السيد يعتبر حليفا لجماعة حزب الله.
السيد يعتبر حليفا لجماعة حزب الله.

بورتريه 

يوم الأحد في 8 ديسمبر من العام 2019، وقف مطران بيروت للروم الأرثوذكس إلياس عودة أثناء عظته الأسبوعية، قائلا: "هذا البلد يُحكم من شخص تعرفونه جميعاً، ولا أحد يتفوّه بكلمة، ويُحكم من جماعة تحتمي بالسلاح". 

بجملة واحدة، أطّر الواقع ووضع الأمور في نصابها الصحيح. من هو هذا الرجل؟ إنه جميل السيّد. من هي هذه الجماعة؟ هي حزب الله. واقع لم يتوقعه أكثر المتفائلين في "محور الممانعة" لكنه اليوم، حقيقة.

يوم الأربعاء في 3 يونيو عام 2020، عقد السيد مؤتمرا صحفيا وجه في خلال تهديداً صريحاً لكل ناشط يحاول أن يعترض أمام منزل أي سياسي. 

يقول السيّد ما حرفيته: "من يأتي أمام منزل أي أحد، أنا أقول لكم من الآن، حتى لو لم يكن لديك حراسة، وأنا مسؤول عن كلامي، أطلق عليه النار من النافذة، إذا كان أفراد عائلتك في البيت، وتفوه بكلام خارج الطريق. هذه ليست ثورة". 

كلام السيّد يأتي في وقت اعتبره كُثر أنه في صف "الثورة" ومع مطالب الناس. بعضهم نسي من كان السيّد قبل 15 عاماً، وأن المرحلة للتكاتف في مواجهة السلطة! على اعتبار أن "اللواء" صار مع الفقراء والعمال والفلاحين، "بشخطة قلم". 
 
قبل أعوام، حين اغتيل رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري، كان رجل النظام الأمني اللبناني السوري الأول، جميل السيّد القوي والعنيد، يطوي صفحة جبروت لم تكتمل كما كان يحلم. 

في فترة زمنية قصيرة، نزل عن عرشه الذي لا يُنافسه عليه عاقل، وأدرك أن الزمن ليس زمنه وأن أيام حُكمه انتهت. حينها أيضاً، ظن اللبنانيون أن المرحلة السوداء تلك ذهبت إلى غير رجعة، وغالبيتهم أخرج السيّد من حساباته كونه في تلك الأيام كان يعيش زمن نهاية "احتلال" أتى به وعاد وأخذه معه حين ودّع عنجر عائداً بخيبة إلى دمشق.
 
أسدل غالبية اللبنانيين الستار على تلك المرحلة، رغم أن حزب الله تصدى سريعاً لرفع راية استمرار النظام الأمني ولكن هذه المرة بشروطه هو وليس بشروط بشار الأسد حتى لو لم تكن مختلفة كثيراً. 

وبالرغم من كل ممارسات الحزب الميليشياوية في فترة خروج جيش النظام السوري وما تلاها وصولاً إلى "7 أيار" و"القمصان السود" وغيرها من محطات اقتطعها اغتيال من هنا وتفجير من هناك، بقي اللبنانيون عند قناعتهم بأن النظام الأمني المُشترك انتهى إلى غير رجعة، وبقيت صورة الضُباط الأربعة مطبوعة في أذهان اللبنانيين على أنهم انتهوا حتى وإن عادوا إلى حريتهم.  
 
وفي الواقع، الضُباط الأربعة لا يتساوون، الوصف الأدق، الضابط الكبير والثلاثة الآخرون مروا بفترة عصيبة، رجعوا منها إلى منازلهم أو بشكل أكثر تحديداً لاعتزالهم، إلا الكبير فيهم، لم ييأس يوماً لعدة أسباب، هو طموح جداً ولم يخرج يوماً من واقع أنه كان في مكان ما الرجل الأقوى في الجمهورية، هو سياسي بقدر ما هو أمني وبالتالي عرف كيف يقرأ المتغيرات وبقي صامداً إلى أن أتت ظروف عودته غير الميمونة إلى الساحة السياسية، وأكثر من كل ما سبق، هو يعرف جيداً كيف يلعب على التناقضات وكيف يستغل صفته كـ"شيعي" لكي يُعطي لحزب الله مساحة اللعب عبره، داخل الطائفة وخارجها.
 
يُدرك السيّد كل هذا الواقع وما يحيط به. لهذا لم يختف تماماً، واستطاع أن يعود إلى الواجهة، فدخل الندوة النيابية كمرحلة أولى من محاولة استعادة ما فقده مع مرور الزمن والأحداث. 

دخوله إلى مجلس النواب لم يكن فقط إعلان انتصار على مرحلة كان فيها إنساناً أقل من عادي، بل هو أيضاً إعلان انطلاق مرحلة استعادة ما فاته منذ 14 فبراير عام 2005 وحتى لحظة انتخابه وليس لحظة خروجه من السجن، مرحلة، يقودها اليوم بكثير من الحنكة المصحوبة بالخبث السياسي المُكتسب على مرّ سنوات الأمن السياسي التي عاشها في الماضي، والتي لم تأته إلا لأنه شخص قادر على خدمة مستخدميه بشكل يُضاهي كُل من قدم فروض طاعته حينها لمن سكن عنجر لسنوات طويلة.
 
لم يخرج جميل السيّد من ذهنية حكم الوصاية السورية، وهذا ما يُدغدغ أحلامه دائماً. أن يعود كما كان ليس بالأمر السهل، لكن هل هو مُستحيل؟ بالنسبة إليه لا شيء مستحيلاً. 

هو يكبت طموحه كي لا يتحول جموحاً، يخطو على مهل وبعناية ويدرس كل ما يُقدم عليه، ودائماً في ذهنه واقع واضح: حزب الله في ظهره ولكن إلى الآن ليس لديه ورقة بيضاء منه تُخوّله أن يقوم بما يحلو له وكما يحلو له، ولهذا هو متأنٍّ ويلعب من تحت الطاولة كي لا يُنفر أحداً، وهو طبعاً أكثر من يعلم أن الحزب اليوم أو الآن تحديداً، غير مُستعد أن يخوض معركته مع رئيس البرلمان، نبيه بري. 

هنا أيضاً يظهر كيف يوازي السيّد بين ما يستطيع فعله وبين ما بالإمكان فعله، مُستفيداً من واقع أن البلاد تعيش انتفاضة شعبية على طبقة سياسية كان السيّد جزءاً منها على مرحلة طويلة، وكان سبباً مباشراً في ما وصل إليه اللبنانيون، لكن بالرغم من كل ذلك استطاع أيضاً بخبث وحنكة أن يركب موجة ثورية هي ضده أيضاً.
 
استفاد السيّد من كل الواقع الذي تمر به البلاد واستشعر أن الوقت ليس للشعارات السياسية بل المطلبية، دون أن ينسى إبقاء العنوان السياسي العريض في جيبته يستعمله ساعة تستدعي الحاجة. 

نقلته انتفاضة "17 تشرين" من نائب أتى به حزب الله في ظرف سياسي ما ولهدف ما، إلى جزء من لعبة لا يستطيع أي كان أن يدخلها بسهولة. 

دخلها وهو يدرك التالي: الناس مُنتفضة والواقع الاقتصادي مُزر، زمن ضرب الخصوم والأعداء صار أقرب من أي وقت مضى، واقع سياسي مُتقلب والثابت فيه أن محوره له السطوة في الداخل اللبناني، إمكانية اكتساب شرعية ما من خارج ماضيه صارت أكثر قبولاً.
 
هو لم يظهر في الصورة كثيراً، بل كان من بعيد يُراقب ويُشارك ويُوجه ويستفيد. استغل الناس وحاجتهم وجوعهم وطموحهم. انتقل بعد "17 تشرين" من رجل يستغل سُلطته إلى رجل يستغل وجع الناس، وبسلاسة تحوّل إلى مُتصدٍ للدفاع عنهم. 

عمن؟ عن ناس جزء منهم كان فيما مضى يزج بهم في السجون ويلاحقهم ومُستعد أن يفعل أي شيء ليُخمد صوتهم، وجزء آخر تأثر بطريقة أو بأخرى بدوره في النظام ما قبل 2005 وما أرساه آنذاك من معادلة واضحة تقول إن التبعية لما أُمثل سبيلاً لكي تحيوا هانئين بما يُقدمه لكم القائد الخالد وأنا، مُمثله. 

والجزء الكبير من هؤلاء، وهي النسبة الأكبر، التي تدفع ثمن نظام المحاصصة وتقاسم الغنائم التي حرص عليها النظام الأمني وذراعه في لبنان، كي يبقى حاكما ولاعبا على متناقضات الطبقة السياسية التي كانت موجودة آنذاك، وما زال مُعظمها، طبعاً.
 
عرف السيّد جيداً الاستفادة من كل ما يحصل، وبهدوء بدأ يقود رحلة عودته وانتقامه واستعادة أمجاده. كان يُشارك في الانتفاضة في أوجها، ويتواصل مع مجموعات فيها ويوجهها حين يستطيع ولديه القدرة على ذلك لأنه يتقاطع سياسياً مع كثيرين في الساحة، يُرسل رسائله يميناً ويساراً من موقع الحريص على اللبنانيين والبريء من كُل أعباء المرحلة الماضية. 

يُفصل حلفاً جديداً لا يُقلق حلفاءه ولكن في الوقت نفسه يستفيد منه، وما حصل ويحصل مع جبران باسيل خير دليل على ذلك، يختار أسماء لرئاسة الحكومة وقيادة المرحلة، ويعود ويُفصل الحكومة بوزراء يخدمونه ولا يُنفرون من استغلهم، أي الناس، ثم يدخل على خط البيان الوزاري ويرسم خطوطه العريضة بتغريدة. 

هو كُل ذلك وأكثر، وهو كُل ما كان عليه وأكثر. الفارق الوحيد أن لديه قُدرة التلبس بشخصيات عدة، وكل واحدة تناسب المرحلة التي يعيشها اللبنانيون. التلوّن مع السيد لا يُشبه الانتقال من ضفة إلى أخرى كما يفعل مُعظم السياسيين في لبنان. طوّرها أكثر وساعده على ذلك أنه بقي في الظل لسنوات.
 
الآن، عاد ضابط الأمن ولكن بحُلّة جديدة، بربطة عنق والكثير من الدبلوماسية والعنف في الوقت نفسه. جميل السيّد ليس رجل الأمن الذي كان عليه لكنه يحتفظ بأمني كبير في داخله، هو اليوم لم يُشكل أو يكون فاعلاً فقط في تشكيل حكومة لبنانية من لون وتوجه واحد، ممانع، في عزّ حاجة اللبنانيين إلى التغيير، بل قام بما لم يستطع حزب الله القيام به، ليس لعدم قدرة الحزب على ذلك بل لاعتبارات تُكبله ولحسابات ليس بالضرورة أن تعني السيد، الذي صار يستقبل اتصالاً من عدوه اللدود، النائب السابق وليد جنبلاط ليقول له الاسم الدرزي الذي يريده في الحكومة قُبيل تشكيلها، وهذا فعل بحد ذاته يكفي لتبيان موقع السيد في المعادلة اليوم، وأيضاً موقع خصومه وأعدائه.
 
حين تشكلت حكومة حسان دياب، انشغل الجميع بالتكنوقراط والاختصاصيين، والمُختص الوحيد الذي وصل فعلياً هو السيّد، تحت مُسمّى محمد فهمي. 

الضابط السابق، الذي يقول إنه يتمسك بالأمن وإنه مع مؤسسات الدولة، لا يتورع عن الدعوة للقتل العمد، بسبب رأي أو هتاف قد يُزعجه. 

الضابط السابق، يُعطي لنفسه الحق بأن يقول ما يحلو له لأنه يمسك اليوم مفتاح البلاد من أقصاها إلى أقصاها، مفتاح اسمه محمد فهمي، وزير داخلية لبنان، الذي لم ير في كلام السيّد أي شيء خارج السياق الطبيعي للأمور. 
سياق إعادة البلاد إلى القبضة الأمنية التي كانت نائمة بشكل أو بآخر، ويوقظها السيّد اليوم، ليعود إلى الملعب الأحب إلى قلبه. الضابط السابق، شخصية يُحب الحزب الحاكم أن تكون نموذج حكم اللبنانيين في المُقبل من الأيام.
 

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.