أنصار لحزب الله في بلدة جنوبية - أرشيفية
أنصار لحزب الله في بلدة جنوبية - أرشيفية

عادت بلدة لاسا في قضاء جبيل إلى الواجهة، الملف القديم الجديد نفسه النواع بشأن الأراضي، فيوم أمس الثلاثاء، وبحسب بيان صادر عن أبرشية جونية المارونية، منع بعض أهالي البلدة أشخاصا من أن يصلوا إلى أراضٍ في المنطقة، كانوا ينوون زرعها ضمن مبادرة أطلقتها المطرانية بالتعاون مع شركة جرجي الدكاش وجمعية أرضنا، في سياق حملات التكافل الاجتماعي في مواجهة الوضع الاقتصادي الصعب الذي يمر به لبنان، والذي ازداد نتيجة جائحة "كوفيد - 19". 

والخلاف حول العقارات في لاسا ليس بجديد، بل تعود جذوره إلى أيام السلطنة العثمانية، وتبلور أكثر في سبعينيات القرن الماضي، بسبب طريقة توزيع الأرض، واعتراض أهالي البلدة، من الطائفة الشيعية، على طريقة المسح التي حصلت والتي اعتبروها ظالمة بحقهم، بينما ترى الكنيسة أن المسح عادل ولا غُبار عليه. 

دخول حزب الله طرفاً في هذا الخلاف أعطاه بعداً آخر. صار الخلاف سياسياً ووجودياً للطرفين، واستفاد قسم من أهالي البلدة من سطوة حزب الله على البلد ليحاول أن يستعيد ما يقول إنها حقوقه. 

لكن طريقة تعاطيهم في هذا الملف، حوّلهم من "أصحاب حق" كما يقولون إلى سلطويين يستفيدون من سلاح حزب الله وقدراته ليمارسوا سطوتهم على من يُخالفهم الرأي، ولم يعترض الحزب على هذا التصرف بالرغم من تحالفه مع التيار الوطني الحر الذي يقول أنه يُمثل جزءاً وازناً من المسيحيين. 

استفاد الحزب من هذا الواقع ليُعيد أهل لاسا إلى بيت طاعته، فقدم لهم الدعم في كُل ما يطالبون به، من دون أن يكون للتيار العوني أي موقف منذ أن وقع تفاهمه الشهير مع الحزب عام 2006 الذي عُرف بتفاهم مار مخايل. 

الأخير، أي الحزب، استغل الأهالي في معركته مع النائب السابق فارس سعيد، وما كان يُعرف بقوى 14 آذار. كانت لاسا وأهلها فرصة للحزب استغلها إلى أقصى ما يمكن كما يقول أحد أبناء البلدة لموقع "الحرة". 

يروي بعض أهل لاسا المعترضين ما حصل، يقولون: "تُقدم الكنيسة الأرض ليستثمرها أناس من خارج لاسا وهذا ما شكل امتعاضا لدى الأهالي، فحصل اتفاق مع الكنيسة والمسؤولين عن المشروع بأن يحصل أهل لاسا على حصة مثلهم مثل غيرهم ليزرعوا الأرض، وهذا ما حصل، إلا أنه تبيّن أن الحصص التي قُدمت لأهالي البلدة هي أراضٍ متنازع عليها، وبالتالي هذا الأمر سيؤدي إلى خلاف بين أهل البلدة أنفسهم وهذا ما جعل أهالي القرية، وعلى رأسهم الشيخ محمد العيتاوي، يعترضون وبالتالي قرروا الوقوف بوجه المشروع ككل". 

في المقابل، هناك رواية أخرى يرويها النائب في القوات اللبنانية شوقي الدكاش وهو أحد القيمين على مشروع زراعة الأراضي، يقول لموقع "الحرة": "نحن نقوم بمشاريع زراعية لأهالي المنطقة منذ 20 سنة، وأردنا بالتعاون مع أبرشية جونية أن نُقدم أرضاً لمواطنين من المنطقة ليزرعوا ويستفيدوا منها في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة لنفاجأ منذ أكثر من 10 أيام بأن البعض لم يسمح لهم الوصول إلى الأرض. تواصلنا مع المعنيين وحاولنا أن نحل الأمور بهدوء، وتعبيراً عن نيتنا الحسنة، قمنا بزيادة الحصص من 50 إلى 62، والـ12 حصة كانت لأهالي لاسا". 

يضيف الدكاش: "هذا الاتفاق كان نتيجة لقائنا بممثلين محليين لأهل لاسا وموفدين من خارج المنطقة انتهت إلى توافق وشبك الأيدي. لكن، مع الأسف الشديد، تفاجأنا مجدداً بالأمس بالاعتداء على الناس الذين توجهوا لمباشرة العمل بالأرض. فانتشر أطفال يحملون السكاكين وشبان مسلحين بالعصي والحجارة انهالوا بها على الناس وسياراتهم مهددين ومتوعدين".

من جهته، قال راعي أبرشية جونية وضواحيها المطران، نبيل العنداري، "في كلّ مرّة كنّا نواجه هذه الأمور بالتعقّل واللجوء إلى القضاء والقانون، ولا نبادل الاستفزاز بمثله، لكن الأمور بلغت إلى حدّ مأزوم لا يمكن السكوت عنده، بخاصّة بعد الاتصالات بالمرجعيّات الحزبيّة والدينيّة، الّتي تنصّلت من المسؤوليّة".

وأكّد في مؤتمر صحافي في مطرانية جونية: "نحتاج إلى تدخّل المراجع القضائية والأمنيّة سريعًا، وعدم التهرّب من المسؤوليّة كي لا تتفاقم الأمور". 

وقال العنداري: "حريصون على السلم الأهلي والعيش المشترك، نحن أهل هذه الأرض ولسنا غزاة كما تقولون. لا تزوّروا التاريخ، ولا تحرجونا فتخرجونا"، مناشدا "المجلس الشيعي الأعلى وكلّ المرجعيّات والأحزاب والقيادات الأمنيّة لضبط التصرّفات الشاذّة، والاستمرار في حفظ السلم الأهلي".

وتقول المعلومات من مصادر مختلفة بعضها قريب من حزب الله أن الأخير طلب من رئيس البلدية رمزي المقداد أن يكون متعاوناً، لأن الحزب لا يريد في هذه الظروف بالذات أي خلاف في المنطقة، وهم أوعزوا لعناصرهم بأن يلتزموا الحياد ولا يتدخلوا، بعد ما جرى يوم أمس، وبالتالي انسحب عناصر الحزب، فيما أيضاً وبحسب المعلومات، لعب المفتي الجعفري دوراً في تهدئة الناس والوصول إلى اتفاق مُشترك كي لا تتطور الأمور. 

تراجع حزب الله عن تغطية الأهالي يأتي في وقت يُعطي المكون المسيحي المتحالف معه إشارات كثيرة بأنه بدأ يُهدد بفك ارتباطه بالحزب المسلّح، لكنه اليوم لم يعلق على ما جرى في قضاء جبيل، وهناك من يضع تكتيك التيار العوني في إطار ابتزاز حليفهم لقضايا لها علاقة بالسياسة وباستثماراتهم في مؤسسات الدولة وليس لاستشعارهم بخطر العقوبات الداهم عليهم، وهو نقاش يبدو أنه بدأ يُفتح في أوساط تكتل لبنان القوي لكن بشكل محدود إلى الآن. 

يقول النائب السابق فارس سعيد: "المكوّن المسيحي في البلد هو اليوم في الحكم ويقول إن العهد قوي وهو حريص على المسيحيين. فليتفضل هو ومن دعمه للوصول إلى بعبدا بحماية أرزاق وأراضي الكنيسة المارونية". 

أما النائب زياد حواط، فيقول: "أما أن يكون لدينا دولة وقضاء وإما نحن نفتح الباب لتحكمنا شريعة الغاب. نحن لن نتعاطى في هذا الموضوع إلا من خلال الدولة. فائض القوة أوصل البلد إلى انهيار. لا يُمكن لهم أن يستمروا بهذا النهج". 
 

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.