كيندا الخطيب ناشطة معارضة لحزب الله - @elkhatibkinda
كيندا الخطيب ناشطة معارضة لحزب الله. | Source: @elkhatibkinda

تزامن خبر توقيف الأمن العام اللبناني للناشطة كيندا الخطيب بتهمة "التخابر والتعامل مع إسرائيليين"، مع إعلان الوكالة الوطنية للإعلام عن ادعاء القضاء اللبناني على رجل الدين، علي الأمين، أيضا بتهمة "لقاء مسؤولين إسرائيليين"، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على "سلاح العمالة" من جديد وانعدام الثقة بالسلطة والإعلام في هذا النوع من القضايا.

وفي حين لاتزال كيندا، المعروفة بمعارضتها لميليشيات حزب الله، قيد التوقيف بعد إصدار مذكرة وجاهية بحقها، اعتذرت الوكالة الوطنية عن الخبر المتعلق بالأمين إذ كشفت أنها نشرته إثر "زلة" غير مقصودة من مراسلها في تفسير مواد الادعاء، لتعود وتؤكد أن القضية تتعلق فقط بتهمة إثارة النعرات وليس العمالة.

لكن اللافت المشترك بين القضيتين كان التشكيك الكبير من قبل الرأي العام اللبناني برواية الأجهزة الأمنية والقضاء، الذي ظهر عبر التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث استعاد ناشطون قضية الممثل المسرحي زياد عيتاني. 

وكان عيتاني وقع ضحية واحدة من أكبر الفضائح الأمنية والقضائية والإعلامية في لبنان، أبطالها ضباط وعناصر في جهازي الأمن الداخلي وأمن الدولة، فبركوا لعيتاني ملف "العمالة لإسرائيل" وأجبروه تحت التعذيب على الاعتراف بها، وذلك بدوافع شخصية وسياسية، وبمساعدة وسائل إعلامية اعتمدت على تسريبات تلك الأجهزة، وروايتها حصراً في متابعتها للقضية.

انعدام المحاسبة 

المحامي فاروق مغربي، كان من الأشخاص الذين صدقوا رواية الأجهزة الأمنية والإعلام في قضية عيتاني، كشف، في تصريح لموقع "الحرة"، أنه رفض تولي القضية حين عرضت عليه. وقال: "كان دماغي مغسولاً بروايات الأجهزة الامنية والإعلام في حينها، كما حصل مع الرأي العام اللبناني بأسره". 

ويتساءل مغربي "أين المحاسبة في قضية زياد عيتاني؟ حتى الآن لم نر عنصرا أو ضابطا أو إعلاميا تمت محاسبتهم رغم أن لبنان بأسره بات يؤمن بمظلومية زياد عيتاني وفبركة ملفه، هل جرى استدعاء رتباء التحقيق لسؤالهم عن التعذيب الذي تعرض له؟ هل تم التدقيق بالتسريبات الإعلامية ومصدرها من داخل جهاز أمن الدولة؟ كل ذلك لم يحصل، ومن هنا بدأت أزمة الثقة بالدولة اللبنانية وأجهزتها".

الممارسات نفسها تتكرر مع الخطيب، معظم اللبنانيين بات مطلع على ملفها والإعلام يطلق أحكاماً وينتهك خصوصيتها، بحسب مغربي، الذي يؤكد أن مواد الادعاء والمسار القانوني هي معلومات سرية كشفها يعد مخالفة صريحة لقانون العقوبات، وبتسريبها يتم ضرب مبدأ أساسي من مبادئ العدالة القانونية، والذي يقول إن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، إضافة إلى الضغط الذي تشكله التسريبات على القضاء وحظوظ المتهم بمحاكمة عادلة دون ضغوط.

الشابة اللبنانية جنى أبو دياب، وقعت هي الأخرى عام 2017 ضحية ملف مفبرك لاتهامها بالعمالة، خسرت من حياتها 7 أشهر في السجن، بعد أن أوقفها الأمن العام بناء على "معلومة وصلته"، قبل أن يطلق القضاء سراحها بحكم براءة من كل التهم المنسوبة إليها. 

ومنذ 2017، تحاول جنى أن تصل إلى مصدر المعلومة التي سجنت على أساسها، وذلك لمعرفتها بـ"الجهة السياسية" التي فبركت ملفها، وحاجتها لإثبات رسمي على ذلك يساعدها في محسبتهم، دون نتيجة أو تجاوب من قبل السلطات اللبنانية، لا وزيرة الداخلية في حينها ريا الحسن ولا غيرها استطاعوا أن "يمونوا على الأمن العام"، رغم إقرار قانون حق الوصول إلى المعلومات في لبنان، إلا أن الأمن العام "يتذرع بالأمن القومي لحجب مصدر المعلومة"، على حد تعبير جنى في تصريحها لموقع "الحرة". 

القضاء المسؤول الأول ولا تعويضات للضحايا!

لو كان القضاء اللبناني قد لعب دوره بملاحقة هذه الممارسات والتجاوزات ومحاسبة مرتكبيها ومسربي التحقيقات للإعلام، لكانت توقفت هذه الممارسات، وفق ما يؤكد المحامي مغربي، مضيفاً أن "الأجهزة الأمنية لا تحقق دون إشارة قضائية وبالتالي ليست مسؤولية الأجهزة، إنما مسؤولية القضاء متابعة التجاوزات ومحاسبة الأجهزة عليها لعدم تكرارها، لكن علينا أن نحسم بداية إما أن تأتمر الأجهزة الأمنية بالقضاء وإما أن يبقى القضاء خاضعاً للأجهزة الأمنية".

يستشهد مغربي بقضيتي الخطيب والأمين، متسائلاً عن سبب "عدم ممارسة مفوض الحكومة لدوره باستجواب الأمن العام حول تسريب التحقيقات الذي حصل، ومن يحاسب الوكالة الوطنية للإعلام على هذا التشويه؟ من يعوض على هؤلاء الضحايا عن كل تلك الانتهاكات؟".

لم يتم تعويض أبو دياب على أشهر السجن والتعذيب والظلم الذي تعرضت له، حتى الوسائل الإعلامية التي تناولت توقيفها وخصوصيتها وتبنت اتهامها لم تقدم المساحة والتغطية نفسها لخبر براءتها، بحسب ما تؤكد في حديثها لموقعنا.

والامر نفسه ينسحب على عيتاني، ومن قبلهما مهندس الاتصالات طارق الربعة الذي قضى 4 سنوات في السجن بعد اعتقاله في يوليو عام 2010 بتهمة "التعامل مع إسرائيل" بناءً على تحقيق أجرته مخابرات الجيش في شركة الاتصالات "ألفا". 

وخرج الربعة من بعدها بريئاً هو الآخر من التهم الموجهة إليه في المحكمة العسكرية، دون أي تعويض عن الأضرار المعنوية والمادية التي لحقت به، ولم يتم النظر أو التحقيق بتقارير منظمات حقوقية عدة في حينها، أكدت تعرضه للتعذيب في الأقبية الامنية اللبنانية من أجل انتزاع اعترافات منه.

تولي المحكمة العسكرية، وهي محكمة استثنائية، النظر بهذه القضايا يساهم أيضاً في ضعف الثقة بآلية المحاكمة وسلامة التحقيقات، فبحسب مغربي "هذه المحاكم الكائنة ضمن ثكنات عسكرية خاضعة للمراقبة والتدقيق العسكري إلى حد يمنع علينا حتى اصطحاب هواتفنا كمحامين داخلها، وتضم قضاة عسكريين بينهم قاضٍ مدني واحد، بينما تتبع لوزارة الدفاع اللبنانية، كيف لها أن تؤمّن مسار عدالة طبيعي للمدنيين؟".

استثمار سياسي وجيوش إلكترونية تصدر الأحكام! 

الاستثمار السياسي السريع من قبل الجيوش الإلكترونية لحزب الله في قضايا الخطيب والأمين، المعروفان بمعارضتهما للحزب، ساهم في إضفاء بعد انتقامي على الاتهام وأبعده عن المسار القضائي أمام الرأي العام، إذ أصدرت تلك الجيوش حكمها الكيدي على معارضيها وأطلقت وسوم #علي الأمين عميل و #كيندا الخطيب عميلة. 

وعملت أيضا هذه الجيوش على تجييش الرأي العام ضد المتهمين عبر بث مكثف للمحتوى التحريضي وتلفيق اتهامات، وتسخير الإعلام المحسوب على حزب الله في سبيل هذا الهدف، حتى وصل الأمر بقناة "المنار" التابعة لحزب الله إلى بث تقرير اتهامي مارست فيه لعبة "التسريبات الإعلامية" في قضية الخطيب.

وفي هذا السياق، يشير المحامي فاروق مغربي إلى أن استراتيجية الاغتيال الإعلامي وضرب صورة المتهم لدى الرأي العام، معتمدة من قبل الكثير من الدول القمعية، وذلك بهدف تجريده من التعاطف الشعبي وعرقلة حصوله على الحق بدفاع عادل. 

وتم استخدام هذا الأسلوب إبان مرحلة الوصاية السورية على لبنان لقمع المعارضين، واستمر حتى اليوم، فبحسب مغربي "واقع لبنان لا يختلف عن واقع نظام البعث في سوريا". 

ولطالما استخدم حزب الله ومؤيدوه سلاح "التخوين" في تعاطيهم مع خصوهم ومعارضيهم، وينسحب هذا الأمر على التصريحات السياسية ومواقع التواصل الاجتماعي على حد سواء، وقد ظهر أسلوب التخوين جلياً في مرحلة النزاع بين فريقي "8 آذار"، وعلى رأسه حزب الله، و"14 آذار" بعد الانسحاب السوري من لبنان، حين أصبحت تهمة العمالة جزءاً من قاموس التخاطب السياسي لقوى الثامن من آذار. 

واستمر هذا النهج خلال مشاركة حزب الله في الحرب السورية وصولا إلى التخوين الذي طال المتظاهرين المشاركين في "ثورة 17 تشرين"، وفي المقابل ظهرت استنسابية التعاطي مع هذه التهمة حينما طالت حلفاء سياسيين لحزب الله، كما هي الحال في قضية فايز كرم وهو قيادي في التيار الوطني الحر حليق حزب الله، وهو ما أفقد هذه التهمة حرمتها لدى الرأي العام اللبناني. 

وتعبر أبو دياب عن قناعتها بأن الهدف النهائي من اتهامها كان تشويه صورتها وسمعتها و"تكسير رأسها"، على حد تعبيرها، وهذا كان دور الحملة الممنهجة إعلاميا وعلى وسائل التواصل الاجتماعي التي طالتها بشائعات وسيناريوهات مختلقة، لم يعتذر أحد عنها واكتفت المواقع الإعلامية بحذف الأخبار بعد صدور حكم البراءة.  

وتكشف أبو دياب عن استنسابية لمستها في الاتهام والإدانة في لبنان، إذ تم بناء اتهامها على لقائها بأحد الحاخامات، تقول جنى "هو نفسه زار جنوب لبنان والتقى قيادات في حزب الله لكونه معروف بتأييده للقضية الفلسطينية، كذلك بالنسبة للأحزاب التي تدخل أفراداً من عرب الـ48 للمشاركة في مؤتمرات سياسية في لبنان، والأمر نفسه مع المؤسسات الدينية التي تنظم زيارات دينية من فلسطين إلى لبنان وبالعكس، لماذا تتم محاكمة الناشطين بهذه التهم فيما يتم غض النظر عن كل ما سبق؟".

حتى التسريب الإعلامي بالنسبة إلى أبو دياب يخضع للاستنسابية، إذ تؤكد رصدها للكثير من الحالات المتهمة، وبعضهم كان بريئاً أيضاً، ممن لم يظهروا حتى في الإعلام ولم يعرف أحد بهم، وهذا ما يؤكد دور التشهير المراد من التسريب. 

رغم براءتها، لا تعبر أو دياب عن اطمئنانها لما يجري في لبنان من ممارسات، متوقعة أن يتكرر معها السيناريو نفسه في أي لحظة يراد فيها قمع نشاطها، كما يحصل مع غيرها الآن، لا ثقة لديها بالدولة ولا بالإعلام اللبناني، ولا تلوم اللبنانيين على انعدام ثقتهم، على حد تعبيرها.

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".