ناشطو حراك تشرين في لبنان معرضون للاعتقال والتعذيب حتى الآن
ناشطو حراك تشرين في لبنان معرضون للاعتقال والتعذيب حتى الآن

تشن السلطات اللبنانية حملات اعتقال مكثفة تستهدف الناشطين المشاركين في الاحتجاجات المناهضة للفساد والطائفية واعتراضا على التدهور المالي، وآخر فصول هذه الاعتقالات، كان ما حدث في صيدا وعين الرمانة وطرابلس والبقاع الأوسط وغيرها.

وعمدت الأجهزة الأمنية، وتحديدا مخابرات الجيش، إلى اعتقال ناشطين، بعضهم اقتيد من منزله تحت جنح الظلام،  إلى مراكز تحقيق، إما في وزارة الدفاع أو في أفرع المخابرات، في بلد عانى كثيرا من قبضة الأجهزة الأمنية، بالرغم من كونه يصنف على أنه بلد ديمقراطي، إلا أن واقع الأمور يُشير إلى عكس ذلك.

 

 

شهادات عن التعذيب في لبنان بعد ثورة تشرين

منذ 17 أكتوبر 2019 إلى اليوم، عادت الأجهزة الأمنية إلى ممارسات اعتقد اللبنانيون أنها انتهت. اعتقالات وملاحقات بحق ناشطين تظاهروا وشاركوا في الاحتجاجات المستمرة ضد النظام اللبناني. الاعتقالات توزعت بين بيروت والمناطق كافة.

كثيرون لم يسلموا من هذه الاعتقالات التي كان جهاز مخابرات الجيش الطرف الأبرز فيها. شباب شاركوا في ثورة 17 تشرين خرجوا من أفرع الأمن بأضرار نفسية أكبر بكثير من الجسدية. بعضهم قرر أن يترك البلد فوراً، بعضهم الآخر قرر أن يبقى ويواجه. 

موقع "الحرة" حصل على شهادتين لناشطين خضعا لتحقيق مورس خلاله كُل أنواع التعذيب،  اعتقلا في 29 أبريل 2020 وأطلق سراحهما في 2 مايو  على 2020 على خلفية أعمال شغب حدثت في شارع المصارف في صيدا، جنوب لبنان.

الشابان قالا جزءاً بسيطاً مما حصل معهما أثناء الاعتقال، فيما رفض آخرون، لخوفهم من رد فعل الأمن، لأنهم هُددوا "إن تجرأوا على الحديث" بما حدث معهم أثناء الاعتقال. 

 

 

علاء عنتر يحكي شهادته على التعذيب لموقع الحرة

"دمروا مستقلبنا"

علاء عنتر، شاب من  صيدا، عمره 23 سنة، قرر المشاركة في انتفاضة 17 تشرين ليطالب بحقوقه بالحياة. تظاهر ضد "الجوع والفقر والموت على أبواب المستشفيات ولنواجه هذه السلطة التي حكمت بلدنا لأكثر من 30 سنة ولم تقدم لنا أي شيء، لا بل العكس، دمرت لنا مستقبلنا". علاء نزل ليقول: "نحن لم نعد نحتملكم. لقد خنقتمونا". 

قبل أن يروي علاء ما حصل معه، يُشدد على أنه كان حريصاً كُل الوقت على سلمية التحركات. لكن هذا لم يمنع الأجهزة الأمنية من اعتقاله.

على ساحة النجمة، كان عناصر الجيش يقفون بطريقة تمنع المتظاهرين من الوصول إلى الساحة. طلب علاء من عسكري يقف هناك أن يسمح له بالمرور، و ما هي إلا لحظات حتى يصل ضابط برفقة كثير من العناصر، ويقول له: "أنا أرصدك منذ زمن، سنُبرحك ضرباً.

"حمّلوه" بالشاحنة وتوجهوا به إلى مكان التوقيف. لمدة نصف ساعة، غالبية العناصر الذين كانوا في الشاحنة لم يوفروا أي مجهود عنفي إلا ومارسوه بحق علاء. كان يقول في قراره نفسه، "سيضربونني قليلاً حتى أصل إلى المركز". كان بينه وبين نفسه يحاول أن يسهّل الأمور على نفسه، يواسي نفسه. هو الشاب الذي "تربى في بيئة لا تحمل سوى المحبة والاحترام للجيش وعناصره". 

رحلته في الشاحنة كانت البداية. وصل إلى مركز اللواء الأول في صيدا ومنها إلى الأمن القومي. ليلتها لم يتعرض له أحد. سألوه عن علاقته بربيع الزين الذي أوقف أكثر من مرة من قبل الأجهزة الأمنية. قال لهم علاء: "أنا لا أعرفه. التقيته مرة في صيدا ولم يحصل أي حديث بيننا. تحدثت بصدق وصراحة". اعتقد علاء أن الأمور ستنتهي عند هذا الحد. يبيت ليلته ومن ثم يعود إلى منزله. 

يقول علاء: "أتفاجأ صباحاً أني أستيقظ على كلام بذيء كثيراً. ثُم بدأوا التحقيق معي. بدأوا فعلياً مشوار التعذيب والضرب والإهانة الجسدية والمعنوية". يسألونه ويجيب أنه لا يعرف.

يقول علاء: بدأوا بضربي ورميي على الأرض والدعس علي وصعقي بالكهرباء مع الكثير من الشتائم. استمروا على هذا الحال لأكثر من 5 ساعات. لم أعد أحتمل كمية الضرب التي تعرضت لها".

قرر علاء أن يُسمعهم ما يريدون:" أنا قاتل وإرهابي. سأقول كُل ما تريدون ولكن أتركوني أعود إلى أهلي". وحول التعذيب بالكهرباء، يقول: "يعتقدون أنها لعبة. يتسلون في صعقك كل الوقت، مرة على الأيدي ومرة على الرجلين أو الصدر. يتركها لثواني طويلة على جسمي. حين يوقفها، أصرخ. يطلبون أن تصعد الدرج، وطبعاً ليس هناك من درج". كانوا يمرحون.  

خرج علاء من "المعتقل" بعد ضغط الرأي العام وعمل جبار قامت به المحامية لمى الأمين. خرج علاء إلى المستشفى مباشرة. لم يكن يقدر على المشي جراء الضرب الذي تعرض له. قبل أن يُفرجوا عنه، هددوه: "إذا تحدثت عما جرى معك سنعود ونأتي بك مجدداً ونكرر ما فعلناه معك في الأيام الأربعة الماضية".

لدى الشرطة العسكرية، أنكر علاء ما اعترف به تحت التعذيب. قال لهم إن كُل كلمة قالها خلال الاعتقال كانت كذب كي يهرب من التعذيب. لكن علاء لن يتراجع، يقول: "كُل ما حصل معي لن يزيدنا سوى إصرار على أن نستمر في الاعتراض والوقوف ضد هذه السلطة التي جوعتنا. سنبقى في الساحات حتى ترحل هذه السلطة الفاسدة". 

 

"كأنني كيس ملاكمة"

محمد السمّور، 22 سنة، أيضاً لا يريد سوى العيش الكريم. يريد فرصة، للعمل. اعتقله الجيش من ساحة النجمة في صيدا، ومن هناك إلى ثكنة زغيب. في الثكنة حقق مع محمد جيش لبناني. كان المحققون غاية في الاحترام، سؤال وجواب. انتهوا سريعاً، ثُم نقلوه إلى فرع الأمن القومي. محمد ليس جديداً على الأمن القومي. اعتُقل أكثر من مرة، وقبل إطلاق سراحه كانوا يحرصون على أن يمضي تعهداً بعدم النزول إلى الشارع مجدداً. لكنه، "استمر بالنزول". 

 

محمد السمور يحكي شهادته عن التعذيب لموقع الحرة

لدى الأمن القومي كانت الأجواء مغايرة تماماً. بدأ التحقيق معه، والتحقيق لدى هذا الفرع عنوانه "الترهيب أولاً". استقبلوه بالسباب، تعصيب الأعين، ثم الضرب. 

هناك، يبدو من رواية محمد، كما رواية علاء، أن العناصر التي تُحقق، تعتبر أن ما تقوم به عبارة عن تسلية. يتفنون بتحويل الضحية إلى وسيلة يقتلون من خلالها الوقت أو يملأون فراغهم الكبير. يضحك المحققون بين بعضهم البعض، يطلبون من محمد أن يقفز، ثم يطالبونه بالاستمرار وحين يضجرون يقوم أحد المحققين بركل محمد وهو يقفز، ليقع على الأرض وهو طبعاً مكبل اليدين والرجلين ومعصب العينين، أي من دون أي وسيلة لحماية نفسه من السقوط. حماية رأسه تحديداً. يضع رجله على رأس الضحية، ويبدأ بسؤاله "أنت من رمى المولوتوف، أنت رشقت حجارة، أنت حطمت ممتلكات عامة"، يأتيه الجواب من محمد بالنفي، يُكمل الضرب بالعصا لأكثر من 5 ساعات. عملية تكررت طيلة فترة الاعتقال. 

انتهى وقت العصا. صعد المحققون بالمستوى، الكهرباء. الأسئلة نفسها مع فارق بسيط، بعد كُل "كلا" يقولها المتهم، هناك صعق بالكهرباء. هنا كان أمام محمد خياران، إما تحمّل ما لا قدرة لأحد على تحمله، أو أن يُسمع المحقق ما يريده. صار يسأله، يقوله له لا، يصعقه، يقول نعم فعلتها. وهكذا، تحت التعذيب والصعق والركل على أماكن حساسة، أخذ المحققون ما يريدونه. لكنهم لم يكتفوا، في يوم آخر، يقول محمد: "انهال علي باللكم وكأنني كيس ملاكمة، كسر لي ثلاثة من أسناني من دون أن يرف له جفن". 

بعد كُل هذا التعنيف، وقبل أن يخرج محمد، ذكره المُحقق "إذا تحدثت بما حصل معك، سنأتي بك لو كنت عند الأنبياء". 

 

رواية من الخارج 


المحامية لمى الأمين، هي أحد المحامين الذين تابعوا ما يحدث من اعتُقل في صيدا أواخر أبريل. حاولت أن تتابع الملف. مُنعت من دخول ثكنة زغيب حيث يتواجد المعتقلون. تواصلت مع نقيب المحامين ملحم خلف، الذي تحرك سريعاً فاستطاعوا أن يأخذوا إشارة بأن يدخلوا (بعد أيام من الاعتقال)، لكن طبعاً لم تستطع المحامية أن تدخل لترى المعتقلين وهم لدى المخابرات، أو الأمن القومي كما يقولون.

سُمح لها بالدخوال لدى الشرطة العسكرية، بعد نقل المعتقلين من عند المخابرات. تقول الأمين: "حين رأيت الشباب، كانت آثار الصدمة واضحة عليهم. كذلك آثار التعنيف. اثنان منهم تعرضا لصعق بالكهرباء. 6 شُبان قابلتهم. لأكتشف أن السابع كان فتى من الجنسية الفلسطينية يبلغ من العمر 13 سنة". 

وتضيف: "تبين أن كُل الإفادات التي أعطوها كانت تحت التعذيب. كانوا يقولون لهم ما يجب أن يقولوه. لذلك طلبت من الشباب أن يذكروا ما حصل معهم أثناء التحقيق خلال الإدلاء بإفاداتهم أمام الشرطة العسكرية. وعلى هذا الأساس أكدوا أن كُل ما اعترفوا به لدى المخابرات كان تحت التعذيب. كذلك طلبنا الطبيب الشرعي". 

بعد أسبوع من خروج الشباب من "المعتقل" إلى حريتهم. طلب قاضي التحقيق العسكري بيتر جرمانوس فتح تحقيق بما حصل. وطلب المباشرة فه من قبل فرع أول تحقيق في وزارة الدفاع اللبنانية، و"حين طلبوا من الشباب أن يذهبوا إلى الوزارة للإدلاء بإفاداتهم، رفضنا"، تقول الأمين، وتضيف: "رفضنا هذا الأمر لأنه مخالف لأحكام قانون التعذيب الذي يؤكد أنه لا يُسمح للضابطة العدلية أو أي جهاز مُتهم بالتعذيب أن يقوم هو بالتحقيق، وأرسلنا مذكرة لجرمانوس واستجاب لطلبنا، والآن الشباب في انتظار أن يُدلوا بشهاداتهم أمام قاضي تحقيق في المحكمة العسكرية ولكن الأمور الآن معلقة إلى حين عودة المحاكم لسير العمل الطبيعي". 

مخالفة للقوانين والقضاء غائب  

تتابع هيومن رايتس ووتش ما يحصل في لبنان عن كثب. لها الكثير من التحفظات على ممارسات الأجهزة الأمنية، كذلك على القضاء الذي لا يتحرك لوقف التمادي الحاصل في التحقيق وغير التحقيق. تقول الباحثة في المنظمة آية مجذوب لموقع "الحرة": "وثقنا الكثير من حالات التعذيب لكن السلطات القضائية لم تحقق فيها بشكل جدي، وللأسف ليس هناك أي محاسبة جدياً في لبنان خلافاً للقانون 65 الذي يُجرم التعذيب في لبنان". 

الباحثة في هيومن رايتس ووتش آيه المجذوب تتحدث عن القانون 65

من جهته، يقول المحامي فاروق المغربي لموقع "الحرة": "القضاء حين لا يتحمل مسؤوليته بشكل واضح، تحصل الانتهاكات كما حصل في صيدا وغيرها". هناك عشرات حالات التعذيب التي حصلت منذ 17 أوكتوبر حتى اليوم. التحقيق فيها لم يتحول ليكون جدياً إلى الآن.

المحامي فاروق المغربي يتحدث عن دور القضاء في الحد من عمليات التعذيب في لبنان

حاول محامون وبينهم المغربي أن يضغطوا لتطبيق القانون رقم 65 الذي يجرم التعذيب. حدث خرق بسيط لكن برأيه، ليس كافياً، لا بل الأمل في أن يتحقق شيء استثنائي يبقى بعيداً. في النهاية. "نحن في لبنان"، على حد تعبيره.

مصارف لبنان

في تحول تاريخي لعمل القطاع المصرفي اللبناني، أقرّ مجلس النواب الخميس تعديلات على قانون السرية المصرفية تسهّل للهيئات الناظمة الحصول على كامل المعلومات المتعلّقة بالحسابات.

جاءت الخطوة تلبية لمطلب رئيسي من مطالب صندوق النقد الدولي.

واعتبر رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، القرار "خطوة ضرورية نحو الإصلاح المالي المنشود وركيزة أساسية لأي خطة تعافٍ، ولكشف الحقائق" بشأن الأزمة المالية التي بدأت عام 2019.

والجمعة، نُشر في الجريدة الرسمية اللبنانية قانون تعديل بعض المواد المتعلقة بسرية المصارف في لبنان، بما في ذلك تعديل المادة 7 (هـ) و (و) من القانون المتعلق بسرية المصارف الذي أقرّ عام 1956، وكذلك تعديل المادة 150 من قانون النقد والتسليف الصادر في عام 1963، بموجب القانون رقم 306 الصادر في 28 تشرين الأول 2022.

وينص التعديل الجديد على تعديل المادة 7 (هـ) من القانون المتعلق بسرية المصارف بما يسمح بمشاركة معلومات مصرفية بين مصرف لبنان، ولجنة الرقابة على المصارف، والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، في إطار تعزيز مراقبة القطاع المصرفي وحماية النظام المالي. 

ويشمل التعديل أيضا صلاحيات تعديل وإنشاء مؤسسة مختلطة لضمان الودائع المصرفية.

أما المادة 7 (و) فتتيح للجهات المعنية، مثل مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، طلب معلومات مصرفية محمية بالسرية دون تحديد حساب أو عميل معين. ويتيح التعديل إصدار طلبات عامة للحصول على معلومات عن جميع الحسابات والعملاء، إلا أن هذه الطلبات يمكن أن تكون قابلة للاعتراض أمام قاضي الأمور المستعجلة، ويخضع الاعتراض للأصول القانونية المتعلقة بالاعتراض على العرائض.

وفي ما يتعلق بالمادة 150 من قانون النقد والتسليف، تضمن التعديل رفع السرية المصرفية بشكل كامل وغير مقيد أمام مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، بالإضافة إلى المدققين والمقيمين المعينين من قبل مصرف لبنان أو اللجنة.

وتشمل التعديلات الحسابات الدائنة والمدينة، سواء كانت ضمن أو خارج الميزانية، كما تتيح رفع السرية المصرفية عن سجلات ومستندات ومعلومات تعود إلى أشخاص معنويين أو حقيقيين يتعاملون مع المصارف أو المؤسسات المالية الخاضعة للرقابة. ويشمل تطبيق هذا التعديل بأثر رجعي لمدة عشر سنوات من تاريخ صدور القانون.

وقد شهد لبنان خلال الأسابيع الماضية نقاشات حادة، رأى فيها معارضون للخطوة أن هذا القانون ورفع السرية المصرفية طي لصفحة من تاريخ لبنان المالي العريق من خلال "إلغاء ميزة تفاضلية،" وبأن كشف الفساد ليس معطلاً بسبب السرية المصرفية.

ويرى المتحمسون للقانون أن من شأن التعديلات الجديدة تعزيز الشفافية في القطاع المصرفي في لبنان وتحسين مراقبة ومراجعة العمليات المصرفية، في وقت يشهد فيه القطاع المصرفي تحديات كبيرة في ظل الأزمة المالية المستمرة.

وأوضحت "المفكرة القانونية" وهي منظمة حقوقية غير حكومية، في بيان أصدرته أن التعديل يخوّل "الهيئات الرقابيّة والهيئات النّاظمة للمصارف، وتحديدًا مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والمؤسسة الوطنية لضمان الودائع، طلب الحصول على جميع المعلومات المصرفية، من دون أن يربط طلب المعلومات بأيّ هدف معيّن، وإمكانية التدقيق في الحسابات بالأسماء، تصحيحا لقانون 2022" والذي تضمن بعض التعديلات.

يعتمد لبنان السرية المصرفية منذ عام 1956، وكان لذلك أثر كبير في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الاستقرار الاقتصادي. وبموجب هذا القانون تلتزم المصارف الخاضعة لأحكامه السرية المطلقة، إذ لا يجوز كشف السر المصرفي سواء في مواجهة الجهات الخاصة أو السلطات العامة، وسواء كانت قضائية أو إدارية أو مالية، إلا في حالات معينة في القانون وردت على سبيل الحصر، وهي:

1- إذن العميل او ورثته خطيًا.
2- صدور حكم بإشهار افلاس العميل.
3- وجود نزاع قضائي بينه وبين البنك بمناسبة الروابط المصرفية. 
4- وجود دعاوى تتعلق بجريمة الكسب غير المشروع. 
5- توقف المصرف عن الدفع، إذ ترفع في هذه الحالة السرية المصرفية عن حسابات أعضاء مجلس الإدارة والمفوضين بالتوقيع ومراقبي الحسابات. 
6- الاشتباه في استخدام الأموال لغاية تبييضها، وعندها ترفع السرية المصرفية بقرار من هيئة التحقيق الخاصة لمصلحة المراجع القضائية المختصة والهيئة المصرفية العليا، وذلك عن الحسابات المفتوحة لدى المصارف أو المؤسسات المالية.

وبالفعل ومنذ إقرار هذا القانون ازدهر القطاع المصرفي اللبناني واستطاع جذب رؤوس أموال، لكن كل ذلك تغير مع اندلاع الحرب الأهلية في منتصف السبعينيات، وبدأت الليرة اللبنانية رحلة الانهيار. خمسة عشر عاما من الاقتتال، انتهت بتسويات سياسية، تبعها نظام اقتصادي جديد، قاده منذ عام 1993 الراحل رفيق الحريري رئيسا للحكومة، ورياض سلامة حاكما لمصرف لبنان المركزي، سعيا وراء الاستقرار. 

وبعد أربع سنوات من استلام منصبه، نجح سلامة في تثبيت سعر العملة اللبنانية، عند 1500 مقابل الدولار الأميركي.

استمرت تلك المعادلة أكثر من عقدين، لكنها كانت تحتاج إمدادات لا تنقطع من العملة الصعبة للمحافظة على استمرارها. وفي محاولة لسد العجز، سعت المصارف اللبنانية لجذب حصيلة كبيرة من العملة الخضراء عبر تقديم فوائد مرتفعة على الودائع الدولارية، فوائد تراوحت بين 15 و 16 في المئة.

نتيجة للفوائد البنكية المرتفعة، شهدت ودائع القطاع المصرفي اللبناني نمواً سنوياً وصل ذروته بقرابة 12 مليار دولار خلال عام 2009.

أغرت الفوائد العالية المقيمين والمغتربين، ليصل إجمالي الودائع في المصارف اللبنانية إلى أكثر من 177 مليار دولار في نهاية نوفمبر عام 2018. 

منذ عام 2017، تراجع الاحتياطي في خزينة مصرف لبنان، رغم محاولات جذب الدولار. وفي صيف عام 2019، لاحت بوادر صعوبة في توافر الدولار في الأسواق اللبنانية، فارتفع سعر صرفه مقابل الليرة للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاما، ما دفع الحكومة لاتخاذ إجراءات استثنائية. لكن البعض يرى أن تلك القرارات جاءت متأخرة.

في أكتوبر 2019، انفجر الشارع اللبناني مطالبا بإسقاط السلطة السياسية، وأغلقت المصارف أبوابها، لكن تقارير صحفية تحدثت عن عمليات تحويل لأرصدة ضخمة الى خارج البلاد.

في تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نُشر في صيف 2020، فإنه، وفقا لكبير موظفي الخدمة المدنية المالية السابق في لبنان ومدير عام وزارة المالية السابق ألان بيفاني، قام مصرفيون بتهريب ما يصل إلى 6 مليارات دولار من لبنان منذ  أكتوبر 2019، في تحايل على الضوابط التي تم إدخالها لوقف هروب رأس المال، مع غرق البلاد في أسوأ أزمة مالية منذ ثلاثين 30 عاما، بينما بات مصير مليارات الدولارات مجهولًا. 

بدأت الأزمة المالية بالظهور تدريجيا، لكنها انفجرت حرفيا منذ اندلاع الاحتجاجات في شهر أكتوبر عام 2019. وتشير تقارير رسمية إلى أن أموالا طائلة تصل إلى مليارات الدولارات تم تحويلها إلى الخارج، بينما تم حجز ودائع صغار زبائن البنوك، من دون ضمانات لحماية ودائع المواطنين، ولا سيولة نقدية.

وتقدر تقارير دولية والمصرف المركزي اللبناني أن ودائع صغار زبائن البنوك بحوالي 121 مليار دولار منها ودائع لغير المقيمين تُقدّر بـ20 مليار دولار، وأصحابها لبنانيون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون ومن دول الخليج، إضافة لودائع للسوريين، يقدر المصرفيون بأنها أكثر من 3 مليارات دولار.

وفيما تجري التحقيقات حول آلية تهريب الأموال، لم يصل المحققون المحليون ولا حتى الدوليون إلى جواب شاف، لكن كانت دائما "المصالح المتشابكة داخل النظام اللبناني" جزءا من الجواب.

وتعتبر البنوك اللبنانية مرآة للنظام من حيث التقسيم الطائفي، فغالبيتها تابعة لجهات سياسية ومقربين منها، الأمر الذيث كان واضحا في انعدام الرقابة على عمليات إدخال أموال حزب الله المهربة أو غير الشرعية إلى هذه البنوك، مما يعني عمليات تبييض وشرعنة لهذه الأموال.

منذ منذ عام 2001، وضعت الولايات المتحدة حزب الله على قائمة المنظمات الإرهابية، وفرضت عليه عقوبات ضمن خطة لمكافحة تمويل الإرهاب. وفي هذا الإطار صدر قانون مكافحة تبييض الأموال رقم 44، عام 2015، والذي لم يتم تعطبيقه، واكتفى مصرف لبنان بتعاميم، لم تغير واقع الحال.

بدأ لبنان في يناير 2022 مفاوضات رسمية مع صندوق النقد الذي طالما شدد على أنه لن يقدم أي دعم طالما لم تقرّ الحكومة إصلاحات على رأسها تصحيح الموازنة وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإصلاح المؤسسات العامة والتصدي للفساد المستشري.

وأعلن الصندوق في أبريل من العام ذاته اتفاقا مبدئيا على خطة مساعدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار على أربع سنوات، لكنّ تطبيقها كان مشروطا بإصلاحات لم يتم تنفيذ معظمها.

في سبتمبر عام 2024، أوقف الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، وهو حتى اليوم قيد التحقيق في اتهامات بغسيل الأموال وشراء وبيع سندات خزينة الحكومة اللبنانية. ومنذ انهيار حزب الله اللبناني، في حربه مع إسرائيل، وصعود ما سمي بالعهد الجديد، أقرت حكومة نواف سلام مشروع قانون لإعادة هيكلة المصارف، استجابةً لمطالب صندوق النقد الدولي، الذي اشترط تنفيذ إصلاحات جذرية، بينها رفع السرية المصرفية، كشرط أساسي لأي دعم مالي للبنان، كما تأتي في ظل إدراج مجموعة العمل المالي (FATF) لبنان على اللائحة الرمادية بسبب ثغرات خطيرة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

من المتوقع أن تسهم هذه التعديلات في تعزيز الشفافية المالية، ومكافحة الفساد وتبييض الأموال والتهرب الضريبي، كما يُتوقع أن تفتح الباب أمام إعادة هيكلة النظام المالي اللبناني بالكامل، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وتأمين الدعم المالي اللازم من الجهات المانحة.

إلا أن نجاح هذه الخطوة لا يقاس فقط بالكشف عن الحسابات، بل العبرة في التنفيذ في ظل نظام قضائي شبه مهترئ وتورط بعض من أصحاب النفوذ السياسي والمالي أنفسهم.

لبنان اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن يسلك طريق العهد الجديد الذي وعد به اللبنانيون، أو يظل الفساد العنوان الأبرز في سياسات لبنان المالية المقبلة.