Facebook
Facebook

527324 4

مالك العثامنة/

في خانات التعليقات المفتوحة على المواد المنشورة في المواقع الإخبارية الإلكترونية، أجد فيها تسلية وبنفس الوقت هي قراءة "مسحية" لواقع الحال العربي والعقل العربي عموما.

يكون الخبر مثلا، كما قرأت قبل قليل في موقع أوروبي ناطق بالعربية، موضوعه عادي جدا وخفيف ومحايد لا سياسة فيه ولا دين ولا جنس، فالمادة تتحدث عن طرق علمية متبعة للنوم السليم بلا قلق حسب دراسات ما.

ما بعد المادة، وفي الأسفل، خانة التعليقات التي تجاوزت المئات والتي بدأت عادية بالتعليق على الموضوع ثم وبعد عدة تعليقات عادية، يضع أحدهم في خانة التعليق دعاية لصفحته على موقع فيسبوك التي تحوي أدعية وقراءات دينية "ولك الأجر والثواب إن قمت بفتح صفحته!"، يرد عليه معلق فورا بالسباب والشتائم، فيرد عليه آخر بشتائم مضادة مستوحيا من اسمه أنه مسيحي "نصراني" كافر يعبد الصليب، وينهي جولة سبابه وشتائمه بالصلاة على النبي وآل البيت، فيرد عليه فورا معلق جديد بملاحظة أن الصلاة على آل البيت ليست واجبة بل بدعة وضلالة، فترد فتاة بأن آل البيت واجب الصلاة عليهم فيرد عليها آخر بوجوب الصلاة والتسليم على عليّ وآله أيضا، لتبدأ موجة ردح جديدة على التعليق الأخير تتهمه بأنه شيعي صفوي مجوسي، وترد بعدها تعليقات من شخص عراقي يشتم فيها السنة وصدام، فتنهال عليه الشتائم من القوميين والسلفيين في تحالف غريب ومدهش، ينتهي التحالف فورا حين يقول أحد السلفيين بأن صدام عليه من الله ما يستحق، فتثور ثائرة "الصداميين" وتبدأ جولة الهجوم على خوارج العصر من السلفيين.

يصبح الشرف مادة دسمة للحديث بينما تتشكل علاقات "افتراضية" بين معلقين ومعلقات

كامنا من بعيد وبترقب، ينتظر "ملحد ما" لحظة الانقضاض، فينقض بتعليق يهين فيه السنة والشيعة والمقدسات في مكة والكوفة ويزدري العالم العربي بلغة ساخرة، فيتحالف الشيعة والسنة على شتمه إلى أن يرد تعليق باسم شخص قبطي يدعو إلى إزالة الاحتلال الإسلامي من مصر، فتبدأ جولة جديدة من الشتائم والتكفير (وكل ما ورد أعلاه فيه بذاءة في الألفاظ تركز على الأمهات والأخوات وأعضائهن التناسلية).

أحدهم باسم حركي يوحي بتنويريته المفترضة وما يعكس أنه مثقف حداثوي، ينتبه لحكاية التعريض بأعضاء الأمهات التناسلية، فيورد تعليقه حول الحكاية بلغة متفذلكة تحتقر الجميع بلا استثناء، فترد عليه فتاة تدعي "النسوية" بقلب حب وتتبعه بتعليق يتحدث عن حرية المرأة في العلاقات الجنسية، فتبدأ جولة جديدة ونوعية من التعليقات يكون فحواها "أترضاه لأختك؟"، ولا تنتهي بصفات مثل ديوث وآكل لحم الخنزير وطبعا يصبح الشرف مادة دسمة للحديث بينما تتشكل علاقات "افتراضية" بين معلقين ومعلقات توافقوا في الأفكار.. وربما في الهرمونات أيضا.

فتاة عادية جدا، تطرح تعليقا يدعو إلى التهدئة، والعودة إلى الموضوع الأصلي للمادة الصحفية المنشورة، وتستخدم أحاديث ومأثورات إسلامية تنبذ الفتنة والنزاع، فيرد عليها متزمت في الدين منتقدا صورتها بلا حجاب، وأنها غير مؤهلة بسفورها أن تستخدم الحديث والدين في كلامها، فتبدأ حرب جديدة وضروس بلا هوادة.

تبدأ جولة جديدة ونوعية من التعليقات يكون فحواها "أترضاه لأختك؟"

الأكثر برودا وصفاقة هو ذلك الذي يقتحم ذروة حرب الشتائم بتعليق محتواه أبرد من سطح عطارد، فيعلن عن وصول أول شحنة من مراهم "كذا" المقوية للرغبة الجنسية، مع رابط لصفحة على موقع فيسبوك فيها "كل ما يفيد الأزواج والعرسان".

ينتهي تعليق المرهم الجنسي، لتعود المعركة من جديد لكن بصيغة جديدة وثنائية استقطاب جديد يبدأه قومي عربي بالحديث عن العرب وأصولهم من قحطان وعدنان، فيرد أمازيغي بتساؤل عن ذنبه التاريخي بهذه السلالات التي اقتحمت جغرافيته وتاريخه، فتبدأ معركة جديدة بين المشرق العربي ومغربه لا تخلو من سخرية واستهزاء وعنصرية وكل ما يخالف أدنى مبادئ حقوق وكرامة الإنسان.

بعد نصف ساعة من التجوال بين كل تلك التعليقات وقلوب الحب والأيدي مرفوعة الإبهام والوجوه الضاحكة والغاضبة والمندهشة أعود إلى المادة الصحفية إياها..

كانت تتحدث عن أساليب صحية لنوم سليم وهادئ وبلا قلق، أليس كذلك؟

كل عام وأنتم بلا قلق..

ساحات "المربد" الإلكترونية 2988E2B1-3A95-4E5C-95CD-689ABA70B812.jpg AFP ساحات-المربد-الإلكترونية الأكثر برودا وصفاقة هو ذلك الذي يقتحم ذروة حرب الشتائم بتعليق محتواه أبرد من سطح عطارد 2019-12-31 14:00:14 1 2019-12-31 14:14:14 0

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.