الرئيس اللبناني يعد من أبرز حلفاء حزب الله.
الرئيس اللبناني يعد من أبرز حلفاء حزب الله.

يجهد حزب الله في تصوير الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت على أنها "جزيرة معزولة" عن محيطها الذي يعاني أزمة اقتصادية وآلية خانقة ترتد آثارها على جميع الفئات الاجتماعية من مختلف الطوائف وكافة القطاعات، إلا أن الواقع يكشف أن المناطق المحسوبة على الحزب تعاني أيضا من تداعيات الأزمة.

ويحاول الحزب الموالي للنظام الإيراني تسويق هذه الصورة خارج بيئته ومناطق نفوذه، حيث بات اللبنانيون ينظرون إلى "مناطق حزب الله" بعين اختلاف في الظروف والرعاية والواقع المعيشي، وسط حرب دعائية تزعم أن "الدولار دائم التوفر هناك".

ويقول زعيم ميليشيات "حزب الله"، حسن نصرالله، إن الحزب "لن يدع أحداً يجوع" و"سيستمر في دفع رواتب عناصره بالدولار مهما بلغت الأزمة المالية"، إلا أنه سرعان ما يناقض نفسه حين يبدأ بالتحديث عن خطط للزراعة ودعم للصناعة واتجاه نحو الشرق، ومعه يسوّق صناع الرأي العام لديه في الإعلام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي لتلك النظرية التي تقول بأن الحزب وبيئته غير متأثرة بالأزمة. 

ووصل الأمر ببعض النشطاء والإعلاميين الدائرين في فلك الحزب إلى استعراض صور ومقاطع فيديو لمبالغ مالية بالدولار بحوزتهم، مع بداية انهيار الليرة اللبنانية نهاية عام 2019 ومطلع 2020.  

وفي تأكيد على أن الأزمة المالية لا تستثني أي منطقة في لبنان، وفي محاولة لامتصاص غضب البيئة الحاضنة له، دفع حزب الله بنجل نصرالله، جواد، للخروج في إعلان يتقمص فيه الأخير دور البطل المنقذ.

واستعرض جواد، وهو شخصية مثيرة للجدل، عبر حسابه على موقع تويتر، نواياه اقتسام وتوزيع دولاراته التي لا يزال يقبضها، في وقت تعاني البلاد من نقص حاد في العملة الصعبة، الأمر الذي يطرح علامات استفهام عن مصدر الدولارات التي يتداولها الحزب.

ويهم الحزب تظهير هذا المشهد لجمهوره في أكبر معاقله في لبنان، لاسيما وأن هذا الجمهور يدرك ضمنا أن جزءا كبيرا من مسؤولية الأزمة الاقتصادية في البلاد سببها العقوبات التي استجلبها الحزب إلى اقتصادهم نتيجة سلوكه وخياراته إقليميا ودولياً إلى جانب النظام الإيراني. 

لذا يعمد مجدداً إلى تقديم نفسه اليوم كما جرت العادة، بديلاً حاضراً عن "الدولة العاجزة" كلما طرأت أزمة جديدة، هكذا فعل حينما استخدم فزاعة "تنظيم داعش"، كذلك خلال أزمة كورونا مؤخراً، ويفعل اليوم مع استفحال الأزمة الاقتصادية في البلاد. 

الواقع مختلف  

خليل جوني صاحب معمل أحذية في الضاحية الجنوبية لبيروت، يروي لموقع "الحرة" كيف وصلت حال صناعته اليوم إلى مرحلة "الموت السريري". 

فالنهج الاقتصادي الرسمي للدولة اللبنانية في التعامل مع الصناعات الوطنية سابقا أدى بها إلى أقصى مراحل الضعف، بحيث انهارت بمجرد وقوع الأزمة المالية، ولم تنجح حتى في النهوض لتلبية السوق المحلية بعد تراجع عملية الاستيراد بسبب ارتفاع سعر الدولار. 

"الدولة غابت تماما عن الدعم أو الإنقاذ وحزب الله لم يصنع أي فرق"، يؤكد جوني أنهم كصناعيون لم يتلقوا أي مساعدات لإنقاذ مصالحهم، ولا حتى مساعدات تعوضهم وتسهل عليهم وقع الخسائر التي لحقت بهم قبل وخلال وبعد أزمة كورونا، لا من جهة رسمية ولا من "قوى الأمر الواقع" كما يسميهم. 

على العكس تماما، فإن حزب الله ومن يدور في فلكه لعبوا دورا سلبيا بالنسبة لهذه الصناعة التي تعتبر واحدة من أقدم الصناعات الموجودة في الضاحية الجنوبية لبيروت. 

يحمّل جوني مسؤولية ضرب هذا القطاع بشكل مباشر لأحد نواب الحزب، أمين شرّي، "الذي ضغط في السابق لمنع فرض رسوم استيراد أعلى على الأحذية المستوردة من الصين، والتي توفرت في الأسواق بأسعار أرخص من المصنعة محليا". 

كذلك يؤكد أن "كل الدعم المقدم للصناعات اللبنانية في الضاحية الجنوبية يستحوذ عليها أشخاص مقربون من الحزب في تجمع صناعيي الضاحية الجنوبية، ويوزعونها بحسب مصالحهم للمقربين منهم". 

قطاع الألبسة لا يختلف بواقعه كثيرا، حسين نورالدين أحد أصحاب محال الألبسة في الضاحية الجنوبية لبيروت، يستورد بضاعته من تركيا، انهيار الليرة وندرة الدولار انعكس سلبا على عمله كحال جميع اللبنانيين. 

ويجيب نورالدين على الكلام المساق بشأن الأوضاع في الضاحية الجنوبية بكلمة "يا ليت"، مؤكداً أن الواقع في هذه المنطقة مشابه لكل ما يجري في لبنان وربما أكثر صعوبة.

ويعرب نورالدين عن استغرابه إزاء صمود اللبنانيين بوجه المعاناة التي يعيشونها، كاشفا كيف ينتقل البعض بين المحال لشراء أغراضهم بالمفرق حسب الأرخص سعرا، وكيف يعمدون إلى المتاجرة بالعملات والسيارات ويضطر بعضهم لممارسة "السمسرة" من أجل تحصيل لقمة عيشه. 

ويتحدث عن نوع من التكافل الاجتماعي في الضاحية بين الناس، لكن على صعيد الأحزاب ليس هناك جهة قادرة على لملمة آثار الأزمة وفق ما يؤكد، "حتى المساعدات التي كانت توزع على العائلات باتت شبه معدومة اليوم".

نورالدين يؤيد حزب الله سياسياً، ولا يخفي ثقته بـ"أنه قادر على إيجاد حلول للأزمة بشكل يمنع الجوع عن بيئته"، ويبني هذه الثقة على أساس السوابق التي "تصدى خلالها حزب الله للأزمات والحروب". 

لكنه يبدي، في الوقت نفسه، استياءً من أداء نواب حزب الله ووزرائه، ويؤكد: "حتى الآن لم يساهموا في دعمي لتفادي الأزمة الاقتصادية" متسلحاً "بالصبر" لكون أحواله المادية لا تزال أفضل من غيره.  

"طبقية" في الضاحية

"لا يرتاد الأسواق إلّا المضطر، فقدت الناس قدرتها الشرائية، ولم يبق لدي إلا قلة من الزبائن في الضاحية ممن يقبضون معاشاتهم بالدولار من حزب الله أو من "القرض الحسن" هم القادرون على شراء الملابس غالية الثمن فيما الباقي كله يسير وفق قدرتهم الشرائية بالليرة"، بحسب ما يؤكد نورالدين. 

ويشير إلى أن حركة الدولار في الضاحية لا تجري في الأسواق، والعملة الصعبة ليست متوفرة كما يجري التسويق له، "بعض الشبان يعمدون إلى تزويد عدد من التجار بدولاراتهم ليستفيدوا منها في تجارتهم بدلا من الصرافين كفعل خير، لكن عموماً الدولار مقطوع والسوق السوداء مصدره الوحيد".

ما تحدث عنه نورالدين، يشرحه الشاب محمد جلوس، ابن منطقة حي السلم في الضاحية الجنوبية، الذي يشير إلى ظهور طبقة اقتصادية جديدة في الضاحية تتمثل بعناصر الحزب والمستفيدين منه الذين يتلقون أجورهم بالدولار. 

طبقة جديدة تساهم في تعزيز التمييز الاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمع الواحد، "يمارسون سلوكا برجوازيا ويخلقون فيما بينهم شبكة مصالح احتكارية تبدأ من عملية تصريف الدولار إلى تنفيع المؤسسات المحسوبة عليهم، وتنتهي بإعادة لم الدولار من السوق، فيما بقية المجتمع يتفرّج".

هذا التمييز يمتد إلى المؤسسات التجارية بحسب جلوس، المؤسسات الكبيرة التي تجمعها بالحزب ومؤسساته مصالح اقتصادية والمحسوبة عليه تجد الدولارات اللازمة لاستيراد السلع في حين يعجز عن ذلك بقية التجار وهم بمعظمهم أصحاب محال ومصالح صغيرة، إذ لا يملكون وسيلة لجمع الدولار من السوق كحال تلك المؤسسات الكبيرة، ما يفقدهم القدرة على المنافسة والاستمرار حيث اضطر الكثير منهم للإغلاق مصالحهم ويحصر السوق بالمؤسسات الكبيرة التي تتمتع بالحظوة.

قبضة كاملة على الدولار

يتساءل خليل جوني عن شبكة صرافين ظهرت عبر شبان معروفين في الأحياء والمناطق ممن لا يملكون رأسمال أو دراية أو خبرة في شؤون الصيرفة، "من أين لهؤلاء بآلاف الدولارات التي يتنقلون بها في الشوارع ويمارسون الصرافة غير الشرعية، من يشغلهم ويغطي عملهم في قلب الضاحية وعلى العلن؟". 

عن هؤلاء يؤكد جلوس أنهم يعملون ضمن شبكة المصالح نفسها التي تصب في النهاية في جيب حزب الله، يؤمن لهم الحماية والتغطية وهم يجمعون له الدولار.

ويرى الشاب الناشط في "ثورة 17 تشرين"، أن "حزب الله جزء من المنظومة الحاكمة ومسؤول كغيره من الأحزاب عن الوضع الحالي"، لا يرضى برفع الاتهام عنه ويعتبره مسؤولا مباشرا عن اللعب بسوق الصيرفة صعودا وهبوطا من خلال ضخ الدولار ثم جمعه، ما يؤثر سلبا بالنتيجة على المواطنين الذين يسيّرون حياتهم بالليرة وقدرتهم الشرائية. 

ويضرب جلوس مثلا بالقرض الحسن الذي يجبر المقترضين منه على السداد بالدولار أو بسعر الصرف في السوق السوداء، ويتساءل "إن كان حزب الله ومن خلفه إيران يسعون لمصلحة الشعب اللبناني ومساعدته لماذا لا يرفعون كاهل هذه القروض عن أبناء مناطقهم بدلاً من التلويح بسفن نفط وبنى تحتية ودعم اقتصادي محكوم بالأثمان والاصطفافات السياسية؟".

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".