المنشقون يتهمون التيار بالابتعاد عن تاريخه ونهجه
المنشقون يتهمون التيار بالابتعاد عن تاريخه ونهجه

لا يعيش التيار الوطني الحر في لبنان أحلى أيامه، لا بل ما عاشه في السنوات الماضية من "مجد" يبدو أنه انتهى بسرعة فائقة. إذ أن 70 بالمئة تمثيل للمسيحيين انتهت منذ مدة، أنهتها فعلياً الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2018.

لم يعد ذلك التيار يُمثل غالبية، ولا يعني ذلك أنه لم يعد يُمثل، لكن الحقيقة الثابتة أن عناصر انهياره ظهرت بشكل واضح منذ 17 أكتوبر وهي مع الوقت تكبر، ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على توقفها أو تراجعها بأحسن الأحوال. 

استقالات الصقور

مؤخراً، حصلت الكثير من الاستقالات من وجوه كانت تُعتبر صقوراً في داخل الحالة العونية وليس فقط التيار كحزب. ابتعدوا عن التيار ولم يلتزموا الصمت بل العكس، جاهروا أن هذا الحزب "لم يعد يناسبهم" وأن ما حصل منذ وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية "أقرب ليكون فضيحة بحق كُل من آمن به على أنه سينتقل بلبنان إلى مكان أفضل". 

إلى وقت قصير، كان الفنان زين العمر، والذي هاجر مؤخراً إلى كندا، أشد وأشرس المدافعين عن العهد وإيمانه بالرئيس لا يتزحزح. الآن هو خارج التيار، أعلن "تخلّيه عن كل زعمائه". كذلك، كان لجوزيف أبو فاضل وهو محلل سياسي لبناني معروف بشراسته في الدفاع عن عون وتياره بشتى الوسائل التي تصل أحياناً إلى شتم من يختلف معه، اليوم هو ممتعض. 

أبرز هؤلاء المنشقين كان المدرب غسان سركيس الذي يحظى بشعبية بين اللبنانيين لما حققه للرياضة بشكل عام، وكان من أشد المتحمسين لميشال عون، ومن المدافعين عنه وعن حلفائه.

اليوم، يقول سركيس في العهد ما لم يقله أشد المعارضين: "تبيّن أن العماد عون هو بائع أوهام. فمنذ وصوله إلى قصر بعبدا حتى اليوم، خلف بكلّ وعوده ولم نشهد أيّ تحسّن". يقول أكثر من ذلك بكثير.

وفي المحصلة يبدو أن موجة الرحيل عن التيار لن تتوقف إذ تشير معلومات موقع "الحرة" إلى أن الأيام والأسابيع القادمة ستشهد المزيد من الانشقاقات ومنها على مستوى قيادي. 

يُبرر المنشقون عن "الوطني الحر" قرارهم بأن "التيار ابتعد عن تاريخه ونهجه"، خاصة بعد وصول عون إلى رئاسة الجمهورية، إذ كان مشروع هذا الحزب السياسي الأول هو وصول عون إلى قصر بعبدا وكان يعتبر أن هذا الوصول سيؤدي إلى تحوّل كبير في لبنان. لكن عملياً، ما حصل هو العكس، والحالة العونية التي كانت موجودة سابقاً لم تعد كما هي الآن، بل ضعفت كثيراً وهذا ما أدى إلى ضعف التيار. 

يقول سركيس في حديثه لموقع "الحرة": "كنا نأمل من التيار الوطني الحر أن يعوّض على اللبنانيين ما قاسوه زمن النظام الأمني المخابراتي وزمن الحرب والميليشيات. حينها كان يعد بأن كل شيء سيتغير ووضع لدينا أملاً كبيراً بالتغيير نحو الأفضل ولهذا كنا معه وآمنّا بهذا الخطاب"، ويضيف: "لكن تبين أن كل هذه الشعارات لم تكن حقيقية". 

ويتابع"اعتقدنا أن التيار أتى ليحارب الإقطاع فإذ بنا نجد أنه يتبنى الإقطاع، وُعدنا بانتخابات فوجدنا أنه في النهاية تمّ تعيين جبران باسيل رئيساً وألغى الانتخابات بعد أن وجد أنه قد يخسر في حال خاضها. ثم قالوا لنا فصل النيابة عن الوزارة لنكتشف أن كُل هذا ينتهي حين يتعلّق الأمر بجبران". والكلام لسركيس. 

نقطة التحول بين سركيس والتيار كانت انتخابات كرة السلة. يقول: "طُلب مني أن أدعم أحد الأشخاص لانتخابات اتحاد كرة السلة فرفضت لأنني لا يُمكن أن أدعم شخص لا يعرف شيئاً عن اللعبة ولم يمارس الرياضة بحياته. ودعمت بحسب قناعاتي شخصاً يستحق أن يصل فاستدعوني إلى تحقيق حزبي وسمعوا ما يجب أن يسمعوه". 

بالنسبة لسركيس "كان ميشال عون يحكي بلسان الشعب، اليوم هو ينطق بلسان الكرسي. كل الجيل الشاب قطعوا اتصالهم به، ولا أتحدث فقط عن التيار أو المسيحيين. أنا أعني كل لبناني، وكل شباب لبنان لا يثقون برئيسهم وهو في الوقت نفسه لا يعرف همومهم، وبالتالي هم لا ينتظرون منه أي شيء. ها هم مع الأسف يسافرون".

ويضيف: "رئيس بعد انفجار يُعد من الأكبر في التاريخ، لا ينزل ليمشي بين شعبه وناسه هو ليس برئيس. ببساطة هذا أفشل وأسوأ عهد". 

ما يتحدث عنه سركيس هو حالة يبدو أنها تتوسع كثيراً مؤخراً داخل الحزب الذي تركه مدرب كرة السلة منذ مدة ليست بقصيرة. وتقول مصادر مطلعة على ما يجري داخل أروقة التيار الوطني الحر لموقع "الحرة" إن "هناك حالة من التململ لدى الكثير من القياديين، وهناك مسؤولين مركزيين ومنسقين حاليين يعتبرون أن البقاء في التيار صار صعباً لا بل مستحيلاً وأنهم غير قادرين على البقاء في مركب يغرق سريعاً ولا أفق لأي محاولة لإنقاد ما تبقى منه". 

قبل فترة، انشق عن التيار وعن تكتل لبنان القوي النائب ميشال ضاهر. ومن المعروف عن رئيس التيار النائب جبران باسيل أنه يبحث خلال المعارك الانتخابية عن مرشحين يستفيد منهم مالياً ليموّلوا حملاته الانتخابية، وفي انتخابات 2018 كان ضاهر أحد هؤلاء، وهو اليوم خارج التيار لاعتراضه على سياسة الحزب الذي ترشح معه إلى الندوة النيابية قبل سنتين. 

تحديداً بعد انشقاق ضاهر، ظهر كثير من التململ داخل التيار. منسق قضاء الكورة شمال لبنان، جوني موسى، عبّر حينها عّما يُفكر فيه كثر داخل التيار، إذ قال ما معناه إن "التيار ترك كل المناضلين ومن يؤمن بالقضية وبلبنان كما نريده من أجل أن يأتي بمن لديه المال، وها هم يتركونكم عند أول مفترق طرق". 

التيار قطع مع الماضي ووعوده

ما عبّر عنه موسى هو حالة عامة صارت تقريباً لا تنحسر فقط في العتاب على اختيارات، بل حنق وغضب من سياسات التيار في المرحلة الماضية.

وتقول المصادر: "تيار اليوم قطع مع كل الماضي. اليوم صار هناك كثر في داخل التيار يحملون مسؤولية ما آلت إليه الأمور إلى رئيس الجمهورية لأنه ترك كُل شيء بيد جبران باسيل. وقبل فترة كان هناك فصل بين عون وباسيل، اليوم تقريباً صار الانتقاد للاثنين معاً". 

حين بدأت انتفاضة 17 أكتوبر، كان باسيل ومن خلفه رئيس الجمهورية أكثر المستهدفين. اهتزت الصورة كثيراً. فجأة تحوّل باسيل من الرجل السياسي الأقوى (بعد حزب الله المتحكم بكل شيء) إلى شخص لا يستطيع أن يمشي في الشارع.

حاول مراراً أن يعود كشخص، من دون أن يكترث لعودة التيار معه. تقول المصادر: "حوّل التيار إلى حزب يتبع شخص لا أكثر، فأتى بكل من يؤيدوه ووضعهم حوله وخلق لهم مناصب تنظيمية ضربت هيكلية التيار التنظيمية ككل". 

فترة 17 أكتوبر وما تلاها، كانت رحلة السقوط السريع للتيار كحزب سياسي فاعل وقوي مسيحياً ووطنياً. أتت بعدها مرحلة كوفيد - 19 والوضع الاقتصادي المتدهور الذي يتحمل التيار جز ءاً كبيراً منه كونه كان في وزارات تتحمل أكثر من نصف الدين العام، تحديداً وزارة الطاقة التي بقي فيها باسيل لسنوات وحين رحل عنها ورّثها لمستشاريه.

حين حصل الانفجار، يقول متابعون، صارت معركة الناس مع ميشال عون شخصياً، من دون أي مواربة أو القول إن "المشكلة في باسيل وليس بالرئيس، صارت المسؤولية مشتركة إن لم نقل يتحملها عون أكثر من باسيل". 

يحاول باسيل أن يقمع أو أن يعتم على ما يحصل داخل التيار. تقول المصادر: "قبل مدة قصيرة استقال أكثر من 100 عضو في التيار من الحزب، دفعة واحدة اعتراضاً على سياسة المنسق الذي هو مقرب من جبران، والاستقالات حصلت بعد أن اكتشف المستقيلون أن رئيس التيار يقف إلى جانب المنسق ضدهم، أي أنه مستمر في سياسة المحسوبيات ولا يبالي بالمصلحة العامة"،

وتضيف: "حصل اجتماع معارض كبير مؤخراً في جزين بالرغم من التهديدات التي وجهت لمن شارك فيه". 

تخرج الأمور عن السيطرة داخل التيار. جبران في مكان سيء، كذلك عمّه، الذي هو في مكان سيء وطنياً ليس فقط حزبياً كونه رئيس الجمهورية.

وتقول المصادر: "قريباً هناك أربعة نواب لا يزالون في التيار وفي التكتل سيكونون في مكان آخر، في موقع مواجه، لأنهم يُدركون أن أحداً منهم لا يمكنه أن يبقى في الحياة السياسية أو في البرلمان إذا بقي في التيار. هم يدركون جيداً أن الوقت قد حان للنزول من المركب الذي يغرق سريعاً". 

محام لبناني ينفي انتقاده لسياسة التيار الوطني الحر 

نفى قيادي في التيار الوطني الحر في لبنان ما نقله مصدر عن لسانه بشأن انتقاد آلية الترشيح، وذلك في تقرير نشره موقع "الحرة" في 20 أغسطس 2020، "التيار الوطني الحر.. الانشقاقات تتوالى وأربعة نواب في طريقهم للخروج".

وكان التقرير نقل عن مصدر كان قيادياً في التيار وهو اليوم على إطلاع على ما يحصل داخل التيار، تُفيد بأن منسق جبيل (السابق) في التيار، جوني موسى، اعترض على آلية الترشيح التي يعتمدها حزبه في الانتخابات النيابية. 

وما نُقل عن موسى في التقرير بحسب ما قاله المصدر، كان "التيار ترك كل المناضلين ومن يؤمن بالقضية وبلبنان كما نريده من أجل أن تأتوا بمن لديه المال، وها هم يتركونكم عن أول مفترق طرق"، وهذا ما نفاه موسى جملة وتفصيلاً في ردٍ أرسله إلى موقعنا. 

موقع "الحرة" اتصل بموسى مستوضحاً الكلام ومؤكداً أنه نقل معلومات ولا يتبنى أيّ منها، بل هو فقط يعرضها ولم يربط بين موسى والوزير السابق جبران باسيل بالطريقة التي استفاض بها موسى في التعبير عن ثقته برئيس التيار. 

في المقابل، شدد موسى خلال الاتصال على أنه "لم يقل هذا الكلام ولم يكتبه وهو يعتبر أن هذا النقاش داخلي أساساً وأنه لا يتدخل في هذه الأمور وهو على ثقة بحكمة قيادة التيار ممثلة بالوزير السابق جبران باسيل". 

بدوره، قال المصدر الذي أسرّ لموقع "الحرة" بهذا الأمر: "كلام موسى منشور على مواقع التواصل الاجتماعي وهو يستخدم حسابين، واحد منهم كان ينشط عليه لكنه ومن بعد هذا الكلام ألغاه وبقي يعتمد على حساب آخر لا ينقل عليه سوى حكم وأقوال وصور".

الرد الذي أرسله موسى لموقع "الحرة" فيه نفياً لما نُقل عنه، ننشره بحذافيره عملاً بحق الرد واحتراماً لحقه في التعبير عن رأيه، وفي الرد أيضاً استفاضة من قبل موسى في تأكيد الولاء لباسيل وحزبه وهذا ما لم يتطرق إليه المقال وما لا نيّة للموقع بأن يدخل بتفاصيل لا يعتبرها ذات أهمية في هذا الوقت الذي يمرّ فيه لبنان. 

وهنا رد السيد موسى كما ورد لنا: 

بتاريخ 20/8/2020 نشر موقعكم مقالة للإعلامي الأستاذ أيمن شروف نسب فيها كلاماً مزعوماً صادراً عني مفاده قولي: "التيار ترك كل المناضلين ومن يؤمن بالقضية وبلبنان كما نريده من أجل أن يأتي بمن لديه المال، وها هم يتركونكم عند أول مفترق طرق". 
 
إزاء ذلك وعملاً بحق الرد، جئت بكتابي الحاضر أرد بموجبه على ما تناوله موقعكم في هذا الإطار، طالباً نشره بحرفيته في نفس مكان المقال :
 
1) أنفي نفياً قاطعا وباتاً جميع ما نسب إلي من كلام أقل ما أقول فيه أنه غير صحيح ويندرج ضمن إطار الأقاويل الباطلة والمفبركة، وأجزم بعدم إدلائي بأي تصريح أو حديث إلى موقع الحرة الإخباري أو سواه، مؤكداً عدم معرفتي بكاتب المقال الإعلامي أيمن شروف وبعدم لقائي به.

2) كانت علاقتي برئيس التيار معالي الوزير جبران باسيل وثيقة متينة، وما زالت على هذا النحو وستبقى، إذ لا يسودها إلاّ التناغم ووحدة الرؤية في العمل الوطني والتياري، وما هذا الكلام الزائف المنسوب الي إلاّ إشاعات مغرضة لا تندرج الاّ ضمن المحاولات الخائبة الهادفة الى خلق جو من البلبلة في صفوف التياريين؛ ولن يتحقق ذلك مهما حاول المحاولون.

3) أؤكد دعمي الكامل غير المشوب بأي تحفظ أو تبرم لرئيس التيار معالي الوزير جبران باسيل، وبكون هذا الدعم نابع من ثقتي القاطعة به وبقيادته المسؤولة والرشيدة في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة التي يمر بها وطننا الحبيب لبنان.

4) تشرفت بأن شغلت مسؤولية "منسق قضاء الكورة في التيار الحر" لمرتين، غير إني لا أشغل بتاريخه هذه المسؤولية أو سواها، فأنا ناشط سياسي ومناضل في صفوف التيار ومن مؤسسي حالته في قضاء الكورة، ولن أكون إلاّ وفياً له ولمبادئه التي نشأت عليها وآمنت بها وناضلت لإحقاقها، ولقيادته التي تعمل لأجل إعمالها إعلاءً للشأن الوطني اللبناني.

5) أهيب بوسائل الإعلام كافة مرئية كانت أم مقروءة أو مسموعة، وحفاظاً على مصداقيتها وحرفية عملها، توخي الدقة قبل نشر أي كلام عارٍ عن الصحة، وإستقاء المعلومات من مصادرها.

6) أتحفظ في حقي باتخاذ كافة الإجراءات القانونية والقضائية الملائمة، حيال ما نسب الي، كما أتحفظ بكافة الحقوق من أي نوع كانت ولأية جهة أتت.

تصدع صورة حزب الله
تصدع صورة حزب الله

تصدّعت الصورة التي سعى حزب الله طويلاً إلى ترسيخها بوصفه تنظيماً قوياً، منضبطاً، عصياً على الاختراق، وذلك عقب حربه الأخيرة مع إسرائيل وسلسلة الاغتيالات التي طالت صفوفه القيادية، ولا تزال تستهدف كوادره، وسط عجزه عن الرد.

فـ"الهالة" التي أحاط بها الحزب نفسه بدأت بالتشقّق منذ قراره فتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى "إسناد غزة"، إذ بدا حينها واثقاً من قدرته على التحكم بقواعد الاشتباك وحصر المواجهة ضمن نطاق محسوب. غير أن توسّع العمليات، والخسائر الكبيرة التي تكبّدها، وصولاً إلى قبوله اتفاق وقف إطلاق نار وصفه كثيرون بأنه أقرب إلى "الاستسلام"، ساهمت جميعها في قلب المعادلة.

بعد هذه الحرب، تحوّل "الردع" لدى حزب الله إلى مجرّد شعار، وباتت مكانته السياسية والعسكرية والمعنوية موضع شكّ، حتى في أوساطه الشعبية. وازدادت الدعوات، داخلياً وخارجياً، إلى نزع سلاحه، استناداً إلى القرارات الدولية، وإلى ضرورة استعادة الدولة اللبنانية لقرارها السيادي.

فمع كل عملية اغتيال أو غارة إسرائيلية تستهدف موقعاً أو ترسانة عسكرية، تتصاعد الأسئلة: أي جدوى بعد اليوم من استمرار امتلاك السلاح؟ أسئلة كانت تهمس همساً في السابق، لكنها تطرح اليوم علناً.

صورة وهمية؟

على مدى العقدين الماضيين، "بنى حزب الله هالة القوة العسكرية والأمنية القادرة على مواجهة إسرائيل، منذ انسحابها من جنوب لبنان عام 2000، واستثمر نتائج حرب يوليو 2006، لترسيخ صورة التنظيم الذي لم يُهزم، بل القادر على إلحاق الأذى بالجيش الإسرائيلي"، بحسب ما يوضح رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين.

ويضيف الأمين في حديث لموقع "الحرة" أن الحزب لم يكتف بهذا الرصيد، "بل وسّع نفوذه في الداخل اللبناني، مقدماً نفسه على أنه الطرف القادر على فرض السياسات ومواجهة خصومه السياسيين، بوصفه القوة العسكرية والأمنية الأقوى في البلاد".

ويشير إلى أن هذه الصورة تعززت في وعي مناصري الحزب، وحتى بعض خصومه، لا سيما مع اندلاع الثورة السورية، "حيث لعب الحزب دوراً محورياً في دعم نظام الأسد ومنع سقوطه. كما أن دعمه للحوثيين في اليمن، وتدريبه للفصائل المسلحة في العراق، ساهم في ترسيخ صورة "القوة التي لا تُقهر".

لكن الأمين يلفت إلى أن هذا المشهد لم يُبْنَ فقط على وقائع عسكرية، بل تعزّز بعوامل إضافية، أبرزها "التدفق المالي المستمر من طهران، والمراعاة الدولية النسبية التي تظهر أي رفض لتمدد الحزب في الاقليم، مقابل تراجع مؤسسات الدولة اللبنانية وانكفائها لصالح نفوذ الحزب".

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن "التهديد الحقيقي في الحسابات الإسرائيلية لم يكن في غزة، بل في المحور الإقليمي الممتد من لبنان إلى إيران، مروراً بسوريا والعراق، حيث يتصدر حزب الله المشهد بوصفه "الخطر الاستراتيجي الأكبر، نظراً لامتلاكه ترسانة من أكثر من مئة ألف صاروخ، وقوة بشرية مدرّبة بعشرات الآلاف، واستعداده الدائم لأي مواجهة. هذا التهديد لم يكن مجرد دعاية إعلامية، بل جزء من استراتيجية ردع مدروسة".

ويضيف ملاعب في حديث لموقع "الحرة" أن "إسرائيل كثّفت في السنوات الأخيرة من جهودها في تتبّع حزب الله، سواء عبر الوسائل البشرية أو التكنولوجية. ولم تغفل عن استثمار التطور التكنولوجي في هذا المجال، وقد أسهم تعاونها مع شركات تكنولوجية كبرى، وما توفره من بيانات رقمية ضخمة، في تعزيز قدراتها الاستخبارية لرصد وتتبع نشاطات الحزب. كما كثّفت من ضرباتها الجوية في سوريا، مستهدفة شحنات أسلحة مخصصة له".

تهشّم وعجز

"ساهمت نتائج الحرب الأخيرة وما خلّفته من خسائر فادحة على حزب الله وبيئته ولبنان عموماً، في تآكل الصورة التي عمل الحزب طويلاً على ترسيخها في الوعي العام"، بحسب ما يرى الأمين "إذ أظهرت العمليات الإسرائيلية قدرة غير مسبوقة على اختراق ما كان يُعتبر قلعة أمنية محصّنة، وتمكّنت من تصفية معظم قيادات الحزب الميدانية، وصولاً إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، وقبول الحزب باتفاق وقف إطلاق نار مذل للبنان".

ويضيف الأمين أن هذا التحوّل لم يقتصر على الخسائر الميدانية، بل تفاقم مع العجز المتواصل للحزب عن الردّ على سلسلة الاغتيالات التي طالت عناصره وكوادره بعد سريان وقف إطلاق النار.

ويرى أن هذا العجز فرض معادلة جديدة في الداخل اللبناني "لم يعد أحد يطالب حزب الله بالرد العسكري على الاعتداءات الإسرائيلية. فصورة العجز باتت راسخة، إلى حد أن أي تحرّك عسكري من الحزب قد يُواجَه أولاً برفض من بيئته نفسها، قبل رفض سائر اللبنانيين، هذا التراجع في صورة الحزب أفقده جزءاً كبيراً من هيبته، وإن كان يحاول تعويض ذلك عبر ترويج قدرته على مواجهة ما يسميه خونة الداخل'".

من جانبه، يرى ملاعب أن "الصورة التي بناها حزب الله لنفسه كقوة عسكرية منضبطة بدأت تتشقق، خصوصاً بعد انخراطه في الحرب السورية، وما رافق ذلك من تسريبات أمنية واختراقات داخلية، كما أن تمدد الحزب في الملفات اللبنانية الداخلية انعكس سلباً على صورته أمام جمهوره، الذي بات يحمّله جزء من تبعات الأزمات والانهيارات المتتالية وصولاً إلى حربه الأخيرة مع إسرائيل التي هشّمت صورته بشكل كبير، فبعد أن تباهى طويلاً بقدرته على كشف الجواسيس في صفوفه، يواجه اليوم ثغرات أمنية غير مسبوقة".

تماه هش؟

"انتقل حزب على المستوى الوطني من قوة مقرِّرة ومهيمنة على مجمل الشؤون السياسية، إلى طرف تتراجع حدود تأثيره تدريجياً، في ظل عودة تدريجية للدور المؤسساتي الدستوري والقانوني والعسكري الرسمي"، وفق ما يقوله الأمين.

أما في ما يخص بيئته الشيعية، فيشير الأمين إلى أن "تراجع صورة الحزب يبقى نسبياً، طالما أنه لا يزال يحتفظ بمقوّمات القوة من مال وسلاح وقدرة على القمع". لكنه يلفت إلى أن هذه السيطرة بدأت تتآكل بدورها، "مع تنامي صرخة النازحين والمتضررين من الحرب، وتراجع الثقة بقدرة الحزب على تأمين شروط العودة إلى القرى، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن والأمان".

من جهته، يسجّل ملاعب نقطة لافتة تتعلّق بعلاقة الحزب مع بيئته، إذ يرى أن "التماهي شبه الكامل بين حزب الله وسكان جنوب لبنان بات هشّاً. فالمواطن الجنوبي غير المنتمي للحزب عاد إلى بلدته بإحساس نسبي بالأمان، بعدما لمس أن الضربات الإسرائيلية تركّز على مواقع محدّدة تابعة للحزب ".

ويضيف ملاعب أن هذا التحوّل في الوعي الشعبي أصبح أكثر وضوحاً، كما ظهر في جولة ميدانية له في الضاحية الجنوبية لبيروت، "حيث بات السكان يفرّقون بوضوح بين مبنى تابع للحزب وبقية المباني في الحيّ الذي يقطنونه". ويعتبر أن هذا المزاج الجديد يعكس إرهاقاً عاماً من الحروب المتكررة، ورغبة متزايدة في حياة أكثر استقراراً وأقل مخاطرة.

يذكر أن الحرس الثوري الإيراني أسّس حزب الله عام 1982، عقب انشقاق مجموعة من حركة "أمل"، ليشكّل نقطة تحول في المشهد السياسي والأمني اللبناني. وسرعان ما عمل الحزب على تعزيز حضوره داخل الطائفة الشيعية، معتمداً على خطاب سياسي تعبوي، خاصة في عهد أمينه العام السابق حسن نصر الله، إلى جانب الدعم المالي والعسكري المباشر من إيران.

هذا الدعم مكّن حزب الله من ترسيخ نفوذه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية، وتعميق الانقسام السياسي والطائفي، وصولاً إلى السيطرة على قرار الحرب والسلم. وقد أدّى ذلك إلى توريط لبنان في صراعات إقليمية متشابكة، خلّفت تداعيات أمنية وسياسية خطيرة على البلاد.

وعلى مدى سنوات، لم يتوانَ حزب الله عن الترويج لقدراته العسكرية، متحدثاً عن استعداده لاجتياح الجليل، واستهداف حيفا وما بعدها، في إطار معادلة ردع رسمها لنفسه. لكن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذه المزاعم، وأظهرت عجز الحزب عن تنفيذ تهديداته.

فقد تمكّنت القوات الإسرائيلية من التوغل في الجنوب اللبناني وصولاً إلى نهر الليطاني، وانتهت المواجهة بتوقيع اتفاق وُصف من قبل مراقبين بأنه "مُذل"، فيما لا تزال القوات الإسرائيلية تحتفظ بوجودها في خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية.

القرار في طهران

رغم التصدعات التي أصابت صورة حزب الله، يرى ملاعب أن "العقيدة التنظيمية للحزب لا تزال متماسكة، إذ لا يزال عدد كبير من مقاتليه يلتزمون بقيادة مركزية صلبة". لكنه يلفت إلى أن قرار إشعال الجبهة اللبنانية "لا يُتخذ في بيروت، بل في طهران".

فإيران، بحسب ملاعب، "استثمرت في حزب الله كأداة استراتيجية للضغط الإقليمي والدولي، وتستخدمه كورقة تفاوض مع الغرب، لا سيما في سياق المحادثات المرتبطة بالملف النووي والعقوبات الاقتصادية، ومن هذا المنظور، فإن موافقة الحزب مؤخراً على وقف إطلاق النار لا يمكن فصلها عن الحسابات الإيرانية الأوسع، التي تهدف إلى تحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات".

وعن مدى نجاح إسرائيل في تدمير ترسانة الحزب، يؤكد ملاعب أن "إسرائيل ألحقت ضرراً بالغاً بالبنية التحتية العسكرية لحزب الله، لكنها لم تنجح في تدمير أصوله الحيوية، كشبكات الأنفاق ومنظومات الصواريخ الدقيقة". ويضيف أن "الأسلحة الاستراتيجية، بما فيها الصواريخ بعيدة المدى، لا تزال خارج المعركة، لأنها تخضع لسيطرة القرار الإيراني المباشر".

من جانبه، يرى الأمين أن "المنطقة، وليس لبنان وحده، تمرّ اليوم بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، ينعكس بشكل مباشر على علاقة حزب الله بمحيطه، وخصوصاً بجمهوره".

ويشير الأمين إلى أن الحزب "لم يعد يُنظر إليه كقوة قادرة على توفير الحماية والأمان، وتراجعت الثقة بإمكانية استعادته لهذا الدور في المستقبل، خاصة بعد تهاوي وهم ردع إسرائيل، وسقوط النظام السوري، الذي شكّل ضربة قاصمة لحزب الله، أطاحت بمقومات استعادته لنفوذه وقدراته الأمنية والعسكرية".