جندي أميركي في مخيم لاحتجاز الأميركيين اليابانيين في منزنار بكاليفورنيا
جندي أميركي في مخيم لاحتجاز الأميركيين اليابانيين في منزنار بكاليفورنيا

بعد حوالي 80 عاما على إصدار الرئيس فرانكلين روزفيلت أمرا تنفيذيا سمح للجيش بنقل آلاف الأميركيين من أصول يابانية إلى معسكرات اعتقال، أعلنت ولاية كاليفورنيا أنها تخطط للاعتذار رسميا عن دورها في احتجازهم.

ويرتقب أن يحصل مشروع قرار تقدم به المشرع في المجلس التشريعي لكاليفورنيا آل موراتسوشي في 28 يناير، على تأييد واسع من قبل أعضاء برلمان الولاية عندما يعرضه عليهم في 20 فبراير.

وفيما رحب كثيرون بمشروع القرار، يرى بعض من الأميركيين المتحدرين من أصول يابانية أن الخطوة متأخرة جدا.

ويشير المشروع إلى أن المجلس التشريعي لكاليفورنيا "يعتذر من جميع الأميركيين من أصول يابانية لدوره السابق في دعم (إجراءات) الإدراج والإبعاد والحبس الظالمة بحق الأميركيين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، وفشله في دعم والدفاع عن الحقوق المدنية والحريات المدنية للأميركيين-اليابانيين خلال هذه الفترة".

جانب من مخيم لاحتجاز اليابانيين في تانفوران بكاليفورنيا

وجاء في مشروع القرار أيضا أنه "بالنظر إلى أحداث وطنية في الآونة الأخيرة، فإن من الضروري التعلم من أخطاء الماضي وضمان أن مثل هذا الاعتداء على الحرية لن يتكرر أبدا لأي مجتمع في الولايات المتحدة".

ويدين المشروع على وجه الخصوص، تصرفات محددة اتخذت بحق المحتجزين من قبل مشرعين من ولاية كاليفورنيا. 

ففي أعقاب الهجوم الياباني على قاعدة بيرل هاربر في جزيرة هاواي في السابع من ديسمبر 1941، وافق المشرعون في كاليفورنيا على قانون يشكك في ولاء الأميركيين اليابانيين والمواطنين مزدوجي الجنسية.

ودعا التشريع المؤسسات الحكومية إلى طرد أي موظف للولاية "قد يثبت أنه عدم ولائه للولايات المتحدة خلال الحرب الراهنة". 

وكان 120 ألف أميركي من أصول يابانية قد احتجزوا قسرا في مخيمات خلال الحرب العالمية الثانية بعد إصدار الحكومة أمرا لهم بمغادرة منازلهم والتخلي عن وظائفهم وأعمالهم.

وأقيمت 10 مخيمات لاحتواء هؤلاء في ولايات تقع في غرب الولايات المتحدة وكذلك في ولاية آركنسا الجنوبية.

ذريعة الحكومة الفدرالية لاستهداف هؤلاء المواطنين، هي الدفاع عن الساحل الغربي الأميركي من جواسيس لصالح اليابان، لكن تلك "الاستراتيجية" اعتبرت في وقت لاحق أنها قاسية وقصيرة النظر وأعمال من العنصرية والبارانويا.  

وفي عام 1988، وقع الرئيس رونالد ريغان على قانون الحريات المدنية، أعلن فيه أن الأمر الخاص بنقل الأميركيين اليابانيين كان سببه "التحيز العنصري، والهستيريا في زمن الحرب، وفشل القيادة السياسية".

جانب من مخيم احتجز فيه يابانيون في أبتن بنيويورك

وصوت مجلس الشيوخ بأغلبية ساحقة في العام بذاته، لإعطاء 20 ألف دولار واعتذار لكل واحد من الأميركيين اليابانيين الذين أجبروا على ترك منازلهم.

وأدى القصف الياباني الذي استهدف بيرل هاربر إلى مقتل 2403 شخصا. وقتل نصف الضحايا خلال ثوان على متن السفينة "يو أس أس أريزونا"، بعد أن أدى سقوط قنبلة عليها إلى انفجار مستودع للذخيرة على متنها.

وتسبب القصف الياباني لأسطول المحيط الهادئ الأميركي والذي استمر ساعتين، في إغراق أو إلحاق الضرر بنحو 20 سفينة وتدمير 164 طائرة.

وتحيي الولايات المتحدة ذكرى الهجوم في السابع من ديسمبر من كل عام، فيما تخصص يوم 19 فبراير بتذكر عمليات الاحتجاز القسرية لمواطنيها الأميركيين بسبب أصولهم اليابانية. وكان روزفلت قد وقع في 19 فبراير 1942 على الأمر التنفيذي 9066 سمح للجيش بنقل هؤلاء من 12 منطقة مطلة على المحيط الهادئ في غرب البلاد، واحتجازهم وفرض حظر تجول ليلي عليهم وغيرها من الإجراءات. 

أسرة يابانية بعد عودتها من مخيم احتجاز في هانت بأيداهو إلى منزلها الذي تعرض للتخريب وكتب عليه "غير مرغوب بأي يابانيين" في سياتل بواشنطن.

واستمر احتجاز الأميركيين اليابانيين لعامين ونصف العام، وأغلق آخر مخيم قبل نهاية عام 1945.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟