السيد يعتبر حليفا لجماعة حزب الله.
السيد يعتبر حليفا لجماعة حزب الله.

بورتريه 

يوم الأحد في 8 ديسمبر من العام 2019، وقف مطران بيروت للروم الأرثوذكس إلياس عودة أثناء عظته الأسبوعية، قائلا: "هذا البلد يُحكم من شخص تعرفونه جميعاً، ولا أحد يتفوّه بكلمة، ويُحكم من جماعة تحتمي بالسلاح". 

بجملة واحدة، أطّر الواقع ووضع الأمور في نصابها الصحيح. من هو هذا الرجل؟ إنه جميل السيّد. من هي هذه الجماعة؟ هي حزب الله. واقع لم يتوقعه أكثر المتفائلين في "محور الممانعة" لكنه اليوم، حقيقة.

يوم الأربعاء في 3 يونيو عام 2020، عقد السيد مؤتمرا صحفيا وجه في خلال تهديداً صريحاً لكل ناشط يحاول أن يعترض أمام منزل أي سياسي. 

يقول السيّد ما حرفيته: "من يأتي أمام منزل أي أحد، أنا أقول لكم من الآن، حتى لو لم يكن لديك حراسة، وأنا مسؤول عن كلامي، أطلق عليه النار من النافذة، إذا كان أفراد عائلتك في البيت، وتفوه بكلام خارج الطريق. هذه ليست ثورة". 

كلام السيّد يأتي في وقت اعتبره كُثر أنه في صف "الثورة" ومع مطالب الناس. بعضهم نسي من كان السيّد قبل 15 عاماً، وأن المرحلة للتكاتف في مواجهة السلطة! على اعتبار أن "اللواء" صار مع الفقراء والعمال والفلاحين، "بشخطة قلم". 
 
قبل أعوام، حين اغتيل رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري، كان رجل النظام الأمني اللبناني السوري الأول، جميل السيّد القوي والعنيد، يطوي صفحة جبروت لم تكتمل كما كان يحلم. 

في فترة زمنية قصيرة، نزل عن عرشه الذي لا يُنافسه عليه عاقل، وأدرك أن الزمن ليس زمنه وأن أيام حُكمه انتهت. حينها أيضاً، ظن اللبنانيون أن المرحلة السوداء تلك ذهبت إلى غير رجعة، وغالبيتهم أخرج السيّد من حساباته كونه في تلك الأيام كان يعيش زمن نهاية "احتلال" أتى به وعاد وأخذه معه حين ودّع عنجر عائداً بخيبة إلى دمشق.
 
أسدل غالبية اللبنانيين الستار على تلك المرحلة، رغم أن حزب الله تصدى سريعاً لرفع راية استمرار النظام الأمني ولكن هذه المرة بشروطه هو وليس بشروط بشار الأسد حتى لو لم تكن مختلفة كثيراً. 

وبالرغم من كل ممارسات الحزب الميليشياوية في فترة خروج جيش النظام السوري وما تلاها وصولاً إلى "7 أيار" و"القمصان السود" وغيرها من محطات اقتطعها اغتيال من هنا وتفجير من هناك، بقي اللبنانيون عند قناعتهم بأن النظام الأمني المُشترك انتهى إلى غير رجعة، وبقيت صورة الضُباط الأربعة مطبوعة في أذهان اللبنانيين على أنهم انتهوا حتى وإن عادوا إلى حريتهم.  
 
وفي الواقع، الضُباط الأربعة لا يتساوون، الوصف الأدق، الضابط الكبير والثلاثة الآخرون مروا بفترة عصيبة، رجعوا منها إلى منازلهم أو بشكل أكثر تحديداً لاعتزالهم، إلا الكبير فيهم، لم ييأس يوماً لعدة أسباب، هو طموح جداً ولم يخرج يوماً من واقع أنه كان في مكان ما الرجل الأقوى في الجمهورية، هو سياسي بقدر ما هو أمني وبالتالي عرف كيف يقرأ المتغيرات وبقي صامداً إلى أن أتت ظروف عودته غير الميمونة إلى الساحة السياسية، وأكثر من كل ما سبق، هو يعرف جيداً كيف يلعب على التناقضات وكيف يستغل صفته كـ"شيعي" لكي يُعطي لحزب الله مساحة اللعب عبره، داخل الطائفة وخارجها.
 
يُدرك السيّد كل هذا الواقع وما يحيط به. لهذا لم يختف تماماً، واستطاع أن يعود إلى الواجهة، فدخل الندوة النيابية كمرحلة أولى من محاولة استعادة ما فقده مع مرور الزمن والأحداث. 

دخوله إلى مجلس النواب لم يكن فقط إعلان انتصار على مرحلة كان فيها إنساناً أقل من عادي، بل هو أيضاً إعلان انطلاق مرحلة استعادة ما فاته منذ 14 فبراير عام 2005 وحتى لحظة انتخابه وليس لحظة خروجه من السجن، مرحلة، يقودها اليوم بكثير من الحنكة المصحوبة بالخبث السياسي المُكتسب على مرّ سنوات الأمن السياسي التي عاشها في الماضي، والتي لم تأته إلا لأنه شخص قادر على خدمة مستخدميه بشكل يُضاهي كُل من قدم فروض طاعته حينها لمن سكن عنجر لسنوات طويلة.
 
لم يخرج جميل السيّد من ذهنية حكم الوصاية السورية، وهذا ما يُدغدغ أحلامه دائماً. أن يعود كما كان ليس بالأمر السهل، لكن هل هو مُستحيل؟ بالنسبة إليه لا شيء مستحيلاً. 

هو يكبت طموحه كي لا يتحول جموحاً، يخطو على مهل وبعناية ويدرس كل ما يُقدم عليه، ودائماً في ذهنه واقع واضح: حزب الله في ظهره ولكن إلى الآن ليس لديه ورقة بيضاء منه تُخوّله أن يقوم بما يحلو له وكما يحلو له، ولهذا هو متأنٍّ ويلعب من تحت الطاولة كي لا يُنفر أحداً، وهو طبعاً أكثر من يعلم أن الحزب اليوم أو الآن تحديداً، غير مُستعد أن يخوض معركته مع رئيس البرلمان، نبيه بري. 

هنا أيضاً يظهر كيف يوازي السيّد بين ما يستطيع فعله وبين ما بالإمكان فعله، مُستفيداً من واقع أن البلاد تعيش انتفاضة شعبية على طبقة سياسية كان السيّد جزءاً منها على مرحلة طويلة، وكان سبباً مباشراً في ما وصل إليه اللبنانيون، لكن بالرغم من كل ذلك استطاع أيضاً بخبث وحنكة أن يركب موجة ثورية هي ضده أيضاً.
 
استفاد السيّد من كل الواقع الذي تمر به البلاد واستشعر أن الوقت ليس للشعارات السياسية بل المطلبية، دون أن ينسى إبقاء العنوان السياسي العريض في جيبته يستعمله ساعة تستدعي الحاجة. 

نقلته انتفاضة "17 تشرين" من نائب أتى به حزب الله في ظرف سياسي ما ولهدف ما، إلى جزء من لعبة لا يستطيع أي كان أن يدخلها بسهولة. 

دخلها وهو يدرك التالي: الناس مُنتفضة والواقع الاقتصادي مُزر، زمن ضرب الخصوم والأعداء صار أقرب من أي وقت مضى، واقع سياسي مُتقلب والثابت فيه أن محوره له السطوة في الداخل اللبناني، إمكانية اكتساب شرعية ما من خارج ماضيه صارت أكثر قبولاً.
 
هو لم يظهر في الصورة كثيراً، بل كان من بعيد يُراقب ويُشارك ويُوجه ويستفيد. استغل الناس وحاجتهم وجوعهم وطموحهم. انتقل بعد "17 تشرين" من رجل يستغل سُلطته إلى رجل يستغل وجع الناس، وبسلاسة تحوّل إلى مُتصدٍ للدفاع عنهم. 

عمن؟ عن ناس جزء منهم كان فيما مضى يزج بهم في السجون ويلاحقهم ومُستعد أن يفعل أي شيء ليُخمد صوتهم، وجزء آخر تأثر بطريقة أو بأخرى بدوره في النظام ما قبل 2005 وما أرساه آنذاك من معادلة واضحة تقول إن التبعية لما أُمثل سبيلاً لكي تحيوا هانئين بما يُقدمه لكم القائد الخالد وأنا، مُمثله. 

والجزء الكبير من هؤلاء، وهي النسبة الأكبر، التي تدفع ثمن نظام المحاصصة وتقاسم الغنائم التي حرص عليها النظام الأمني وذراعه في لبنان، كي يبقى حاكما ولاعبا على متناقضات الطبقة السياسية التي كانت موجودة آنذاك، وما زال مُعظمها، طبعاً.
 
عرف السيّد جيداً الاستفادة من كل ما يحصل، وبهدوء بدأ يقود رحلة عودته وانتقامه واستعادة أمجاده. كان يُشارك في الانتفاضة في أوجها، ويتواصل مع مجموعات فيها ويوجهها حين يستطيع ولديه القدرة على ذلك لأنه يتقاطع سياسياً مع كثيرين في الساحة، يُرسل رسائله يميناً ويساراً من موقع الحريص على اللبنانيين والبريء من كُل أعباء المرحلة الماضية. 

يُفصل حلفاً جديداً لا يُقلق حلفاءه ولكن في الوقت نفسه يستفيد منه، وما حصل ويحصل مع جبران باسيل خير دليل على ذلك، يختار أسماء لرئاسة الحكومة وقيادة المرحلة، ويعود ويُفصل الحكومة بوزراء يخدمونه ولا يُنفرون من استغلهم، أي الناس، ثم يدخل على خط البيان الوزاري ويرسم خطوطه العريضة بتغريدة. 

هو كُل ذلك وأكثر، وهو كُل ما كان عليه وأكثر. الفارق الوحيد أن لديه قُدرة التلبس بشخصيات عدة، وكل واحدة تناسب المرحلة التي يعيشها اللبنانيون. التلوّن مع السيد لا يُشبه الانتقال من ضفة إلى أخرى كما يفعل مُعظم السياسيين في لبنان. طوّرها أكثر وساعده على ذلك أنه بقي في الظل لسنوات.
 
الآن، عاد ضابط الأمن ولكن بحُلّة جديدة، بربطة عنق والكثير من الدبلوماسية والعنف في الوقت نفسه. جميل السيّد ليس رجل الأمن الذي كان عليه لكنه يحتفظ بأمني كبير في داخله، هو اليوم لم يُشكل أو يكون فاعلاً فقط في تشكيل حكومة لبنانية من لون وتوجه واحد، ممانع، في عزّ حاجة اللبنانيين إلى التغيير، بل قام بما لم يستطع حزب الله القيام به، ليس لعدم قدرة الحزب على ذلك بل لاعتبارات تُكبله ولحسابات ليس بالضرورة أن تعني السيد، الذي صار يستقبل اتصالاً من عدوه اللدود، النائب السابق وليد جنبلاط ليقول له الاسم الدرزي الذي يريده في الحكومة قُبيل تشكيلها، وهذا فعل بحد ذاته يكفي لتبيان موقع السيد في المعادلة اليوم، وأيضاً موقع خصومه وأعدائه.
 
حين تشكلت حكومة حسان دياب، انشغل الجميع بالتكنوقراط والاختصاصيين، والمُختص الوحيد الذي وصل فعلياً هو السيّد، تحت مُسمّى محمد فهمي. 

الضابط السابق، الذي يقول إنه يتمسك بالأمن وإنه مع مؤسسات الدولة، لا يتورع عن الدعوة للقتل العمد، بسبب رأي أو هتاف قد يُزعجه. 

الضابط السابق، يُعطي لنفسه الحق بأن يقول ما يحلو له لأنه يمسك اليوم مفتاح البلاد من أقصاها إلى أقصاها، مفتاح اسمه محمد فهمي، وزير داخلية لبنان، الذي لم ير في كلام السيّد أي شيء خارج السياق الطبيعي للأمور. 
سياق إعادة البلاد إلى القبضة الأمنية التي كانت نائمة بشكل أو بآخر، ويوقظها السيّد اليوم، ليعود إلى الملعب الأحب إلى قلبه. الضابط السابق، شخصية يُحب الحزب الحاكم أن تكون نموذج حكم اللبنانيين في المُقبل من الأيام.
 

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.