يورغن كلوب (يمين)  و بيب غوارديولا (يسار)
يورغن كلوب (يمين) و بيب غوارديولا (يسار)

من تصاريح العمل إلى رسوم الانتقالات وانتهاء بجذب اللاعبين، لا يشك اثنان في أن خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي ستكون له نتائج كارثية على الدوري الإنكليزي الممتاز.

موعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي هو الـ31 من يناير 2020، وفي حال جرى من دون أي اتفاق لاحق أو ما يعرف بـ"الخروج الصعب"، سيؤدي ذلك إلى صعوبات جمة قد تواجهها الأندية الإنجليزية للتعاقد مع لاعبين أوروبيين بجانب قيود كبيرة على الأمور المالية.

وظهر هذا جليا في عام 2016 عندما صوتت جميع أندية الدوري الإنجليزي الممتاز العشرين بالضد من بريكست.

أما اليوم وبعد أن بات بريكست أمرا واقعا إليكم السيناريوهات المتوقعة لما سيكون عليه الدوري الإنجليزي بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

الصفقات الكبيرة التي جرت في الموسم الحالي للدوري الانكليزي الممتاز

انتداب اللاعبين

في البداية من المهم أن نعرف أن الخروج "الصعب" من الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى عودة لوائح أكثر تشددا فيما يتعلق بحركة البضائع والأشخاص إلى المملكة المتحدة، في حين أن الخروج مع التوصل لاتفاق سيؤدي إلى اتخاذ تدابير أقل صرامة.

وبقدر ما يتعلق الأمر بالدوري الممتاز، فإن المسألة الرئيسية التي تثير القلق هي كيف سيتم التعامل مع الهجرة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، خاصة إذا ما علمنا أن حرية حركة الأشخاص ضمن منطقة الاتحاد الأوروبي لعبت دورا حاسما في تطوير لعبة كرة القدم في أوروبا بشكل عام وإنكلترا بشكل خاص.

وبالنسبة لأندية الدوري الإنكليزي الممتاز، وخاصة تلك الموجودة في القمة، يعتبر سوق الانتقالات أحد الاعتبارات الرئيسية في السعي لتحقيق النجاح، وفرض أي قيود على حرية انتقال الأشخاص من شأنه خلق مشاكل لا محالة.

فبعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سيتم التعامل مع اللاعبين الأوروبيين كأجانب حالهم حال اللاعبين القادمين من إفريقيا أو أميركا الجنوبية أو آسيا.

وهذا يعني أنه سيتعين عليهم تلبية معايير معينة أو الحصول على إعفاء من أجل الحصول على تصريح عمل في المملكة المتحدة كي يتم السماح لهم بالعمل كموظفين في نادٍ لكرة القدم.

في عام 2016، على سبيل المثال أظهرت نتائج تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية أن هناك 332 لاعبا في الدوري الإنكليزي الممتاز، ودوري الدرجة الأولى، لا يستوفون هذه المعايير والمتطلبات.

جانب من إحدى مباريات الدوري الإنكليزي الممتاز

التعاقد مع الشباب

خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي يعني أن الأندية الإنكليزية ستجد صعوبة أكبر في توظيف لاعبين أوروبيين تحت سن 18 عاما في أكاديمياتهم.

وتسمح لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الخاصة بحماية القصَّر بالانتقال الدولي للاعبي كرة القدم الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و 18 عاما إذا كانوا يتنقلون بين الأندية التي مقرها الاتحاد الأوروبي.

وبحلول موعد اكتمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لن تكون المملكة المتحدة داخل أراضي الاتحاد الأوروبي، مما سيعيق قدرة الدوري الإنكليزي على جذب المواهب الواعدة في مجال كرة القدم.

كلوب يهنئ صلاح

المدربون والكفاءات

ولن يكون اللاعبون فقط هم من يتأثرون بتداعيات بريكست، فقد شهد العقدان الماضيان تدفق المدربين من أوروبا إلى الدوري الإنكليزي الممتاز بشكل ملحوظ.

ومن بين 20 ناديا يلعبون في الدوري الممتاز هناك عشرة أندية يدربها أشخاص غير بريطانيين ويعدون من خيرة مدربي كرة القدم في العالم مثل الإسباني بيب غوارديولا والألماني يورغن كلوب والإيطالي كارلو أنشيلوتي والبرتغالي جوزيه مورينيو.

وإلى جانب المدربين واللاعبين، استخدمت صناعة كرة القدم منذ فترة طويلة عمالة وخبرات عمال الاتحاد الأوروبي على جميع المستويات، وسيواجه هؤلاء جميعا نفس القيود والصعوبات التي ستواجه اللاعبين.

الدوري الإنكليزي

الآثار المالية

وبالإضافة إلى التداعيات الطويلة الأجل لعدم القدرة على تجنيد أفضل لاعبي كرة القدم بحرية من جميع أنحاء أوروبا، سيكون على أندية الدوري الممتاز أن تتعامل مع التداعيات المالية الناجمة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وتأثرت الأندية الإنكليزية بالهزات الأولية الناجمة عن تصويت المملكة المتحدة على مغادرة الاتحاد الأوروبي نتيجة انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني مقابل اليورو، مما جعل من الصعب على الأندية البريطانية التعاقد مع لاعبين في سوق تنافسي ساخن.

ومع انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني، والقيود المفروضة على اللاعبين المذكورة أعلاه، فإن من الممكن أن يفضل اللاعبون من خارج بريطانيا التوجه لدوريات أخرى كالإيطالي والإسباني بدلا من اللعب في الدوري الإنكليزي الممتاز.

أبرز الانتقالات التي جرت في الدوري الانكليزي خلال الموسم الماضي

أسطورة الدوري الأقوى

يتم تصنيف الدوري الإنكليزي على أنه الأغنى والأقوى على مستوى العالم، حيث تصل حقوق البث العالمية الخاصة به لمليارات الدولارات، كما تشكل خمسة أندية في مدن مانشستر وليفربول ولندن نصف قائمة أغنى عشرة أندية في العالم.

ويرجع هذا جزئيا إلى أن الدوري يجذب أفضل لاعبي العالم، مما تسبب في ازدهار المنافسة بشكل كبير خلال الـ20 سنة الماضية، حيث وصل 11 ناديا إنكليزيا إلى نهائي دوري الأبطال منذ مطلع الألفية في موسم 2000-2001، وتمكنت أربعة فرق من نيل الكؤوس الأوروبية خلال الفترة ذاتها.

وساعدت الأموال المتحققة من حقوق البث في ضمان قدرة الأندية على جذب أفضل المواهب الكروية في العالم، لكن مع ذلك يمكن أن تختفي "اسطورة الدوري الأقوى" في حال الخروج من الاتحاد الأوروبي الذي سيخلق بيئة عمل مقيدة نسبيا ويؤثر على النفوذ المالي للأندية الإنكليزية.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟