ناشطو حراك تشرين في لبنان معرضون للاعتقال والتعذيب حتى الآن
ناشطو حراك تشرين في لبنان معرضون للاعتقال والتعذيب حتى الآن

تشن السلطات اللبنانية حملات اعتقال مكثفة تستهدف الناشطين المشاركين في الاحتجاجات المناهضة للفساد والطائفية واعتراضا على التدهور المالي، وآخر فصول هذه الاعتقالات، كان ما حدث في صيدا وعين الرمانة وطرابلس والبقاع الأوسط وغيرها.

وعمدت الأجهزة الأمنية، وتحديدا مخابرات الجيش، إلى اعتقال ناشطين، بعضهم اقتيد من منزله تحت جنح الظلام،  إلى مراكز تحقيق، إما في وزارة الدفاع أو في أفرع المخابرات، في بلد عانى كثيرا من قبضة الأجهزة الأمنية، بالرغم من كونه يصنف على أنه بلد ديمقراطي، إلا أن واقع الأمور يُشير إلى عكس ذلك.

 

 

شهادات عن التعذيب في لبنان بعد ثورة تشرين

منذ 17 أكتوبر 2019 إلى اليوم، عادت الأجهزة الأمنية إلى ممارسات اعتقد اللبنانيون أنها انتهت. اعتقالات وملاحقات بحق ناشطين تظاهروا وشاركوا في الاحتجاجات المستمرة ضد النظام اللبناني. الاعتقالات توزعت بين بيروت والمناطق كافة.

كثيرون لم يسلموا من هذه الاعتقالات التي كان جهاز مخابرات الجيش الطرف الأبرز فيها. شباب شاركوا في ثورة 17 تشرين خرجوا من أفرع الأمن بأضرار نفسية أكبر بكثير من الجسدية. بعضهم قرر أن يترك البلد فوراً، بعضهم الآخر قرر أن يبقى ويواجه. 

موقع "الحرة" حصل على شهادتين لناشطين خضعا لتحقيق مورس خلاله كُل أنواع التعذيب،  اعتقلا في 29 أبريل 2020 وأطلق سراحهما في 2 مايو  على 2020 على خلفية أعمال شغب حدثت في شارع المصارف في صيدا، جنوب لبنان.

الشابان قالا جزءاً بسيطاً مما حصل معهما أثناء الاعتقال، فيما رفض آخرون، لخوفهم من رد فعل الأمن، لأنهم هُددوا "إن تجرأوا على الحديث" بما حدث معهم أثناء الاعتقال. 

 

 

علاء عنتر يحكي شهادته على التعذيب لموقع الحرة

"دمروا مستقلبنا"

علاء عنتر، شاب من  صيدا، عمره 23 سنة، قرر المشاركة في انتفاضة 17 تشرين ليطالب بحقوقه بالحياة. تظاهر ضد "الجوع والفقر والموت على أبواب المستشفيات ولنواجه هذه السلطة التي حكمت بلدنا لأكثر من 30 سنة ولم تقدم لنا أي شيء، لا بل العكس، دمرت لنا مستقبلنا". علاء نزل ليقول: "نحن لم نعد نحتملكم. لقد خنقتمونا". 

قبل أن يروي علاء ما حصل معه، يُشدد على أنه كان حريصاً كُل الوقت على سلمية التحركات. لكن هذا لم يمنع الأجهزة الأمنية من اعتقاله.

على ساحة النجمة، كان عناصر الجيش يقفون بطريقة تمنع المتظاهرين من الوصول إلى الساحة. طلب علاء من عسكري يقف هناك أن يسمح له بالمرور، و ما هي إلا لحظات حتى يصل ضابط برفقة كثير من العناصر، ويقول له: "أنا أرصدك منذ زمن، سنُبرحك ضرباً.

"حمّلوه" بالشاحنة وتوجهوا به إلى مكان التوقيف. لمدة نصف ساعة، غالبية العناصر الذين كانوا في الشاحنة لم يوفروا أي مجهود عنفي إلا ومارسوه بحق علاء. كان يقول في قراره نفسه، "سيضربونني قليلاً حتى أصل إلى المركز". كان بينه وبين نفسه يحاول أن يسهّل الأمور على نفسه، يواسي نفسه. هو الشاب الذي "تربى في بيئة لا تحمل سوى المحبة والاحترام للجيش وعناصره". 

رحلته في الشاحنة كانت البداية. وصل إلى مركز اللواء الأول في صيدا ومنها إلى الأمن القومي. ليلتها لم يتعرض له أحد. سألوه عن علاقته بربيع الزين الذي أوقف أكثر من مرة من قبل الأجهزة الأمنية. قال لهم علاء: "أنا لا أعرفه. التقيته مرة في صيدا ولم يحصل أي حديث بيننا. تحدثت بصدق وصراحة". اعتقد علاء أن الأمور ستنتهي عند هذا الحد. يبيت ليلته ومن ثم يعود إلى منزله. 

يقول علاء: "أتفاجأ صباحاً أني أستيقظ على كلام بذيء كثيراً. ثُم بدأوا التحقيق معي. بدأوا فعلياً مشوار التعذيب والضرب والإهانة الجسدية والمعنوية". يسألونه ويجيب أنه لا يعرف.

يقول علاء: بدأوا بضربي ورميي على الأرض والدعس علي وصعقي بالكهرباء مع الكثير من الشتائم. استمروا على هذا الحال لأكثر من 5 ساعات. لم أعد أحتمل كمية الضرب التي تعرضت لها".

قرر علاء أن يُسمعهم ما يريدون:" أنا قاتل وإرهابي. سأقول كُل ما تريدون ولكن أتركوني أعود إلى أهلي". وحول التعذيب بالكهرباء، يقول: "يعتقدون أنها لعبة. يتسلون في صعقك كل الوقت، مرة على الأيدي ومرة على الرجلين أو الصدر. يتركها لثواني طويلة على جسمي. حين يوقفها، أصرخ. يطلبون أن تصعد الدرج، وطبعاً ليس هناك من درج". كانوا يمرحون.  

خرج علاء من "المعتقل" بعد ضغط الرأي العام وعمل جبار قامت به المحامية لمى الأمين. خرج علاء إلى المستشفى مباشرة. لم يكن يقدر على المشي جراء الضرب الذي تعرض له. قبل أن يُفرجوا عنه، هددوه: "إذا تحدثت عما جرى معك سنعود ونأتي بك مجدداً ونكرر ما فعلناه معك في الأيام الأربعة الماضية".

لدى الشرطة العسكرية، أنكر علاء ما اعترف به تحت التعذيب. قال لهم إن كُل كلمة قالها خلال الاعتقال كانت كذب كي يهرب من التعذيب. لكن علاء لن يتراجع، يقول: "كُل ما حصل معي لن يزيدنا سوى إصرار على أن نستمر في الاعتراض والوقوف ضد هذه السلطة التي جوعتنا. سنبقى في الساحات حتى ترحل هذه السلطة الفاسدة". 

 

"كأنني كيس ملاكمة"

محمد السمّور، 22 سنة، أيضاً لا يريد سوى العيش الكريم. يريد فرصة، للعمل. اعتقله الجيش من ساحة النجمة في صيدا، ومن هناك إلى ثكنة زغيب. في الثكنة حقق مع محمد جيش لبناني. كان المحققون غاية في الاحترام، سؤال وجواب. انتهوا سريعاً، ثُم نقلوه إلى فرع الأمن القومي. محمد ليس جديداً على الأمن القومي. اعتُقل أكثر من مرة، وقبل إطلاق سراحه كانوا يحرصون على أن يمضي تعهداً بعدم النزول إلى الشارع مجدداً. لكنه، "استمر بالنزول". 

 

محمد السمور يحكي شهادته عن التعذيب لموقع الحرة

لدى الأمن القومي كانت الأجواء مغايرة تماماً. بدأ التحقيق معه، والتحقيق لدى هذا الفرع عنوانه "الترهيب أولاً". استقبلوه بالسباب، تعصيب الأعين، ثم الضرب. 

هناك، يبدو من رواية محمد، كما رواية علاء، أن العناصر التي تُحقق، تعتبر أن ما تقوم به عبارة عن تسلية. يتفنون بتحويل الضحية إلى وسيلة يقتلون من خلالها الوقت أو يملأون فراغهم الكبير. يضحك المحققون بين بعضهم البعض، يطلبون من محمد أن يقفز، ثم يطالبونه بالاستمرار وحين يضجرون يقوم أحد المحققين بركل محمد وهو يقفز، ليقع على الأرض وهو طبعاً مكبل اليدين والرجلين ومعصب العينين، أي من دون أي وسيلة لحماية نفسه من السقوط. حماية رأسه تحديداً. يضع رجله على رأس الضحية، ويبدأ بسؤاله "أنت من رمى المولوتوف، أنت رشقت حجارة، أنت حطمت ممتلكات عامة"، يأتيه الجواب من محمد بالنفي، يُكمل الضرب بالعصا لأكثر من 5 ساعات. عملية تكررت طيلة فترة الاعتقال. 

انتهى وقت العصا. صعد المحققون بالمستوى، الكهرباء. الأسئلة نفسها مع فارق بسيط، بعد كُل "كلا" يقولها المتهم، هناك صعق بالكهرباء. هنا كان أمام محمد خياران، إما تحمّل ما لا قدرة لأحد على تحمله، أو أن يُسمع المحقق ما يريده. صار يسأله، يقوله له لا، يصعقه، يقول نعم فعلتها. وهكذا، تحت التعذيب والصعق والركل على أماكن حساسة، أخذ المحققون ما يريدونه. لكنهم لم يكتفوا، في يوم آخر، يقول محمد: "انهال علي باللكم وكأنني كيس ملاكمة، كسر لي ثلاثة من أسناني من دون أن يرف له جفن". 

بعد كُل هذا التعنيف، وقبل أن يخرج محمد، ذكره المُحقق "إذا تحدثت بما حصل معك، سنأتي بك لو كنت عند الأنبياء". 

 

رواية من الخارج 


المحامية لمى الأمين، هي أحد المحامين الذين تابعوا ما يحدث من اعتُقل في صيدا أواخر أبريل. حاولت أن تتابع الملف. مُنعت من دخول ثكنة زغيب حيث يتواجد المعتقلون. تواصلت مع نقيب المحامين ملحم خلف، الذي تحرك سريعاً فاستطاعوا أن يأخذوا إشارة بأن يدخلوا (بعد أيام من الاعتقال)، لكن طبعاً لم تستطع المحامية أن تدخل لترى المعتقلين وهم لدى المخابرات، أو الأمن القومي كما يقولون.

سُمح لها بالدخوال لدى الشرطة العسكرية، بعد نقل المعتقلين من عند المخابرات. تقول الأمين: "حين رأيت الشباب، كانت آثار الصدمة واضحة عليهم. كذلك آثار التعنيف. اثنان منهم تعرضا لصعق بالكهرباء. 6 شُبان قابلتهم. لأكتشف أن السابع كان فتى من الجنسية الفلسطينية يبلغ من العمر 13 سنة". 

وتضيف: "تبين أن كُل الإفادات التي أعطوها كانت تحت التعذيب. كانوا يقولون لهم ما يجب أن يقولوه. لذلك طلبت من الشباب أن يذكروا ما حصل معهم أثناء التحقيق خلال الإدلاء بإفاداتهم أمام الشرطة العسكرية. وعلى هذا الأساس أكدوا أن كُل ما اعترفوا به لدى المخابرات كان تحت التعذيب. كذلك طلبنا الطبيب الشرعي". 

بعد أسبوع من خروج الشباب من "المعتقل" إلى حريتهم. طلب قاضي التحقيق العسكري بيتر جرمانوس فتح تحقيق بما حصل. وطلب المباشرة فه من قبل فرع أول تحقيق في وزارة الدفاع اللبنانية، و"حين طلبوا من الشباب أن يذهبوا إلى الوزارة للإدلاء بإفاداتهم، رفضنا"، تقول الأمين، وتضيف: "رفضنا هذا الأمر لأنه مخالف لأحكام قانون التعذيب الذي يؤكد أنه لا يُسمح للضابطة العدلية أو أي جهاز مُتهم بالتعذيب أن يقوم هو بالتحقيق، وأرسلنا مذكرة لجرمانوس واستجاب لطلبنا، والآن الشباب في انتظار أن يُدلوا بشهاداتهم أمام قاضي تحقيق في المحكمة العسكرية ولكن الأمور الآن معلقة إلى حين عودة المحاكم لسير العمل الطبيعي". 

مخالفة للقوانين والقضاء غائب  

تتابع هيومن رايتس ووتش ما يحصل في لبنان عن كثب. لها الكثير من التحفظات على ممارسات الأجهزة الأمنية، كذلك على القضاء الذي لا يتحرك لوقف التمادي الحاصل في التحقيق وغير التحقيق. تقول الباحثة في المنظمة آية مجذوب لموقع "الحرة": "وثقنا الكثير من حالات التعذيب لكن السلطات القضائية لم تحقق فيها بشكل جدي، وللأسف ليس هناك أي محاسبة جدياً في لبنان خلافاً للقانون 65 الذي يُجرم التعذيب في لبنان". 

الباحثة في هيومن رايتس ووتش آيه المجذوب تتحدث عن القانون 65

من جهته، يقول المحامي فاروق المغربي لموقع "الحرة": "القضاء حين لا يتحمل مسؤوليته بشكل واضح، تحصل الانتهاكات كما حصل في صيدا وغيرها". هناك عشرات حالات التعذيب التي حصلت منذ 17 أوكتوبر حتى اليوم. التحقيق فيها لم يتحول ليكون جدياً إلى الآن.

المحامي فاروق المغربي يتحدث عن دور القضاء في الحد من عمليات التعذيب في لبنان

حاول محامون وبينهم المغربي أن يضغطوا لتطبيق القانون رقم 65 الذي يجرم التعذيب. حدث خرق بسيط لكن برأيه، ليس كافياً، لا بل الأمل في أن يتحقق شيء استثنائي يبقى بعيداً. في النهاية. "نحن في لبنان"، على حد تعبيره.

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.