لا يُريدون "دير عمار 2" لأن هناك مشروعاً أهم مشروع يُموّل حزب باسيل لعشرين سنة مقبلة
لا يُريدون "دير عمار 2" لأن هناك مشروعاً أهم، مشروع يُموّل حزب باسيل لعشرين سنة مقبلة

يقول مارتن باركر، وهو أحد في أعضاء فريق إدارة مشروع "دير عمار 2" لإنتاج الكهرباء في لبنان، في تصريح لصحيفة "دايلي ستار" في 9 سبتمبر 2019 إن "الأعمال الهندسية ستبدأ يوم الثلاثاء، والأعمال الأولية ستبدأ خلال شهرين من الآن، قرابة نهاية العام (2019)".

رئيس الحكومة السابق، سعد الحريري، كان قد كرر غير مرة أن المشروع سينطلق في غضون 15 يوماً، في حين أن وزراء الطاقة، وهم منذ عام 2008 من التيار الوطني الحر وزعيمه الروحي الرئيس اللبناني الحالي ميشال عون، اعتادوا منذ عام 2013 أن يُرددوا كلاماً من قبيل "المشروع سينطلق قريباً".. "المشروع يأخذ موقته لكن الأمور سالكة".

بيد أن السنوات تمضي ولا يزال المشروع في الدُرج، لماذا؟ لأن السلطة السياسية لم تتفق على تقاسم مغانمه.

متابعة المراحل التي مرّ بها المشروع، منذ عام 2013، كفيلة بتبيان مسار السلطة السياسية الحاكمة في البلاد. كفيلة أكثر بتبيان كيفية تعاطي وزراء التيار الوطني الحر مع ملف يعني كُل اللبنانيين.

منذ عام 2020، وتقنين الكهرباء يزداد. علماً بأن رئيس التيار، الوزير السابق جبران باسيل، وهو الذي تولى وزارة الطاقة والمياه على مرحلتين، كان قد وعد بكهرباء 24/24 في كل لبنان، نهاية العام 2014. 

 

الكهرباء إلى أسوأ

 

اليوم، ونحن نقترب من منتصف الـ 2020 والكهرباء إلى أسوأ. مسار "دير عمار 2" كفيل بتقديم الإجابات حول تعاطي وزراء التيار العوني في هذا الملف الحيوي، الذي يعني كل فرد في لبنان. 

عام 2013، حصلت أول مناقصة فيما يخص معمل "دير عمار 2" وربحتها شركة "بيتاك"، قبل أن يتم أُبطال العقد بذريعة أن قيمة المناقصة أكبر من الأموال المرصودة.

سريعاً، أقروا دفتر شروط جديد عليه الكثير من علامات الاستفهام، والمفارقة أن وفق هذا الدفتر، فازت بالمناقصة شركة يونانية يُمثلها في لبنان سيزار أبي خليل، كان وقتها مستشاراً في وزارة الطاقة قبل أن يُصبح وزيراً من حصة التيار الوطني الحر، ومروان أبو فاضل.

حينها، رفض رئيس مجلس النواب، نبيه بري، منح الأموال المخصصة لبدء المشروع، بسبب قانون كان قد أقر عام 2011 يشترط تعيين مجلس الإدارة خلال 3 شهور، وكان قد مضى سنة وباسيل لم يُعيّن أحداً.

هنا، كان يُمكن لباسيل أن يعتبر الأمر شخصياً، لكنه على العكس، فبهذه الطريقة أصبح لديه حجة التمديد للبواخر التي تدر ذهباً. 

ثم بدأ الترويج بأن الخلاف هو على الضريبة على القيمة المضافة ليتوقف العمل بالمشروع بذريعة الخمسين مليون دولار (الضريبة) وإذا كانت ضمن العقد أو خارجه، خاصة أن باسيل كان قد أعطى أمراً للشركة بمباشرة العمل، لكن وزير المالية علي حسن خليل (ظل بري) آنذاك لم يدفع بحجة الضريبة.

هذا الخلاف الظاهري، لكن الخلاف الضمني كان في مكان آخر. ديوان المحاسبة وتحت ضغط رئيس مجلس النواب أصدر بياناً اعتبر أن الضريبة جزءاً من العقد وبالتالي صار هناك قراران للديوان، كُل واحد مختلف عن الآخر. 

ديوان المحاسبة أصدر بياناً اعتبر أن الضريبة جزءاً من العقد

لكن الديوان لا يعتبرهما كذلك، ويبرر هذا الأمر بأن العقد كان ممولاً من الخارج وصار ممولاً من الداخل. المُلفت في هذا السياق أن هناك من أراد أن يُمرر المشروع على الطريقة التقليدية، فحاول إرضاء أطراف معينة بمن فيهم بري، وكان فيها نوع من الإهانة لرئيس مجلس النواب وبالتالي أخذ القرار بأن هذا العقد لن يمرّ.
 
بعد أن تسلّم ميشال عون رئاسة البلاد، وفي اجتماع للحكومة التي صار فيها سيزار أبي خليل وزيراً للطاقة، طلب إعطاءه حق إنهاء الأمور العالقة، أي موضوع الـ 50 مليون دولار، وكانت الشركة قد أقامت دعوى على الدولة اللبنانية بـ 120 مليون دولار لأنها أعطيت الأمر بمباشرة العمل ثم تم إيقافها.

هنا، بدأت الأمور تأخذ مساراً آخر. حوّل أبي خليل العقد في اللحظة التي طلب فيها أن يقوم بمفاوضات لبدء العقد بقيمة 500 مليون دولار، وخلال ثلاثة أسابيع إلى عقد  Build Operate Transfer بقيمة 2.2 مليون دولار. 

بمعنى أوضح، نُقل العقد من عقد (EPC (Engineering procurement and Construction   إلى عقد BOT، دون أن يقوم بأي نوع دراسة للتمويل، ومن دون أن يقوم بأي مناقصة لتأمين التمويل، أو إعادة مناقصة شاملة للمشروع.

 

التمويل

 

كان أبي خليل يتصرف بشكل مريب ومن دون أي مراعاة لمصلحة الدولة اللبنانية أو لمبدأ الشفافية بإدارة ملفات القطاع العام، وتحديداً الكهرباء.

أدى ما قام به الوزير السابق إلى التباس كبير لدى جهات ممولة، حاول حينها علاء الخواجة، وهو رجل أعمال أردني مُقرب من بعض السياسيين اللبنانيين، أن يأتي بالتمويل من الخارج ولكن بعض مصادر التمويل التي كان يُراهن عليها أجرت بعض الدراسات وطلبت رأي أحد الخبراء اللبنانيين في هذا المجال، فأتاهم الجواب: حذار التوّرط في هذا المشروع.

كانت فكرة خواجة، بحسب أحد المطلعين على الملف، أن بإمكانه تمويل المشروع من بنك عودة، بعد أن كان قد اشترى حصة في بنك البحر المتوسط بتمويل من عودة، قبل أن يتدهور وضع البنك المالي بعد سلسلة خسارات مني بها.

حاول أن يأتي بالتمويل من الخارج، ولكن مراكز التمويل أبلغت بنك عودة أنه إذا لم تف الحكومة بالتزاماتها المالية، على المصرف نفسه أن يؤمن التمويل اللازم لبدء المشروع.

حينها، حاولوا أن يذهبوا إلى "أوبيك" أميركا ليشتروا التأمين على التمويل، لكن الأخيرة أدركت أنه من الصعب استرداد الأموال، وكانت واشنطن قد بدأت آنذاك بتفعيل العقوبات، فباءت محاولة علاء الخواجة بالفشل. 

عام 2018 قُدمت نصيحة لرئيس الوزراء آنذاك سعد الحريري بأن يمرر العقد على أنه public- private partnership (PPP) contracts وبهذه الطريقة يؤمن التمويل بشكل أسهل. 

رد الحريري بأن الفكرة جيدة ولكنه سيبدأ المشروع خلال شهر واحد. على ما يبدو بحسب من هو متابع لهذا الملف، كان الحريري يُفكر بطريقة أخرى، وكأن الخواجة قد أقنعه بأنه يستطيع أن يؤمن التمويل خلال مدة قصيرة. كانت النتيجة أنه لم يستطع تأمين التمويل وبالتالي بقي المشروع مجمداً.

لاحقاً، اندلعت انتفاضة "17 تشرين" لتعصف بكُل مكونات السلطة. سارع الحريري وكُل من هو في الحكم لتقديم أوراق اعتماد للشارع كي يلين معهم، أو كي يشتروا الوقت.

كانت الورقة الإصلاحية التي فيها وضع بنداً يقول إنه في غضون 15 يوماً سيبدأ العمل بالعقد! طبعاً إلى اليوم لم يبدأ العمل. أكثر من ذلك، لدى وزراء الصف الواحد تبريرات متناقضة لما يحصل.

إذ تقول وزيرة الطاقة السابقة ندى البستاني في تصريح لها بعد سؤالها "أين أصبح دير عمار": "بما أن هذا العقد هو BOT فهو يأخذ وقته"، لكنها طيلة فترة ولايتها لم تستطع توقيع. أما الوزير الحالي ريمون غجر فيقول إنه عقد موقع!

 

مشروع يُموّل حزب باسيل

 

خلال سبع سنوات، مارس وزراء التيار الوطني الحر كُل أنواع المناورات لتمرير عقد على هواهم، عقد تحوم حوله السمسرات والصفقات منذ لحظة إقراره كمشروع عام 2013. أما اليوم، فهم يستغلون تعثر مشروع دير عمار الذين هم سببه، لتبرير تمرير مشروع سلعاتا.

لماذا كُل هذا الاندفاع من أجل سلعاتا؟ يقول متابعون إنه ينقسم إلى 3 أسباب، الأول سياسي، فهم اليوم يدفعون تجاه نوع من الفيدرالية وبالتالي سيكون لديهم معملاً في مناطقهم (سلعاتا في منطقة البترون شمال لبنان، والمنطقة يتحدر منها باسيل رئيس التيار). 

السبب الثاني مصالح فيما خص الأرض والسمسرة عليها. أما السبب الثالث فهو أن العقد في سلعاتا هو BOT، بما معناه أن هناك حاجة إلى مقاول فرعي، فإذا كان العقد بحدود 700 مليون دولار، هناك 300 مليون للمقاول الذي طبعاً سيكون من المنطقة، وهناك في السنة أيضاً ما يُقارب الـ 50 مليون دولار عقود تشغيل وصيانة فيها أرباح ما يٍقارب الـ 20 مليون دولار. 

لن يُبصر معمل دير عمار 2 النور. كما الكثير من المشاريع التي توالى عليها وزراء تكتل "لبنان القوي"، وهو التكتل النيابي المنبثق عن التيار الوطني الحر.

لن يُبصر المعمل النور وكُل وعود إنارة بيوت اللبنانيين لم تتحقق، بل بدا أن الاستثمار في ما يمسّهم هو سمة الوزراء "الإصلاحيين". يقولون: "لم يسمحوا لنا أن نعمل وننجز".

الحقيقة في مكان آخر. لا يُريدون "دير عمار 2" لأن هناك مشروعاً أهم، مشروع يُموّل حزب باسيل لعشرين سنة مقبلة حتى لو ترك التيار وزارة الطاقة مباشرة بعد أن يبدأ العمل في سلعاتا. 

قد يقفز باسيل من السفينة التي يقودها حزب الله، ولكنه قبل أي شيء يُحاول أن يحصل على كُل ما يريد، أي على كُل مصدر يدر عليه المال، مهما كان الثمن وكيفما كانت الوسيلة.

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.