الانفجار أسفر عن سقوط عشرات القتلى وآلاف الجرحى.
الانفجار أسفر عن سقوط عشرات القتلى وآلاف الجرحى.

تحولت بيروت الساعة 6 وعشر دقائق من مساء الثلاثاء إلى ساحة حرب، بعد الانفجار "الغامض" الذي ضرب المرفأ، وهز العاصمة اللبنانية ووصل دويه إلى مناطق بعيدة في البلاد وخارجها، حيث أفيد بسماع الدوي في جزيرة قبرص.

قبل الانفجار بدقائق، انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر حريقاً صغيراً في المرفأ، وما هي إلى دقائق حتى تحول هذا الحريق إلى انفجار، لم تشهده بيروت في حروبها الكثيرة. 

في مقهى في شارع الجميزة، يجلس مجموعة من الناس يتناولون القهوة ويتبادلون أطراف الحديث. فجأة، يعمّ الصمت. هدوء مريب، الجميع يستمع إلى صوت يُشبه اختراق جدار الصوت، ما لبث أن خفت حتى بدأت الطاولات من حولهم تتطاير، الزجاج في كل مكان، شجرة على جانب الطريق صارت مجموعة من أوراق مبعثرة في الهواء. 

الهلع اجتاح رواد المقهى حيث هرع بعضهم  إلى الحمام. اعتاد اللبنانيون على الحروب حتى صاروا يُدركون لا شعورياً أن الأماكن الصغيرة آمنة أكثر من غيرها. فعلياً لا شيء آمناً في المدينة، جُملة رددها أكثر من شخص كانوا يعاينون لاحقاً الأضرار التي وقعت بممتلكاتهم. 

دمار هائل تعرضت له أحياء عديدة في العاصمة اللبنانية

كلام كثير وأخبار أكثر، في الشارع، صُراخ وصدمة. ما الذي يحصل؟ لا أحد لديه أي جواب. الأخبار تقول إن الانفجار حصل في بيت الوسط، لكن من يقف في الجميزة باستطاعته سريعاً أن يُدرك أن الأخبار كاذبة. الدخان المتصاعد يأتي من المرفأ. الناس بغالبيتها لم تسأل ولا همّها أين وقع الانفجار. أناس ببساطة كانوا يتأكدون أنهم بخير. هول الكارثة جعلهم لا يُصدقون أنهم خرجوا أحياء. كُثر لم يخرجوا. 

آثار الانفجار وصلت إلى مسافات تبعد عدة كيلومترات عن موقعه

دمار في كُل مكان وسحب الدخان في ازدياد. في الطريق من الجميزة باتجاه وسط بيروت، صُراخ، لا شيء سوى الصُراخ والدمار. محال من دون واجهات وأخرى انهار أجزاء منها. فتاة صغيرة تبحث عن أهلها، وشاب يركض باتجاه معاكس وهو يصرخ وينزف. رجل في خريف العمر يُشاهد خيبة جديدة. يُشاهد ولا يظهر على وجهه أي شيء يوحي باستغراب أو صدمة، اعتاد الويلات فلم يعد يتفاعل معها؟ ممكن، الأرجح نعم. 

ذعر وخوف سببه انفجار بيروت بين الناس

بيت الكتائب على الصيفي لحقه الدمار. استنفار أمامه وسيارات تخرج مسرعة مبتعدة عن المكان. الناس تتجه نحو المرفأ. إلى مكان الانفجار. كُل شيء على جانبي الطريق عبارة عن ركام. لا وجود لأي شيء يوحي بالحياة. السيارات تُسرع لتهرب من المكان، ماذا لو حصل انفجار ثاني؟ امرأة تصرخ لابنها كي يعود أدراجه. 

انفجار هائل في بيروت.. مراسل الحرة ينقل صور عن الانفجار والدمار الذي خلفه

انفجار هائل في بيروت.. مراسل الحرة ينقل صور عن الانفجار والدمار الذي خلفه

Posted by Alhurra on Tuesday, August 4, 2020

على المدخل الجنوبي للمرفأ، عناصر قليلة من الجيش اللبناني والمخابرات تقف في المكان. فوضى وصدمة، لا شيء غير ذلك. يحاولون قدر الإمكان منع الناس من الدخول لكن دون جدوى. داخل المرفأ، لا يوجد غير الدمار والنار والدُخان. لا شيء يوحي أن هذه البقعة من بيروت كانت مرفأ أو مكاناً فيه حياة. دُخان كثيف، وأصوات انفجارات صغيرة لمواد قابلة للاشتعال. في تلك المساحة، يبدو لبنان على حاله أو على حقيقته، يحترق. رئته الحيوية وأحد أهم المرافق صار ركاماً. 

حريق هائل سببه الانفجار المزدوج في مرفأ بيروت

قبل مدة، كان هناك من يتحدث عن أن القمح المدعوم قد ينقطع من السوق. كانت شائعات. اليوم إهراءات القمح صارت ركاماً. لم يسلم شيء في المرفأ، العنابر كُلها سوُيّت بالأرض، الحاويات أيضاً. النيران تشتعل في مكانين، يبتعدان عن بعضهما ما لا يقل عن مئة متر. من البحر، يقف عناصر قوات "اليونفيل" على فرقاطة تابعة لهم ليُشاهدوا ما يحصل. عناصر قليلة من الدفاع المدني والذين وصلوا إلى المكان يحاولون قدر الإمكان إخماد النيران المشتعلة في الأرجاء. 

مضى أكثر من 50 دقيقة على الانفجار قبل أن يصل عناصر الأمن. فوضى ولا شيء غير الفوضى، وناس تهرول للمساعدة أو محاولة المساعدة. بعد انتشار الأمن ومنع الناس من الدخول، رجل ستيني يقف أمام جندي ليسأله عن ابنه الذي يعمل في المرفأ. يُحاول أن يُكلمه ولكن ليس هناك من مُجيب، يتكئ على سيارة قريبة ويبكي. فتاة تحاول الدخول بحثاً عن أخيها، يمنعها عنصر أمني، فتستشيط غضباً وتصرخ "أريد أن أطمئن على شقيقي، دعوني أطمئن عليه".

بعد أكثر من ساعة، صار المرفأ تجمعاً للجيش وللمسعفين، سيارات تصل لنقل الجرحى والضحايا، ومحققون ينتشرون في المكان ليبدأوا تحرياتهم حول ما حصل. جرحى، الكثير من الجرحى في المكان. الكثير من القتلى أيضاً، المكان يُشبه ساحة حرب قريبة أو بعيدة، لكنه لا يُشبه بأي شكل من الأشكال، المرفأ. 

بيروت التي ترزح تحت أزمة اقتصادية لم تشهد مثيلها منذ قيام دولة لبنان الكبير، دخلت نفقاً جديداً أو نفقاً آخر. الدمار الكبير لم يكن سوى مشهد كئيب ليس غريباً عن يوميات اللبنانيين. لكن الانفجار هذا مُختلف. توقيته في هذا الظرف بالذات جعله يظهر وكأنه إشعار آخر بقرب نهاية بلاد تُحتضر. بلاد تترك أبناءها يموتون على قارعة الطريق، بسبب انفجار، أو جوع وجوع، النتيجة واحدة. في الشوارع المحيطة بمكان الانفجار، جرحى وجُثث. هنا بيروت. 

كاميرا الحرة تتفقد الجرحى في مرآب مستشفى الروم ببيروت بعد فقدانها القدرة على استيعابهم في قسم الطوارئ

كاميرا الحرة تتفقد الجرحى في مرآب مستشفى الروم ببيروت بعد فقدانها القدرة على استيعابهم في قسم الطوارئ

Posted by Alhurra on Tuesday, August 4, 2020

المشهد المبكي كان من أمام المستشفيات التي غصت بالجرحى والضحايا. استنفار طبي. سيارات إسعاف تصل وترحل، تُنزل جريح لتعود لتأتي بآخر. أمامها، أهل ينتظرون خبراً عن قريب مختفٍ. لبنانيون كُثر كانوا يتنقلون اليوم من مستشفى إلى آخر بحثاً عن فرد من عائلتهم أو عن صديق. لبنانيون كانوا يستجدون معلومة، يبحثون بين مداخل الطوارئ المنتشرة في بيروت عن خبر يُبرّد همّهم، منهم من نجح، منهم من وجد نفسه أمام واقع لم يكن ليتخيّله قبل ساعات، الخسارة وقعت. 

ليل بيروت لم يكن كئيباً فقط. الناس في الشارع تلملم خسارتها، أو تُراقب مدينة تموت ببطء، أتى انفجار ليُسرع من نهاية فصل في كتاب مليء بالمآسي.

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".