامي الأمين