بطريرك الموارنة: لبنان اليوم يواجه أعظم الأخطار
بطريرك الموارنة: لبنان اليوم يواجه أعظم الأخطار

قبل نحو أربعة أشهر، كتب الوزير السابق، ملحم رياشي، عضو حزب القوات اللبنانية، مقالا عن أهمية الحياد اللبناني في هذا الظرف الاستثنائي، حيث تضرب لبنان أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية غير مسبوقة.
 
المقال على ما يبدو فتح النقاش على مصراعيه مع مراكز أبحاث وشخصيات سياسية وسفارات، التي اعتبرته إشارة من رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع.

سفير الفاتيكان أيضا بدأ يسأل ويتحرى موضوع الحياد وتبعاته وأهميته.

بقيت الاتصالات والتحركات خلف الكواليس، إلى أن قرر البطريرك الماروني بشارة الراعي، في عظة الأحد 5 يوليو، أن يحمل سلاح الحياد. وقال الراعي من الديمان (مقره الصيفي): "نتوجه إلى منظمة الأمم المتحدة للعمل على إعادة تثبيت استقلال لبنان ووحدته، وتطبيق القرارات الدولية، وإعلان حياده".

واعتبر الراعي أن حياد لبنان هو "ضمان وحدته وتموضعه التاريخي في هذه المرحلة المليئة بالتغييرات الجغرافية والدستورية"، مضيفا أن "حياد لبنان هو قوته وضمانة دوره في استقرار المنطقة والدفاع عن حقوق الدول العربية وقضية السلام".

وبحسب مصادر مقربة من "البطريركية الأنطاكية السريانية المارونية" (بكركي)، فإن الراعي ينطلق في هذا المطلب من الأسس التي تشكل الخلفية العميقة للكنيسة، والتي صارت مهددة اليوم بسبب الفقر والجوع، وهي المدارس والمصارف والمستشفيات والموارنة في لبنان.

ويخاف المسيحيون اليوم من واقع الحال الذي وصلوا إليه، فاستطلاعات الرأي تشي بأن نسبة موزونة منهم بدأت تتحضر للهجرة، وأن 13 ألفا من الصبية والشباب لدى الروم الملكيين الكاثوليك يريدون الرحيل، وهي نسبة تعتبر مرتفعة للغاية إذا ما عممت على الطوائف المسيحية الأخرى.

أمام هذا الواقع، تقول المصادر: "اعتبر البطريرك أننا أمام ثلاثة خيارات، وهي الهجرة، أو المواجهة مع حزب الله الذي يأخذ لبنان إلى محور معاد للولايات المتحدة، أو الوقوف على نقطة وسطية بين إيران وأميركا، عبر الحياد، فنحمي بذلك كل اللبنانيين بما فيهم بيئة حزب الله".

ويقول أحد الذين يعملون على موضوع الحياد لـ"موقع الحرة" إن "لا أحد يسأل عن لبنان في المعركة، وهناك اتجاه لأن نكون ورقة في التفاوض على أثر نهاية الصراع، لكن اللبنانيين لا يستطيعون الصمود، ولذلك مشروع بكركي هو إنقاذ لبنان من براثن الصراع الحاصل في المنطقة"، ويضيف أن "المشروع ليس لغلبة طائفة على أخرى، بل لتحييد لبنان عن الصراع".

 الأربعاء المنصرم، في 15 يوليو، وبعد 10 أيام من طرحه موضوع الحياد والإشارات غير المشجعة التي أطلقها رئيس الجمهورية، ميشال عون، في هذا الخصوص، زار الراعي بعبدا. 

وتقول معلومات موقع "الحرة" إن "عون سأل البطريرك ماذا ستفعل مع الطائفة الشيعية؟ فرد الراعي بالطلب من عون بأن يتكلم معهم، فأجاب الأخير بأنهم لن يتراجعوا، فما كان من البطريرك إلا أن قال إنه سيتولى هو الحديث معهم، وبعدها زار السفير الإيراني في لبنان الراعي في الديمان".

وتوضح المصادر بأنه "لا خريطة طريق لدى البطريرك، لكنه يدرك أنه إذا لم يكن هناك حياد، فهناك جوع. إما الحياد أو الجوع ولا خيار آخر". 

وتضيف أن "زيارة سفيري السعودية والإمارات إلى الديمان تأتي في الاتجاه نفسه، وهو دعم موقف البطريرك". 

وتفيد المعلومات بأن مصر كانت تحضر لشيء ما في السياق نفسه، ولكن أتت أحداث ليبيا لتؤخره.

في المقابل، لا يتفق الوزير السابق، سجعان قزي، مع الرأي القائل إن لا خريطة لدى البطريرك. ويقول قزي، وهو اليوم مقرب جدا من الراعي إن "خارطة الطريق موجودة ومبرمجة على مراحل وهي تحظى بتأييد الفاتيكان والمجتمع الدولي".

ويرى قزي "أننا وصلنا إلى الاستحقاق النهائي. البطريرك الراعي وجد أنه في كل محطة تاريخية، لبكركي كلمتها. من تأسيس لبنان إلى استقلاله، وقراره اليوم بالحياد لا يقل شأنا عن إعلان دولة لبنان الكبير والاستقلال، لأن الحياد اليوم هو بكل بساطة إنقاذ لبنان من التقسيم".

وكان موضوع التقسيم أو الفدرالية طُرح بشكل كبير خلال الأشهر الماضية، ولا سيما في الأوساط المسيحية، خاصة المتمولين والتجار الكبار، الذين اعتبروا أنه لا يمكنهم أن يدفعوا في كل مرة الثمن نيابة عن الجميع، وأوصلوا هواجسهم للبطريرك وللفاتيكان، وكان حينها، وبحسب المعلومات، الوزير السابق جبران باسيل مرحبا من تحت الطاولة، كما أنه في إحدى لقاءاته، قال لأحد الوزراء إنه "جلب للمسيحيين مرفأ ومعمل كهرباء إلى مناطقهم وغيرهما الكثير"، في إشارة إلى أنه بإمكانهم إدارة مناطقهم بأنفسهم. 

واقع الأمور أن لا أحد في لبنان يتحدث بصراحة عن التقسيم، لكن الحديث عن تحييد لبنان أو حياده، سيكون أكثر قبولا لدى الشرائح كافة. يقول قزي: "لبنان كما هو اليوم وبالنظر إلى التحولات في الشرق الأوسط، سيكون في الخريطة نفسها التي يعمل عليها، وبالتالي لإنقاذه وإنقاذ نظامه البرلماني، لا بد من الحياد الذي وحده يؤمن الاستقرار".

الحياد كعنوان، يبدو إلى الآن أنه يجمع غالبية الأحزاب من كل الطوائف إلا الطائفة الشيعية التي كان لها ردها المباشر على كلام الراعي. 

ويقول المفتي الجعفري الممتاز، الشيخ أحمد قبلان، إن "هذا البلد لا يقبل البيع، وعلى البعض أن يدرك حقيقة أننا كشيعة، أكثرية ‏مكونة في هذا الوطن، ثم الشريك الأول والرئيسي لكل من طرأ عليه، وتشاركنا معه الخبز ‏والملح رغما عن زيف ألاعيب العثماني والانتداب الفرنسي، كنا ولانزال ولن نقبل أي رشوة أو تهديد أو صفقة أو لقاء عنوانه بيع البلد أو تقديمه هدية ‏سياسية تحت أي اسم كان".

لكن بالرغم من حديث قبلان المباشر والعنيف، لا يبدو أن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، قد أقفل الباب نهائيا في هذا السياق، بل هو يرسل، كما تقول المعلومات، إشارات إيجابية حول الحياد في أكثر من اتجاه، فيما يبقى حزب الله أكثر تصلبا، كونه يرى أن طرح الموضوع في هذا التوقيت، يستهدفه بشكل مباشر ويستهدف سلاحه.

وفي هذا السياق، يقول قزي: "الشيعة ليسوا كل لبنان وإنما جزء. وحزب الله وحركة أمل ليسوا كل الشيعة بل هم أكثرية ضمن الطائفة"، ويضيف: "إذا الحزب عارض مشروع الحياد، فنحن نحترم معارضته، ولكن حذار أن تحول معارضته إلى هجوم على الكنيسة والبطريرك الراعي".

يعتبر البطريرك الراعي في إحدى عظاته أن "نظام الحياد يقتضي وجود دولة قوية بجيشها ومؤسساتها وقانونها وعدالتها، وقادرة على الدفاع عن نفسها وشد أواصر وحدة شعبها، وخلق الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي". وتدعو مصادر قريبة من "بكركي" إلى "حياد مسلح على الطريقة السويسرية".

أفكار كثيرة حول الحياد ولكنها مبعثرة في الوقت الحاضر. 

ويقول قزي إن "الحياد أقوى من سلاح حزب الله لأن عليه إجماع كبير، أما السلاح فهو محل خلاف بين اللبنانيين". 

ويضيف أن لبنان اليوم "بعيد عن العرب وعن فلسطين، ألهوه بالفساد والسلاح غير الشرعي، فيما لبنان المحايد قادر على أن يخدم قضايا حقوق الإنسان في العالم العربي".

الحديث عن إجماع كبير حول الحياد، يأتي مقرونا بتواصل متنوع بين الأحزاب الكبرى والفاعلة والبطريرك.

سعد الحريري، كما تقول أوساط بيت الوسط، مع كلام البطريرك إلى أبعد حدود. وليست زيارته مؤخرا لبكركي ولقاؤه البطريرك سوى تأكيد على ذلك. كذلك الاشتراكي، الذي أرسل أكثر من إشارة في هذا الإطار، هو مع دعوة البطريرك، مع حرصه على ألا يتحول هذا الأمر إلى محل خلاف بين اللبنانيين.

من جهته، يحضر حزب القوات اللبنانية لمبادرة في السياق نفسه، تكون مساندة لدعوة الراعي من دون أن تتخطاه، كما تقول أوساطه. كذلك تشدد الكتائب على "أهمية طرح الحياد ليتحرر لبنان من أوزار المحاور التي حاولت كل الأطراف زجه فيها على مر السنين". فيما لا يمانع التيار الوطني الحر موضوع الحياد طالما هو ليس في مواجهة مباشرة مع حليفه الأول، حزب الله.

ويروج البعض أن زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان تأتي في إطار مساعدة لبنان والتأكيد على الاهتمام والدعم الفرنسي له. 

لكن واقع الحال قد لا يكون مطابقا أو حتى قريبا مما يروج له، إذ تشير المعلومات إلى أن الموفد الفرنسي يحمل في أجندته ثلاثة أمور، دعم فرنسا المباشر للمدارس المرتبطة بها، و"سيدر" لن يعود إلى الحياة إلا بعد إصلاحات كبيرة وعميقة، وأخيرا، رسالة إلى أنه من غير المسموح المس بقوّات اليونيفيل العاملة في لبنان. 

في انتظار تبلور خطة واضحة لما تنويه بكركي، يقول قزي المتمسك بمطلب الحياد: "لا لأي التزام عسكري وسياسي تجاه أي قضية عربية. لبنان أدى قسطه في هذا المجال ولا يستطيع أن يقدم أكثر".
 

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".