تزامن خبر توقيف الأمن العام اللبناني للناشطة كيندا الخطيب بتهمة "التخابر والتعامل مع إسرائيليين"، مع إعلان الوكالة الوطنية للإعلام عن ادعاء القضاء اللبناني على رجل الدين، علي الأمين، أيضا بتهمة "لقاء مسؤولين إسرائيليين"، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على "سلاح العمالة" من جديد وانعدام الثقة بالسلطة والإعلام في هذا النوع من القضايا.
وفي حين لاتزال كيندا، المعروفة بمعارضتها لميليشيات حزب الله، قيد التوقيف بعد إصدار مذكرة وجاهية بحقها، اعتذرت الوكالة الوطنية عن الخبر المتعلق بالأمين إذ كشفت أنها نشرته إثر "زلة" غير مقصودة من مراسلها في تفسير مواد الادعاء، لتعود وتؤكد أن القضية تتعلق فقط بتهمة إثارة النعرات وليس العمالة.
لكن اللافت المشترك بين القضيتين كان التشكيك الكبير من قبل الرأي العام اللبناني برواية الأجهزة الأمنية والقضاء، الذي ظهر عبر التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث استعاد ناشطون قضية الممثل المسرحي زياد عيتاني.
وكان عيتاني وقع ضحية واحدة من أكبر الفضائح الأمنية والقضائية والإعلامية في لبنان، أبطالها ضباط وعناصر في جهازي الأمن الداخلي وأمن الدولة، فبركوا لعيتاني ملف "العمالة لإسرائيل" وأجبروه تحت التعذيب على الاعتراف بها، وذلك بدوافع شخصية وسياسية، وبمساعدة وسائل إعلامية اعتمدت على تسريبات تلك الأجهزة، وروايتها حصراً في متابعتها للقضية.
انعدام المحاسبة
المحامي فاروق مغربي، كان من الأشخاص الذين صدقوا رواية الأجهزة الأمنية والإعلام في قضية عيتاني، كشف، في تصريح لموقع "الحرة"، أنه رفض تولي القضية حين عرضت عليه. وقال: "كان دماغي مغسولاً بروايات الأجهزة الامنية والإعلام في حينها، كما حصل مع الرأي العام اللبناني بأسره".
ويتساءل مغربي "أين المحاسبة في قضية زياد عيتاني؟ حتى الآن لم نر عنصرا أو ضابطا أو إعلاميا تمت محاسبتهم رغم أن لبنان بأسره بات يؤمن بمظلومية زياد عيتاني وفبركة ملفه، هل جرى استدعاء رتباء التحقيق لسؤالهم عن التعذيب الذي تعرض له؟ هل تم التدقيق بالتسريبات الإعلامية ومصدرها من داخل جهاز أمن الدولة؟ كل ذلك لم يحصل، ومن هنا بدأت أزمة الثقة بالدولة اللبنانية وأجهزتها".
الممارسات نفسها تتكرر مع الخطيب، معظم اللبنانيين بات مطلع على ملفها والإعلام يطلق أحكاماً وينتهك خصوصيتها، بحسب مغربي، الذي يؤكد أن مواد الادعاء والمسار القانوني هي معلومات سرية كشفها يعد مخالفة صريحة لقانون العقوبات، وبتسريبها يتم ضرب مبدأ أساسي من مبادئ العدالة القانونية، والذي يقول إن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، إضافة إلى الضغط الذي تشكله التسريبات على القضاء وحظوظ المتهم بمحاكمة عادلة دون ضغوط.
الشابة اللبنانية جنى أبو دياب، وقعت هي الأخرى عام 2017 ضحية ملف مفبرك لاتهامها بالعمالة، خسرت من حياتها 7 أشهر في السجن، بعد أن أوقفها الأمن العام بناء على "معلومة وصلته"، قبل أن يطلق القضاء سراحها بحكم براءة من كل التهم المنسوبة إليها.
ومنذ 2017، تحاول جنى أن تصل إلى مصدر المعلومة التي سجنت على أساسها، وذلك لمعرفتها بـ"الجهة السياسية" التي فبركت ملفها، وحاجتها لإثبات رسمي على ذلك يساعدها في محسبتهم، دون نتيجة أو تجاوب من قبل السلطات اللبنانية، لا وزيرة الداخلية في حينها ريا الحسن ولا غيرها استطاعوا أن "يمونوا على الأمن العام"، رغم إقرار قانون حق الوصول إلى المعلومات في لبنان، إلا أن الأمن العام "يتذرع بالأمن القومي لحجب مصدر المعلومة"، على حد تعبير جنى في تصريحها لموقع "الحرة".
القضاء المسؤول الأول ولا تعويضات للضحايا!
لو كان القضاء اللبناني قد لعب دوره بملاحقة هذه الممارسات والتجاوزات ومحاسبة مرتكبيها ومسربي التحقيقات للإعلام، لكانت توقفت هذه الممارسات، وفق ما يؤكد المحامي مغربي، مضيفاً أن "الأجهزة الأمنية لا تحقق دون إشارة قضائية وبالتالي ليست مسؤولية الأجهزة، إنما مسؤولية القضاء متابعة التجاوزات ومحاسبة الأجهزة عليها لعدم تكرارها، لكن علينا أن نحسم بداية إما أن تأتمر الأجهزة الأمنية بالقضاء وإما أن يبقى القضاء خاضعاً للأجهزة الأمنية".
يستشهد مغربي بقضيتي الخطيب والأمين، متسائلاً عن سبب "عدم ممارسة مفوض الحكومة لدوره باستجواب الأمن العام حول تسريب التحقيقات الذي حصل، ومن يحاسب الوكالة الوطنية للإعلام على هذا التشويه؟ من يعوض على هؤلاء الضحايا عن كل تلك الانتهاكات؟".
لم يتم تعويض أبو دياب على أشهر السجن والتعذيب والظلم الذي تعرضت له، حتى الوسائل الإعلامية التي تناولت توقيفها وخصوصيتها وتبنت اتهامها لم تقدم المساحة والتغطية نفسها لخبر براءتها، بحسب ما تؤكد في حديثها لموقعنا.
والامر نفسه ينسحب على عيتاني، ومن قبلهما مهندس الاتصالات طارق الربعة الذي قضى 4 سنوات في السجن بعد اعتقاله في يوليو عام 2010 بتهمة "التعامل مع إسرائيل" بناءً على تحقيق أجرته مخابرات الجيش في شركة الاتصالات "ألفا".
وخرج الربعة من بعدها بريئاً هو الآخر من التهم الموجهة إليه في المحكمة العسكرية، دون أي تعويض عن الأضرار المعنوية والمادية التي لحقت به، ولم يتم النظر أو التحقيق بتقارير منظمات حقوقية عدة في حينها، أكدت تعرضه للتعذيب في الأقبية الامنية اللبنانية من أجل انتزاع اعترافات منه.
تولي المحكمة العسكرية، وهي محكمة استثنائية، النظر بهذه القضايا يساهم أيضاً في ضعف الثقة بآلية المحاكمة وسلامة التحقيقات، فبحسب مغربي "هذه المحاكم الكائنة ضمن ثكنات عسكرية خاضعة للمراقبة والتدقيق العسكري إلى حد يمنع علينا حتى اصطحاب هواتفنا كمحامين داخلها، وتضم قضاة عسكريين بينهم قاضٍ مدني واحد، بينما تتبع لوزارة الدفاع اللبنانية، كيف لها أن تؤمّن مسار عدالة طبيعي للمدنيين؟".
استثمار سياسي وجيوش إلكترونية تصدر الأحكام!
الاستثمار السياسي السريع من قبل الجيوش الإلكترونية لحزب الله في قضايا الخطيب والأمين، المعروفان بمعارضتهما للحزب، ساهم في إضفاء بعد انتقامي على الاتهام وأبعده عن المسار القضائي أمام الرأي العام، إذ أصدرت تلك الجيوش حكمها الكيدي على معارضيها وأطلقت وسوم #علي الأمين عميل و #كيندا الخطيب عميلة.
وعملت أيضا هذه الجيوش على تجييش الرأي العام ضد المتهمين عبر بث مكثف للمحتوى التحريضي وتلفيق اتهامات، وتسخير الإعلام المحسوب على حزب الله في سبيل هذا الهدف، حتى وصل الأمر بقناة "المنار" التابعة لحزب الله إلى بث تقرير اتهامي مارست فيه لعبة "التسريبات الإعلامية" في قضية الخطيب.
وفي هذا السياق، يشير المحامي فاروق مغربي إلى أن استراتيجية الاغتيال الإعلامي وضرب صورة المتهم لدى الرأي العام، معتمدة من قبل الكثير من الدول القمعية، وذلك بهدف تجريده من التعاطف الشعبي وعرقلة حصوله على الحق بدفاع عادل.
وتم استخدام هذا الأسلوب إبان مرحلة الوصاية السورية على لبنان لقمع المعارضين، واستمر حتى اليوم، فبحسب مغربي "واقع لبنان لا يختلف عن واقع نظام البعث في سوريا".
ولطالما استخدم حزب الله ومؤيدوه سلاح "التخوين" في تعاطيهم مع خصوهم ومعارضيهم، وينسحب هذا الأمر على التصريحات السياسية ومواقع التواصل الاجتماعي على حد سواء، وقد ظهر أسلوب التخوين جلياً في مرحلة النزاع بين فريقي "8 آذار"، وعلى رأسه حزب الله، و"14 آذار" بعد الانسحاب السوري من لبنان، حين أصبحت تهمة العمالة جزءاً من قاموس التخاطب السياسي لقوى الثامن من آذار.
واستمر هذا النهج خلال مشاركة حزب الله في الحرب السورية وصولا إلى التخوين الذي طال المتظاهرين المشاركين في "ثورة 17 تشرين"، وفي المقابل ظهرت استنسابية التعاطي مع هذه التهمة حينما طالت حلفاء سياسيين لحزب الله، كما هي الحال في قضية فايز كرم وهو قيادي في التيار الوطني الحر حليق حزب الله، وهو ما أفقد هذه التهمة حرمتها لدى الرأي العام اللبناني.
وتعبر أبو دياب عن قناعتها بأن الهدف النهائي من اتهامها كان تشويه صورتها وسمعتها و"تكسير رأسها"، على حد تعبيرها، وهذا كان دور الحملة الممنهجة إعلاميا وعلى وسائل التواصل الاجتماعي التي طالتها بشائعات وسيناريوهات مختلقة، لم يعتذر أحد عنها واكتفت المواقع الإعلامية بحذف الأخبار بعد صدور حكم البراءة.
وتكشف أبو دياب عن استنسابية لمستها في الاتهام والإدانة في لبنان، إذ تم بناء اتهامها على لقائها بأحد الحاخامات، تقول جنى "هو نفسه زار جنوب لبنان والتقى قيادات في حزب الله لكونه معروف بتأييده للقضية الفلسطينية، كذلك بالنسبة للأحزاب التي تدخل أفراداً من عرب الـ48 للمشاركة في مؤتمرات سياسية في لبنان، والأمر نفسه مع المؤسسات الدينية التي تنظم زيارات دينية من فلسطين إلى لبنان وبالعكس، لماذا تتم محاكمة الناشطين بهذه التهم فيما يتم غض النظر عن كل ما سبق؟".
حتى التسريب الإعلامي بالنسبة إلى أبو دياب يخضع للاستنسابية، إذ تؤكد رصدها للكثير من الحالات المتهمة، وبعضهم كان بريئاً أيضاً، ممن لم يظهروا حتى في الإعلام ولم يعرف أحد بهم، وهذا ما يؤكد دور التشهير المراد من التسريب.
رغم براءتها، لا تعبر أو دياب عن اطمئنانها لما يجري في لبنان من ممارسات، متوقعة أن يتكرر معها السيناريو نفسه في أي لحظة يراد فيها قمع نشاطها، كما يحصل مع غيرها الآن، لا ثقة لديها بالدولة ولا بالإعلام اللبناني، ولا تلوم اللبنانيين على انعدام ثقتهم، على حد تعبيرها.