السفيرة الأميركية الجديدة إلى لبنان دوروثي شيه
السفيرة الأميركية الجديدة إلى لبنان دوروثي شيه

ميشال غندور – واشنطن

تقسم السفيرة الأميركية الجديدة إلى لبنان دوروثي شيه (تكتب Shea وتلفظ Shay) اليمين، الاثنين، أمام وكيل وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية ديفيد هيل الذي عمل كذلك سفيرا للولايات المتحدة في لبنان.

ومن المتوقع أن تتوجه السفيرة الجديدة قريبا جدا إلى لبنان لتسلم مهامها خلفا للسفيرة إليزابيت ريتشارد.

تعمل شيه في السلك الخارجي منذ 28 عاما، وكانت تشغل قبل تسميتها من قبل الرئيس دونالد ترامب كسفيرة له في لبنان، منصب نائبة رئيس بعثة سفارة الولايات المتحدة في القاهرة.

وعملت سابقا نائبة المسؤول الرئيسي في القنصلية الأميركية العامة في القدس ومديرة مكتب المساعدة لآسيا والشرق الأدنى في مكتب السكان واللاجئين والهجرة في وزارة الخارجية، وزميل في برنامج بيرسون في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي.

كما شغلت شيه منصب مستشارة سياسية-اقتصادية في سفارة الولايات المتحدة في تونس، ومسؤولة سياسية في سفارة الولايات المتحدة في تل أبيب، ومديرة للديمقراطية وحقوق الإنسان في مجلس الأمن القومي، ومديرة خاصة للمبعوث الخاص لقضايا جرائم الحرب في وزارة الخارجية.

السفيرة الجديدة تتحدث اللغتين العربية والفرنسية إلى جانب الإنكليزية، وهي حائزة على شهادة إدارة الأعمال من جامعة فرجينيا وشهادتي ماجستير من جامعة جورج تاون وكلية الحرب الوطنية.

مهمة صعبة ستواجهها شيه في بيروت التي تعاني من أزمات سياسة ومالية واقتصادية ومعيشية خانقة بعد مظاهرات حاشدة نظمها اللبنانيون مطالبين بمحاربة الفساد ورحيل الطبقة الحاكمة المسؤولة عما آلت إليه الأمور في البلاد.

وكانت شيه التي زارت لبنان مرتين في السابق، قد وصفت في شهادتها أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي في 17 ديسمبر الماضي وقبل تثبيتها في منصبها كسفيرة إلى لبنان في 11 فبراير الحالي، الاحتجاجات في لبنان بأنها "لم يسبق لها مثيل في طبيعتها الوطنية الحقيقية مع مشاركة المواطنين اللبنانيين من جميع أنحاء البلاد ومن مختلف الطوائف والطبقات الاجتماعية والاقتصادية فيها".

وقالت "إن المتظاهرين طالبوا بإنهاء الفساد المستشري وسوء إدارة الاقتصاد الذي أصاب لبنان منذ عقود".

وأضافت أن "الولايات المتحدة تؤيد حق المواطنين اللبنانيين بالاحتجاج السلمي وطالبت بمواصلة حمايتهم".

وتوقفت شيه عند مطالب اللبنانيين، وأكدت أن رسالة المتظاهرين واضحة وصارخة وهي أن الشعب اللبناني اكتفى من قادته يزدهرون، بينما بقية البلاد تعاني من وطأة الديون الساحقة ومن غياب معظم الخدمات الأساسية بما في ذلك جمع القمامة وتأمين الكهرباء والمياه النظيفة.

وشددت شيه في شهادتها على أنه وفي حال تبنى القادة اللبنانيون التغيير، فإن الولايات المتحدة على استعداد للعمل مع الحكومة والشعب لإعادة بناء الاقتصاد المدمر في لبنان.

وأوضحت أن واشنطن ستعمل مع أي شخص ملتزم بالإصلاح ويضع مصالح الشعب اللبناني أولاً. وأشارت السفيرة الأميركية الجديدة إلى أن الصعوبات الاقتصادية في لبنان عميقة ولن يكون من السهل إجراء الإصلاحات اللازمة لزيادة الاستثمار العام وتخفيض الدين العام، وتنويع الاقتصاد.

وقالت إن "عدة قطاعات من الاقتصاد تحتاج إلى إعادة هيكلة بالكامل لأنها ترتب ديونا هائلة في حين فشلت في جمع الإيرادات الكافية وفي تقديم خدمات مرضية".

وأكدت شيه أن الحكومة اللبنانية الجديدة تحتاج أيضا إلى إقرار تدابير تعزز الشفافية بشكل ملحوظ وتستـأصل الفساد حتى تتمكن من استعادة ثقة المواطنين اللبنانيين والمجتمع الدولي.

وعند وصولها إلى لبنان من الطبيعي أن تعقد شيه لقاءات مع معظم القيادات السياسية اللبنانية والعسكرية وقادة المجتمع المدني للإطلاع منهم عن قرب على التطورات هناك والسير قدما بتطبيق الخطوط العريضة للسياسة الأميركية في البلاد التي كان قد حددها وزير الخارجية الأميركية مايكل بومبيو في بيان له في 22 يناير الماضي.

وقد أكد بومبيو حينذاك وعلى أثر تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة حسان دياب، أن "اختبار الحكومة اللبنانية الجديدة سيكون في أفعالها واستجابتها لمطالب الشعب اللبناني بتنفيذ الإصلاحات ومكافحة الفساد".

وأكد أن "حكومة قادرة وملتزمة بإجراء إصلاحات حقيقية وملموسة هي فقط التي ستعيد ثقة المستثمر وتطلق العنان للمساعدات الدولية للبنان".

وأكد أن "الاحتجاجات الموحدة وغير الطائفية والسلمية إلى حد كبير على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، تعكس تطلعات الشعب اللبناني إلى قادته السياسيين لترك المصالح الحزبية جانبا والعمل من أجل المصلحة الوطنية".

وحث بومبيو "الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية على ضمان سلامة المواطنين أثناء مشاركتهم في المظاهرات السلمية"، كما شدد على أن "لا مكان للعنف والإجراءات الاستفزازية في الحوار المدني".

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟