متظاهرة تقف أمام عناصر من الجيش اللبناني - ٣ مايو ٢٠٢٠
متظاهرة تقف أمام عناصر من الجيش اللبناني - ٣ مايو ٢٠٢٠

عمليات التعذيب والاعتقال والاختفاء القسري التي مارسها عناصر في مخابرات الجيش اللبناني بحق مواطنين في الأيام الأخيرة، تطرح أسئلة عما يدور داخل هذه المؤسسة العسكرية التي يتهمها البعض بخضوع بعض مكاتبها لميليشيات حزب الله.

ومنذ أن بدأت احتجاجات لبنان على خلفية الفساد والانهيار المالي، عمد عناصر حزب الله ومؤيدوه إلى الاعتداء على المعتصمين في الشوارع، وفض التظاهرات التي تنادي بمحاسبة الفاسدين ورحيل الطبقة السياسية، التي يشكل الحزب أهم مكوناتها.

وأصدرت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين في لبنان، الأحد، تقريرا يسجل انتهاكات ارتكبها عناصر من مخابرات الجيش في مدن طرابلس وصيدا وصربا، ضد 33 متظاهرا على الأقل، تضمنت جرائم الاختفاء القسري والتعذيب. 

*بيان لجنة الدفاع عن المتظاهرين حول اخفاء وتعذيب الموقوفين:* في 3/5/2020، لا تزال لجنة الدفاع عن المتظاهرين تتابع توقيف...

Posted by ‎لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين في لبنان‎ on Sunday, May 3, 2020

وتشهد شوارع لبنان خاصة في مدينتي طرابلس شمالا وصيدا جنوبا، مواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن، احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، وتراجع القدرة الشرائية نتيجة الشلل الاقتصادي الذي أصاب البلاد إثر أزمة فيروس كورونا.

ويعتبر سلوك الأجهزة الأمنية اللبنانية الحالي، مغايرا لما كان عليه الحال خلال الشهور الأولى للتظاهرات التي اندلعت في 17 أكتوبر من العام الماضي، ما جعل نشطاء يتهمون حزب الله باختراق مؤسسات لبنان الأمنية، خاصة جهاز المخابرات التابع للجيش.

ويرى الناشط والباحث، لقمان سليم، أن هناك فروعا للمخابرات "يسيطر عليها حزب الله بالفعل، إلا أن هذا لا يعني هيمنة حزب الله على الجهاز أو فروعه بشكل كامل".

وفي حديث  لـ"موقع الحرة" يقول سليم: "موضوعيا، تعتبر مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، مثلها مثل أي مديرية: ميدان تنازع ومحاصصة. فمن المستحسن تمييز مكاتب المخابرات الواقعة تحت هيمنة حزب الله والتيار الوطني الحر (بعبدا وصيدا مثلا) عن المكاتب التي تقوم بعملها بشكل أكثر انضباطا، أو التي تتبع أوامر القيادة الحالية (للجيش) ــ نموذج مكتب الشوف الذي لم يتدخل كما أريد له خلال حادثة قبر شمون (حادث إطلاق نار على موكبي وزيرين في منطقة درزية)".

وبدأت قصة اختراق حزب الله لأجهزة الأمن اللبنانية -بما في ذلك المخابرات- بمحاولات في منتصف التسعينيات، فيما كان الانخراط الفعلي في عام 2000، عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من المنطقة التي كانت تحت سيطرته جنوبي لبنان.

وقد زادت قناعة الحزب بضرورة الانخراط في المؤسسات الأمنية عام 2005، أي بعد خروج الجيش السوري من لبنان، وفقا لما أفاد به مصدر مطلع على الملف لـ"موقع الحرة".

وبالفعل، صار الحزب جزءا من المؤسسات الأمنية باستثناء جهاز الأمن الداخلي، الذي اغتيل مدير فرع المعلومات به، وسام الحسن، بعملية في بيروت عام 2012، نظرا لدوره في كشف اتصالات بين ساسة لبنانيين مع النظام السوري (أحد أقرب حلفاء حزب الله)، وتلقي هؤلاء الأموال والأسلحة.

<br> العميد وسام الحسن

ولم يسلم جهاز المخابرات اللبناني من الاختراق، حيث سلمت قيادات الجهاز لحقيقة وجود عناصر داخل صفوفه ولائها لحزب الله خاصة خلال فترة الرئيس إيميل لحود الذي تولى قيادة الجيش بين عامي 1989 و1998، قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية.

وقال المصدر لـ" موقع الحرة" إن حزب الله يستغل ضباطا في الجيش تحت ذريعة شعار المقاومة، أو ما يسمى شعار "الثالوث السحري" الذي ظهر بعد عام 2013، وهو "جيش، شعب، مقاومة". 

وأوضح المصدر أن العناصر الموالية لحزب الله في الجهاز الأمني، تمكن الحزب من الوصول للأشخاص الذين يصعب على الحزب الوصول إليهم، أو يصعب عليه ترويضهم. كما يوجد تعاون لصيق واتصال مباشر بين الحزب وبين مديرية الأمن العام التي تتحكم في الموانئ والمرافق البحرية والجوية.

من جانبه، يرى النائب البرلماني السابق، مصطفى علوش، أن طبيعة لبنان الطائفية تلعب دورا هاما في ولاء بعض عناصر الجيش لحزب الله، من باب "وضع الخدمات من أجل مصلحة الطائفة".

وقال علوش لـ"موقع  الحرة، "الأمر لم يقتصر فقط على ولاء بعض الضباط لحزب الله، فهناك عناصر في المحاكم العسكرية ولائها للحزب"، مضيفا في نفس الوقت أن هذا لا يعني وقوع المؤسسة الأمنية تحت هيمنة حزب الله بشكل كامل.

وأوضح علوش أن هدف حزب الله من قمع الأصوات المعارضة حاليا، هو دعم الحكومة اللبنانية بقيادة حسان دياب (المدعوم من حزب الله) وعدم تغيير النظام الحالي الذي يستفيد منه الحزب.

أوضاع الموقوفين

وبعد تدخل من نقابة المحامين، سمحت السلطات اللبنانية لمحامية بزيارة عدد من الموقوفين لدى مخابرات الجيش اللبناني، حيث أفادت بأن عددا منهم يتعرضون للعنف المفرط خلال إلقاء القبض عليهم وداخل آليات النقل وأماكن الاحتجاز، بهدف انتزاع المعلومات ومعاقبتهم.

وكشفت أنه لم يسمح لغالبية الموقوفين بإجراء أي اتصال أو ممارسة أي من حقوقهم منذ توقيفهم في 30 مارس، إلا بعد تدخل لجنة الدفاع.

وأكد بعض الموقوفين "تعرضهم للتعذيب والضرب لدى فرع المخابرات بشتى الوسائل، لا سيما من خلال الصعق بالكهرباء، واضطر عدد من المفرج عنهم دخول المستشفى لتلقي العلاج فور الافراج عنهم"، بحسب بيان اللجنة.

ورغم مطالبات المحامين المتكررة بإجراء معاينة طبيب شرعي لخمسة موقوفين لدى وزارة الدفاع، قررت النيابة العامة العسكرية إرجاء هذا الأمر لغاية يوم الاثنين، ما يخالف موجب التثبت والتحقيق في جرائم التعذيب ويؤدي لإخفاء آثار العنف الظاهرة على أجسادهم بحسب اللجنة.

وأشارت اللجنة إلى أن أغلبية الموقوفين تم إخفاؤهم قسرا دون أن تعرف جهة ومكان احتجازهم لعدة أيام.  

وطلبت اللجنة وقف أعمال التعذيب والمعاملة المهينة لجميع الموقوفين، ووقف أعمال الإخفاء القسري وإجراء معاينة الطبيب الشرعي فورا وبأسرع وقت ممكن للموقوفين الذين تعرضوا للتعذيب وحصر صلاحية مخابرات الجيش وفقا للقانون.

سلاح حزب الله

في مقابلة أجراها غسان شربل ونشرها في كتابه "لعنة القصر،" يقول رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، الذي اغتيل في العام ٢٠٠٥ في تفجير ضخم، إن إنهاء الميليشيات بعد اتفاق الطائف شهد محاولتين:

الأولى اعتمدها ميشال عون (قائد الجيش حينذاك)، عبر محاولة إنهاء القوات اللبنانية بالقوة، "استخدم المدفع فماذا كانت النتيجة؟"، يسأل الحريري، ثم يجيب: "دُمرت المنطقة الشرقية ودُمّر الجيش وبقيت الميليشيات". 

والطريقة الثانية التي يتحدث عنها الحريري كانت تلك التي اعتمدها رئيس الجمهورية في تلك الفترة، الياس الهراوي، الذي قال للميليشيات (بحسب الحريري): "الدولة تتسع للجميع. سلموا أسلحتكم للدولة وشاركوا". يتابع الحريري: "أسألك أين هي الميليشيات اليوم؟ ذابت الميليشيات".

ما يحكي عنه الحريري حدث في العام 1990 بعد شهور على توقيع اتفاق الطائف في أكتوبر ١٩٨٩، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. 

نص الاتفاق آنذاك بوضوح على أن الحكومة الأولى بعد الطائف تضع خطة هدفها "بسط سلطة الدول اللبنانية تدریجیاً علـى كامل الأراضي اللبنانیة بواسطة قواتها الذاتیة". ل

يس ذلك فقط، بل وضع الاتفاق جدولاً زمنياً لهذا الانتقال من عهد الميليشيات إلى عهد الدولة: 

"الإعلان عن حل جمیع المیلیشیات اللبنانية وغیـر اللبنانية وتسليم أسـلحتها إلـى الدولـة اللبنانية خـلال سـتة أشـهر تبـدأ بعـد التصديق علـى وثیقـة الوفـاق الـوطني وانتخـاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومـة الوفـاق الـوطني وإقـرار الإصـلاحات السياسية بصورة دستورية".

"ذابت الميليشيات" في الدولة، بحسب المصطلح الذي استخدمه الحريري، وهذا الذوبان تمّ، على ما يشرح غسان شربل، عبر "رشوة الميليشيات بحصة من الدولة". دخل كثير من عناصر هذه الميليشيات إلى القوى العسكرية والأمنية الرسمية، وتسلّم الجيش اللبناني منها السلاح الثقيل والمتوسط، فيما بقي كثير من السلاح الخفيف (رشاشات ومسدسات) في بيوت عديد من اللبنانيين حتى يومنا هذا.

ما كان لافتاً لدى تطبيق هذا الاتفاق، أن "حزب الله" وحده لم "يذب" في الدولة، وجرى الإبقاء على سلاحه، بحجة "مقاومة إسرائيل"، بتواطؤ من أطراف محلية واقليمية، وبغض نظر من الأطراف الدوليين. 

بقي "حزب الله" الميليشيا المسلحة الوحيدة بعد الطائف. وراح يكبر في منظومته العسكرية حتى بات جيشاً رديفاً، يغرّد وحيداً بأجندة إيرانية- سورية، في مخالفة واضحة لنص اتفاق الطائف، وفي تحايل على أحد بنوده الذي ينص على "اتخـاذ كافـة الإجراءات اللازمة لتحرير جمیع الأراضـي اللبنانية مـن الاحتلال الإسرائيلي وبسط سـیادة الدولـة علـى جمیع أراضيها ونشر الجیش اللبناني في منطقة الحـدود اللبنانیة المعتـرف بهـا دولیاً والعمـل علـى تـدعیم وجـود قـوات الطوارئ الدولية فـي الجنـوب اللبنـاني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحـة الفرصـة لعـودة الأمـن والاسـتقرار إلـى منطقـة الحدود". 

هذه الفقرة تبدو مطابقة إلى حد كبير لنص القرار 1701، موضع التنفيذ حاليا في جنوب لبنان.

اليوم، بعد حرب طاحنة مع إسرائيل أفقدته قوته العسكرية، يعود الحديث عن تسليم سلاح "حزب الله" للدولة على غرار ما حدث مع باقي الميليشيات في العام ١٩٩٠، وقد تحدث رئيس الجمهورية، جوزاف عون، في مقابلة تلفزيونية عن حوار ثنائي مع الحزب لتسليم سلاحه. وفي تصريح آخر- أثار بلبلة ديبلوماسية مع العراق- أكد عون أنه من غير الوارد تكرار تجربة الحشد الشعبي في لبنان.

الخبير الأمني والعسكري الجنرال المتقاعد خليل الحلو، يرى في مقابلة مع موقع "الحرة" أن تجربة الحشد الشعبي في العراق غير مقبولة في لبنان، "ويجب أن تمر عبر مجلس الوزراء ولا أعتقد أن أي مجلس وزراء يستطيع تمرير هكذا قرار كما تحتاج إلى قانون من مجلس النواب، من أجل التمويل، وهذا غير وارد".

يشرح الحلو أن "ميليشيات الحشد الشعبي تستحصل على رواتبها من الحكومة العراقية، وهي تأتمر نظرياً من الحكومة، لكن عملياً هناك فصائل عدة تأتمر بشكل مباشر أو غير مباشر من إيران ولديها أيديولوجيتها الخاصة. وهذه التجربة دلت على أن الحكومة العراقية لا تسيطر على الحشد الشعبي".

وهذا، برأي الحلو، هو بيت القصيد في مسألة استيعاب عناصر "حزب الله" داخل الجيش اللبناني. 

بالنسبة إلى الحلو فإن المسألة سياسية وعسكرية: "لا يمكن أن يكون هناك أمرة عسكرية على حشد شعبي-نسخة لبنانية، وهذا الحشد الشعبي يفعل كما يحلو له ويجر لبنان إلى حروب لا يريدها".

معضلة أخرى تبرز في الحالة اللبنانية ترتبط بحساسية التوازن الطائفي القائم على قاعدة يطلق عليها اللبنانيون تسمية "ستة وستة مكرر". وهي تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، ومرتبطة بمراسلات بين رئيس الجمهورية آنذاك والمفوض السامي الفرنسي تتعلق بالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين اللبنانيين.

كانت هناك مراسلة رقمها ٦، أرسلها الرئيس إلى المفوض أكد فيها على التزام المساواة في التعيينات والوظائف الرسمية، وبعد رد المفوض أرسل الرئيس رسالة ثانية حملت عنوان "٦ مكرر"، جدد فيها الرئيس التزامه السابق، وتحول الأمر مع الوقت إلى عرف لبناني، نص عليه اتفاق الطائف عبر المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين.

مراعاة "الستة وستة مكرر" ستكون صعباً في حالة ضم آلاف العناصر من "حزب الله" إلى الجيش اللبناني. الحلو يذكر أنه "عندما جرى استيعاب الميلشيات في العام ١٩٩٠ داخل الجيش اللبناني، كان الأمر مقبولاً لأن العدد لم يكن كبيراً، وأكثرية الميليشياويين في ذلك الوقت اختاروا الذهاب إلى الحياة المدنية وليس إلى الجيش".

إذا حصل الأمر كما يتم تداوله، أي ضم مقاتلي "حزب الله" إلى الجيش دفعة واحدة، فإنه بلا شك سيكسر التوازن الطائفي داخل المؤسسة العسكرية، كما يؤكد الحلو، "وقيادة الجيش حريصة على الحفاظ ليس فقط على التوازن الطائفي (إسلامي – مسيحي) بل أيضاً التوازن المذهبي (سني-شيعي مثلاً)". 

ولهذا يرى حلو أن "هناك استحالة في ضم عناصر حزب الله بالآلاف إلى الجيش، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالأعداد، بل العقيدة القتالية وبالموازنة والتسليح وهي مسألة متكاملة".

هل حزب الله مستعد للتخلي عن ثلاثين ألف مقاتل؟ يسأل الحلو. ثم يجيب: "واقعياً المعضلة موجودة ولا حل عملياً لها، إلا بفتح باب التطويع وتدريب المقاتلين وفق عقيدة الجيش اللبناني واستيعابهم داخل المؤسسة إذا كانوا مقتنعين، رغم انتمائهم لحزب الله، بالالتزام بعقيدة الجيش والالتزام بالأوامر على المستويين العسكري والسياسي". 

الحلو يقول إن هناك ضباطاً شيعة في الجيش اليوم من الجو السياسي لـ"حزب الله"، و"هؤلاء مندمجون في الجيش في تجربة تعتبر إلى حد كبير ناجحة، وإذا كان حزب الله لا يثق بهؤلاء الضباط فإنه لن يثق بالدولة اللبنانية".

لماذا يقوم الجيش اللبناني بإتلاف السلاح الذي يصادره من "حزب الله" ولا يحتفظ به؟

هذا السؤال، الذي يترافق غالباً مع قضية ضم مقاتلي "حزب الله" يطرحه كثيرون، ويرى البعض أن الأمر يعود لأسباب سياسية. لكن الحلو يقول إن الأمر تقني بحت، "في ألف-باء الأمور العسكرية، عندما يكون هناك ذخائر لا يمكن استخدامها أو صيانتها، تصبح خطرة، وتخزينها خطر، وأكبر دليل على ذلك ذخائر لحزب الله انفجرت بعناصر من الجيش اللبناني وهم ينقلونها وقتلت ٣ عسكريين".

في السابق كانت تقع حوادث يصادر على إثرها الجيش ذخائر وأسلحة لـ"حزب الله" وكانت تعاد هذه الأسلحة للحزب بقرار من السلطة السياسية، استنادا إلى البيانات الوزارية السابقة التي كانت تغطي تسليح الحزب وعمله العسكري. اليوم اختلف الأمر تماماً، كما يقول الحلو، "البيان الوزاري يلتزم بتطبيق القرار ١٧٠١ والسلطة السياسية كلها ملتزمة بهذا الأمر تحت رقابة دولية".