People line up for phase-2 testing for COVID-19 at a facility launched by the Hayward Fire department on Monday, March 23, 2020…
أميركيون في كاليفورنيا أمام محطة إطفاء تقدم فيها اختبارات كشف كورونا

أثار انتشار وباء كوفيد-19، "عدو البشرية"، بحسب تعبير منظمة الصحة العالمية، تعبئة عامة في العالم وخطابا هجوميا تجاه فيروس "نحن في حرب" معه، على حد قول الرئيسبن، الأميركي دونالد ترامب والفرنسي إيمانويل ماكرون.

ينتشر الفيروس أساسا عن طريق التنفس، إنما كذلك عبر التواصل الجسدي، ما يعني أن خط الجبهة غالبا ما يكون في أغراض حياتنا اليومية.

في ما يلي جولة على "الأعداء الداخليين"، من زر المصعد إلى المرحاض، إضافة إلى الأغراض التي قد تكون موضع شبهات هي في الواقع بريئة منها.

 

الأعداء الألدّة

تقول الباحثة في مختبر لويد سميث التابع لجامعة كاليفورنيا، أماندين غامبل، إن "أي غرض أو سطح تمت ملامسته أو تلويثه بالسعال أو قطرات اللعاب أو الفضلات البشرية، يمكن أن يكون معديا".

وأظهرت دراسة نشرت الأسبوع الماضي في مجلة "نيجم" الأميركية، التي ساهمت غامبل في إعدادها، أنه يمكن رصد فيروس كورونا المستجد على أسطح البلاستيك والفولاذ المقاوم للصدأ لفترة يومين أو ثلاثة أيام، وعلى الورق المقوى، (الكرتون)، حتى 24 ساعة.

غير أن هذه البيانات تم الحصول عليها في ظروف اختبارية، ومن غير المؤكد أن تكون كمية الفيروسات المتبقية كافية لنقل العدوى.

وأوصت الباحثة بالذر في المقام الأول "من الأغراض والسطوح التي يمكن أن يلامسها عدد كبير من الأشخاص، مثل طاولات المقاهي والقضبان المعدنية في وسائل النقل المشترك، ومقابض الأبواب، وأزرار المصاعد، والمفاتيح الكهربائية في المساحات المشتركة".

وتابعت "بما أنه ليس ممكنا أن نتفادى بشكل تام ملامسة هذه الأغراض والأسطح (بالنسبة للذين يقطنون في مبان مثلا، أو عند الخروج للتبضع)، فمن المهم أن نغسل أيدينا ونتفادى ملامسة وجوهنا لتجنب العدوى، وأن نغطي أفواهنا بباطن أكواعنا عندما نسعل، أو بمنديل عندما نعطس، حتى لا ننقل العدوى إلى الآخرين".

وأوضح عالم الأوبئة في جامعة كاليفورنيا، براندون براون، أن العدو الأول هو "الأغراض التي نستخدمها في الخارج ونعيدها إلى الداخل".

وقال "في المتاجر، قد نخرج محفظتنا بعدما نكون لامسنا أسطحا أو أغراضا أخرى (ملوثة)، لنخرج نقودا أو بطاقة أو وثيقة هوية، وكل هذا قد يتعرض" للتلوث.

الأعداء الخفيون

ليس من المستبعد أن ينتقل فيروس كورونا المستجد كذلك عن طريق الفضلات البشرية، وهذا ما ورد في دراسة أجراها باحثون صينيون ونشرتها صحيفة "نايتشر" في 13 مارس.

فقد رصد الباحثون آثارا للفيروس في عينة مستخرجة من عملية مسح شرجيّ لأطفال.

وقالت غامبل "إذا ثبت تلوّث الفضلات، فعندها سيترتب أخذ الحيطة من المراحيض أيضا، ما قد يبدو غير منطقي بالنسبة لمرض تنفّسي، غير أنه سبق أن لوحظ في الماضي" مع فيروس كورونا الذي تسبب بوباء سارس في 2002-2003.

غير أنه لم يعرف بعد إن كان الفيروس الذي رصدته الدراسة لا يزال في حالة تمكنه من نقل العدوى، وهو ما لا يمكن التثبت منه إلا من خلال زرعه.

الهاتف الجوال أيضا، الذي يلازمنا باستمرار، قد يكون طابورا خامسا. وفي هذا الصدد قال براون "إننا نستخدم هواتفنا الجوالة طوال النهار، سواء كنا في المنزل أو في العمل (...) أو نتسوق في المتاجر. وهذا ما يجعله معرضا للغاية" للفيروس.

لكن أستاذ علم الأحياء الحسابي في جامعة كوليدج لندن، فرنسوا بالو، أبدى رأيا مخالفا، إذ قال إن تعقيم الهواتف الجوالة "لن يكون مضرا، لكنني لا أرى كيف يمكن لتعقيمها أن يحمينا أو يحد من انتشار كوفيد-19، ما لم نكن نشاطر هواتفنا الجوالة مع آخرين".

الأعداء غير المضرين

يمكن الاشتباه بأن لوحة مفاتيح الكمبيوتر ملوثة بالفيروسات إذ يتم استخدامها يدويا، ولا سيما أنها مصنوعة من البلاستيك ولديها الكثير من الزوايا.

لكن بعض الباحثين يعتبرون أنها لا تلعب إلا دورا ضئيلا، أو لا تلعب أي دور على الإطلاق في نقل الفيروس، إذا ما افترضنا أن مستخدمها، وهو في غالب الأحيان المستخدم الوحيد لها، يغسل يديه عند وصوله إلى منزله أو إلى مكتبه.

ولفت براندون براون أيضا إلى أن مياه الصنبور والأطباق الساخنة آمنة للاستهلاك، خلافا للاعتقاد السائد.

وقال "إن مياه الصنبور تخضع للمعالجة والتنظيف بشكل مركزي، وهي لا تشكل خطرا في ما يتعلق بكوفيد-19".

أما بالنسبة للأطعمة، فأوضح "إن كانت المأكولات غير المطهية التي تشترونها ملوثة بالفيروس، فسوف يموت الفيروس بعد الطهي".

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟