538057 4

عريب الرنتاوي/

لجملة أسباب، اتجهت أنظار المراقبين في المنطقة وبعض عواصم القرار الدولية، صوب إسرائيل لمتابعة انتخاباتها، منها: (1) أنها الانتخابات المبكرة الثالثة التي تجري في غضون أقل من عام، وسط حالة من عدم الاستقرار السياسي ـ الحزبي، غير المسبوقة في تاريخ إسرائيل... (2) إنها الأولى بعد الكشف عن الخطة الأميركية للسلام في المنطقة، والمعروفة إعلاميا باسم "صفقة القرن"... (3) لأنها انتخابات ستقرر المصير الشخصي والسياسي لرئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الملقب بـ"ملك إسرائيل"، صاحب الرقم القياسي لجهة الفترة الزمنية التي قضاها في موقعه.

الانتخابات الأخيرة، كسابقاتها، لم تحمل جديدا "نوعيا" لجهة الخريطة السياسية وتوازنات القوى الحزبية في إسرائيل، إذ حافظت الأحزاب والمعسكرات على حجمها وتمثيلها تقريبا، وبفوارق محدودة لصالح معسكر اليمين، تعود بالأساس لنجاحه في دفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتبني رواية اليمين الإسرائيلي حول الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي ورؤيته لسبل حله.

الأيديولوجيا وليس الأمن، كانت المحرك الرئيس للناخب الإسرائيل

بالأرقام، حصد معسكر نتانياهو على 58 معقدا في الكنيست الإسرائيلي (120 مقعدا)، من بينها 36 مقعدا لتكتل الليكود وحده، بيد أن "كتلة اليمين الأوسع" في الكنيست، وصلت إلى 68 مقعدا، من بينها سبعة مقاعد لحزب إسرائيل بيتنا اليميني بزعامة أفيغدور ليبرمان، والذي تنحصر خلافاته مع "شخص" نتانياهو، فضلا عن انتهاجه مواقف أكثر تشددا ضد أحزاب اليمين الديني، وما تتحصل عليه من امتيازات واستثناءات، لكونها أحزابا دينية فقط... 

وثمة ثلاثة مقاعد في صفوف المعسكر الآخر محسوبة على اليمين المتشدد، منها اثنان في حزب "كحلون ـ لافان" للنائبين تسيبي هاوتزر وبوعاز هندل، والنائبة أورلي ليفي، المتحدرة من عائلة ليكودية، والعضو السابق في حزب إسرائيل بيتنا... لقد تمرد هؤلاء النواب الثلاثة على أحزابهم، وقرروا حجب الثقة عن أي حكومة يشكلها بيني غانتس إن هي استندت لدعم القائمة العربية المشتركة، حتى وإن كان دعما من الخارج.

سيناريوهات المستقبل الحكومي

ليس ثمة من سيناريو واحد، أكيد أو مرجح، يمكن التنبؤ به لشكل الحكومة المقبلة وتشكيلة الائتلاف الحاكم في إسرائيل، فكل سيناريو منها، موسعة كانت أم ضيقة، بقيادة غانتس أم نتانياهو، يواجه بجملة من التحديات والعقبات التي قد تحول دون تحققه، وبما يُبقي الباب مفتوحا أمام انتخابات مبكرة رابعة في الصيف القادم.

حكومة الوحدة الوطنية، التي يفضها رئيس الدولة رؤوفين ريفلين، تواجه بـ"فيتو" من أزرق ـ أبيض، وتتهدد وحدته الداخلية وهو المُشكل من عدة أحزاب وجنرالات، تجمعهم "كراهية" نتانياهو... وإذ جدد أفيغدور ليبرمان، بعد الانتخابات، ما كان تعهد به قبلها، بأنه لن يقبل الانضواء تحت لواء نتانياهو كرئيس للحكومة، فإن فرص "ملك إسرائيل" في انتزاع ولاية جديدة، تبدو ضعيفة للغاية، حتى لا نقول معدومة، لا سيما وأن الرجل على موعد وشيك مع بدء محاكمته "17 مارس الجاري" بتهم الرشى والاحتيال.

أما بيني غانتس، فهيهات أن ينجح في إقناع نتانياهو بتسليمه الراية، حتى وإن حظي بـ"تزكية" أكثر الأصوات له في المشاورات التي يجريها رئيس الدولة مع الأحزاب والكتل لاختيار رئيس الحكومة المكلف... ثم أن غانتس قد يحظى في أحسن الأحوال، بتأييد 14 نائبا آخر من خارج حزبه (العمل ـ جيشر ـ ميريتس، وإسرائيل بيتنا)، ما يجعله مرغما على طلب دعم القائمة العربية المشتركة لترشيحه وتزكيته أولا، ولتفادي حجب الثقة عن حكومته ثانيا.

لكن خيارا كهذا، يواجه بمعضلتين اثنتين، يتعين على غانتس تذليهما قبل أن يشرع الرئيس ريفلين في استشاراته، الأولى؛ وتتمثل في إقناع جميع النواب العرب الخمسة عشر، بتزكيته، وهو أمر غير محسوم حتى الآن، إذ رفض ثلاثة منهم "نواب التجمع" تزكيته بعد انتخابات سبتمبر الماضي، وليس من المؤكد أنهم سيغيرون آرائهم بعد انتخابات مارس الأخيرة... والثانية؛ وتتمثل برفض صريح وعلني من قبل زعيمة جيشر واثنان من نواب أزرق ـ أبيض كما أسلفنا، لأي ائتلاف أو حكومة معتمدة على الصوت العربي... في كلتا الحالتين، سيهبط عدد المؤيدين لحكومة بزعامة غانتس إلى ما دون سقف الأغلبية البسيطة: "61 مقعدا".

إن استمر الفشل والدوران في الحلقة المفرغة ذاتها، فليس مستبعدا على الإطلاق الذهاب إلى خيار لا يفضله أحد، وسئم منه الرأي العام في إسرائيل: انتخابات مبكرة رابعة في الصيف المقبل، وهو خيار يخشاه الوسط والعرب واليسار أكثر مما يخشاه معسكر اليمين، الذي ما زال يراهن على أنه قد يكسر حاجز الـ"61 مقعدا" في الانتخابات القادمة، بعد أن اقترب منها في الانتخابات الأخيرة.

بعيدا عن لغة الأرقام، وسيناريوهات تشكيل الائتلاف والحكومة، فإن الانتخابات الإسرائيلية المبكرة الثلاث، تكشفت عن جملة ظواهر يتعين الوقوف أمامها:

الأولى؛ وتتجلى في عمق الانقسام السياسي والمجتمعي (الهوياتي) في إسرائيل، الذي بات يجعل من الصعب حسم المعارك الانتخابات من أول جولاتها، وهو انقسام بات أكثر انكشافا لتدخلات "الخارج اليهودي" الذي أخذ يلعب دورا متزايدا في الداخل الإسرائيلي"، من خلال الأدوار المتزايدة لكبار المتمولين اليهود في الولايات المتحدة وغيرها.

الثانية؛ أن الانتخابات تمحورت هذه المرة حول قضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، في مناخات "صفقة القرن" وعلى وقع حالة التحشيد لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وتكريس القدس، عاصمة موحدة لإسرائيل، مدفوعة بمناخات "صفقة القرن" وتداعياتها، ولم تتركز على الأمن والاقتصاد وظروف الناخبين المعاشية.

والثالثة؛ أن الأيديولوجيا وليس الأمن، كانت المحرك الرئيس للناخب الإسرائيل والمقررة في صوغ خياراته وتوجهاته، فحزب أزرق ـ أبيض الذي ضم رهطا من جنرالات إسرائيل الذين اعتاد الرأي العام الإسرائيلي منحهم ثقته وأصواته، لم يستطع أن يكسر حاجز الثلاثة وثلاثين مقعدا، أما ناخبو الليكود واليمين، فقد كانوا مدفوعين بأيديولوجيا التوسع والضم والتهويد والأسرلة وحلم "إسرائيل الكبرى"، وبما يعكس تبدلا جوهريا في أولويات الناخب الإسرائيلي بعد أن بات أكثر اطمئنانا لأمنه الشخصي والعام، وأكثر استعدادا للمجازفة بإعلان "الانتصار التاريخي" على الشعب الفلسطيني، بعد مئة عام من الصراع.

القائمة العربية واليسار الإسرائيلي

أما الظاهرة الرابعة، الجديرة بالانتباه، فتتمثل في اتجاهات ومعدلات التصويت في الوسط العربي، ومصائر اليسار الإسرائيلي ممثلا على نحو خاص بحزب العمل وحركة ميريتس... فالعرب أقبلوا بكثافة على صناديق الاقتراع (65 بالمئة)، وهي النسبة الأعلى منذ العام 1999، بزيادة 5 بالمئة عن انتخابات سبتمبر، و15 بالمئة عن انتخابات أبريل 2019، مدفوعين بالحملة الاستفزازية العنصرية التي شنها نتانياهو والليكود ضدهم، وبالأداء المتميز لقادة القائمة المشتركة في الحملات الانتخابية، ولصمود القائمة في وجه حملات المقاطعة وعوامل الفرقة والانقسام الداخلية.

ثمة قناعة بأن كثير من الناخبين العرب، قد قرروا على ما يبدو، مغادرة مقاعد المتفرجين، والذهاب إلى صناديق الاقتراع، وعدم الاصغاء للأصوات الداعية للمقاطعة لأسباب أيديولوجية، دينية كانت أم يسارية. ولو أن نسبة مشاركة العرب جاءت مماثلة لنسبة مشاركة الناخبين اليهود (أكثر من 71 بالمائة) لربما حصلت القائمة المشتركة على 16 أو 17 مقعدا.

ظاهرة تصويت العرب لأحزاب يهودية انقلبت، أو بدأت في الانقلاب إلى نقيضها

وكان لافتا، أن القائمة العربية نجحت في استقطاب الغالبية العظمى من أصوات الناخبين العرب، وأن تحول دون حصول أحزاب صهيونية على الأصوات العربية التي اعتادت الحصول في انتخابات سابقة... لكن اللافت للانتباه كذلك، ووفقا لمصادر إسرائيلية، أن القائمة العربية حصلت على كثيرٍ من الأصوات اليهودية (نسبيا على الأقل)، وبما يعادل مقعدا أو مقعدين من أصل 15 معقدا حصلت عليها، وغالبا من مؤيدي "العمل" وميريتس بالعادة.

يصعب تقدير حجم الأصوات اليهودية التي حصلت عليها القائمة العربية، خصوصا في المدن المختلطة، لكن الأرقام تشير إلى أن 87 في المئة من الأصوات جاءتها من بلدات عربية صرفة، 10 في المئة من المدن المختلطة، ونحو 3 في المئة من بلدات يهودية صرفة، يضاف إلى ذلك، أن القائمة العربية حصلت على ما يقرب من 16 ألف صوت من صناديق الجيش الإسرائيلي، وبفرض أن إجمالي أعداد المجندين العرب في الجيش لا يزيد عن ستة آلاف، وبفرض أنهم جميعا صوتوا للقائمة المشتركة، فمعنى ذلك أنها حصلت على عشرة آلاف صوت لجنود يهود على أقل تقدير.

إن صحت هذه المعلومات والتقديرات، وليس هناك من يشكك في صحتها، فإن ظاهرة تصويت العرب لأحزاب يهودية تكون قد انقلبت، أو بدأت في الانقلاب إلى نقيضها: يهود يصوتون لأحزاب عربية، في دلالة على "احتضار" اليسار الإسرائيلي، ومع أنها ظاهرة هامة على "جنينيتها"، إلا أنها لا تقلل من حقيقة أن أعداد العرب الذين يصوتون لأحزاب صهيونية ما زالت أكبر من أعداد اليهود الذي يصوتون لأحزاب عربية، بدلالة أن هناك اثنين من النواب العرب، وصلوا للكنيست الـ"23" على متن قوائم يهودية.

اقرأ للكاتب أيضا: الأمن القومي العربي المُستباح

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
قراءة في دلالات الانتخابات الإسرائيلية وظاهراتها الجديدة 69C108A1-2C53-4EA3-AC89-619E8F47189D.jpg AFP قراءة-في-دلالات-الانتخابات-الإسرائيلية-وظاهراتها-الجديدة ثمة قناعة بأن كثير من الناخبين العرب، قد قرروا على ما يبدو، مغادرة مقاعد المتفرجين، والذهاب إلى صناديق الاقتراع، وعدم الاصغاء للأصوات الداعية للمقاطعة لأسباب أيديولوجية، دينية كانت أم يسارية 2020-03-15 02:42:39 1 2020-03-13 16:37:10 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟