538448 4

إيلان بيرمان/

لماذا تضررت إيران بشكل خاص من فيروس كورونا؟

ففي حين أنها بعيدة عن بؤرة تفشي المرض الأساسية في مقاطعة ووهان الصينية، وعلى الرغم من أنها تفتقر إلى الحدود المفتوحة التي ساعدت على الانتقال في جميع أنحاء أوروبا، إلا أن إيران برزت مع ذلك كواحدة من أكثر الدول تأثرا بالوباء الجديد. اعتبارا من 12 مارس، صنفت جامعة جونز هوبكنز ـ التي تدير أحد أشمل موارد فيروس كورونا المتاحة عبر الإنترنت ـ إيران في المرتبة الثالثة في العالم من حيث عدد الإصابات التي تم الإبلاغ عنها. تشير التقديرات الآن إلى أن هناك أكثر من 10 آلاف حالة تم الإبلاغ عنها داخل الجمهورية الإسلامية، ولكن المراقبين يشتبهون في أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك، مع الأخذ في الاعتبار انتشار الحالات البارزة هناك وعدد كبار القادة الإيرانيين الذين أصيبوا بالمرض.

الأسباب الداخلية لانتشار المرض عديدة، وتشمل الاستجابة الحكومية البطيئة وغير المنظمة وازدراء عميق للطب الحديث بين النخب الدينية في البلاد. لكن أحد أهم أسباب الأزمة الحالية نابع من اختيار النظام للحلفاء الاستراتيجيين.

وفرت العلاقات العسكرية الإيرانية الواسعة مع الصين مسارا آخر محتملا للفيروس

على مدار العام ونصف العام الماضيين، بدأت الضغوط المكثفة من الولايات المتحدة تجهد الاقتصاد الإيراني بشدة، مما حد من خيارات طهران للشركاء الدوليين، وأجبر الجمهورية الإسلامية على الاعتماد أكثر فأكثر على رعاتها الجيوسياسيين القديمين، والصين على رأسهم.

بكين من جانبها، تغتنم اللحظة. في سبتمبر الماضي، أسفرت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى جمهورية الصين الشعبية عن ترقية للشراكة الاستراتيجية لعام 2016 بين البلدين، وتعهد صيني بالاستثمار بحوالي 400 مليار دولار من الاستثمارات الجديدة لتطوير قطاعات الطاقة والتصنيع والنقل في إيران. وعلى الرغم من أن الضغوط الأميركية دفعت بكين إلى تقليص بعض تجارتها مع طهران ـ انخفضت بمقدار الثلث في العام الماضي، إلى ما يقل قليلا عن 10 مليارات دولار سنويا ـ أوضح المسؤولون الصينيون أنهم لا يزالون ملتزمين بشراكة صينية إيرانية طويلة الأمد.

لكن العواقب العملية لهذا التدخل كانت تعريض إيران ـ والإيرانيين ـ لمخاطر كبيرة. تقوم شركة القطارات الصينية (China Railway Engineering Corp) ببناء خط سكة حديد عالي السرعة بقيمة 2.7 مليار دولار عبر مدينة قم. ويساعد الفنيون الصينيون في تجديد محطة للطاقة النووية في مكان قريب. وأشارت صحيفة وول ستريت جورنال إلى أن هناك أيضا طلاب دين صينيون يدرسون في معاهد قم. هذه الصلات كان لها آثار ملموسة. وقال مسؤولو الصحة الإيرانيون إن مصدر التفشي ربما يكون عمالا صينيين في قم أو رجل أعمال إيراني من قم سافر إلى الصين.

تقع المسؤولية عن اتساع الأزمة الصحية بشكل مباشر على أكتاف آيات الله في البلاد

وفرت العلاقات العسكرية الإيرانية الواسعة مع الصين مسارا آخر محتملا للفيروس. وذلك لأن الحظر العام على السفر الجوي إلى الصين الذي أصدرته السلطات الإيرانية في الأول من فبراير تضمن استثناء ملحوظا: ماهان إير، شركة الطيران المخصصة للحرس الثوري الإيراني، والتي سمح لها بمواصلة السفر إلى الصين لمدة أسبوعين تقريبا. بين 1 و9 فبراير، ورد أن ماهان نقلت ما مجموعه ثماني رحلات ركاب إضافية بين البلدين، وفي الشهر التالي (مارس) نقلت عشرات الشحنات بين إيران والصين. كل هذه نقاط الاتصال المحتملة يمكن أن تكون بمثابة ناقلات للفيروس لدخول الجمهورية الإسلامية.

تقع المسؤولية عن اتساع الأزمة الصحية التي تحدث داخل إيران بشكل مباشر على أكتاف آيات الله في البلاد، الذين أساؤوا بشكل مروع إدارة الرد الرسمي على فيروس كورونا حتى الآن. لكن اتصال إيران الأولي بالمرض، كما اتضح، كان على الأرجح نتاجا لشراكتها مع الصين. ومن السخرية إذن أن آيات الله في إيران كانوا يميلون إلى اعتبار هذه العلاقة مصدر قوة في سياستهم "المقاومة البطولية" للغرب. لأنه، كما يكتشفون الآن، هو رابط تبين أنه خطر على صحتهم.

اقرأ للكاتب أيضا: مخاطر الشراكة الصينية ـ السعودية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

داء إيران... يأتي من الشرق 09D08DC8-601E-4A8F-950E-409353CD7B02.jpg AFP داء-إيران-يأتي-من-الشرق الأسباب الداخلية لانتشار المرض عديدة، وتشمل الاستجابة الحكومية البطيئة وغير المنظمة وازدراء عميق للطب الحديث بين النخب الدينية في البلاد 2020-03-16 13:12:23 1 2020-03-16 13:22:23 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟