المنشقون يتهمون التيار بالابتعاد عن تاريخه ونهجه
المنشقون يتهمون التيار بالابتعاد عن تاريخه ونهجه

لا يعيش التيار الوطني الحر في لبنان أحلى أيامه، لا بل ما عاشه في السنوات الماضية من "مجد" يبدو أنه انتهى بسرعة فائقة. إذ أن 70 بالمئة تمثيل للمسيحيين انتهت منذ مدة، أنهتها فعلياً الانتخابات النيابية الأخيرة عام 2018.

لم يعد ذلك التيار يُمثل غالبية، ولا يعني ذلك أنه لم يعد يُمثل، لكن الحقيقة الثابتة أن عناصر انهياره ظهرت بشكل واضح منذ 17 أكتوبر وهي مع الوقت تكبر، ولا يبدو في الأفق أي مؤشر على توقفها أو تراجعها بأحسن الأحوال. 

استقالات الصقور

مؤخراً، حصلت الكثير من الاستقالات من وجوه كانت تُعتبر صقوراً في داخل الحالة العونية وليس فقط التيار كحزب. ابتعدوا عن التيار ولم يلتزموا الصمت بل العكس، جاهروا أن هذا الحزب "لم يعد يناسبهم" وأن ما حصل منذ وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية "أقرب ليكون فضيحة بحق كُل من آمن به على أنه سينتقل بلبنان إلى مكان أفضل". 

إلى وقت قصير، كان الفنان زين العمر، والذي هاجر مؤخراً إلى كندا، أشد وأشرس المدافعين عن العهد وإيمانه بالرئيس لا يتزحزح. الآن هو خارج التيار، أعلن "تخلّيه عن كل زعمائه". كذلك، كان لجوزيف أبو فاضل وهو محلل سياسي لبناني معروف بشراسته في الدفاع عن عون وتياره بشتى الوسائل التي تصل أحياناً إلى شتم من يختلف معه، اليوم هو ممتعض. 

أبرز هؤلاء المنشقين كان المدرب غسان سركيس الذي يحظى بشعبية بين اللبنانيين لما حققه للرياضة بشكل عام، وكان من أشد المتحمسين لميشال عون، ومن المدافعين عنه وعن حلفائه.

اليوم، يقول سركيس في العهد ما لم يقله أشد المعارضين: "تبيّن أن العماد عون هو بائع أوهام. فمنذ وصوله إلى قصر بعبدا حتى اليوم، خلف بكلّ وعوده ولم نشهد أيّ تحسّن". يقول أكثر من ذلك بكثير.

وفي المحصلة يبدو أن موجة الرحيل عن التيار لن تتوقف إذ تشير معلومات موقع "الحرة" إلى أن الأيام والأسابيع القادمة ستشهد المزيد من الانشقاقات ومنها على مستوى قيادي. 

يُبرر المنشقون عن "الوطني الحر" قرارهم بأن "التيار ابتعد عن تاريخه ونهجه"، خاصة بعد وصول عون إلى رئاسة الجمهورية، إذ كان مشروع هذا الحزب السياسي الأول هو وصول عون إلى قصر بعبدا وكان يعتبر أن هذا الوصول سيؤدي إلى تحوّل كبير في لبنان. لكن عملياً، ما حصل هو العكس، والحالة العونية التي كانت موجودة سابقاً لم تعد كما هي الآن، بل ضعفت كثيراً وهذا ما أدى إلى ضعف التيار. 

يقول سركيس في حديثه لموقع "الحرة": "كنا نأمل من التيار الوطني الحر أن يعوّض على اللبنانيين ما قاسوه زمن النظام الأمني المخابراتي وزمن الحرب والميليشيات. حينها كان يعد بأن كل شيء سيتغير ووضع لدينا أملاً كبيراً بالتغيير نحو الأفضل ولهذا كنا معه وآمنّا بهذا الخطاب"، ويضيف: "لكن تبين أن كل هذه الشعارات لم تكن حقيقية". 

ويتابع"اعتقدنا أن التيار أتى ليحارب الإقطاع فإذ بنا نجد أنه يتبنى الإقطاع، وُعدنا بانتخابات فوجدنا أنه في النهاية تمّ تعيين جبران باسيل رئيساً وألغى الانتخابات بعد أن وجد أنه قد يخسر في حال خاضها. ثم قالوا لنا فصل النيابة عن الوزارة لنكتشف أن كُل هذا ينتهي حين يتعلّق الأمر بجبران". والكلام لسركيس. 

نقطة التحول بين سركيس والتيار كانت انتخابات كرة السلة. يقول: "طُلب مني أن أدعم أحد الأشخاص لانتخابات اتحاد كرة السلة فرفضت لأنني لا يُمكن أن أدعم شخص لا يعرف شيئاً عن اللعبة ولم يمارس الرياضة بحياته. ودعمت بحسب قناعاتي شخصاً يستحق أن يصل فاستدعوني إلى تحقيق حزبي وسمعوا ما يجب أن يسمعوه". 

بالنسبة لسركيس "كان ميشال عون يحكي بلسان الشعب، اليوم هو ينطق بلسان الكرسي. كل الجيل الشاب قطعوا اتصالهم به، ولا أتحدث فقط عن التيار أو المسيحيين. أنا أعني كل لبناني، وكل شباب لبنان لا يثقون برئيسهم وهو في الوقت نفسه لا يعرف همومهم، وبالتالي هم لا ينتظرون منه أي شيء. ها هم مع الأسف يسافرون".

ويضيف: "رئيس بعد انفجار يُعد من الأكبر في التاريخ، لا ينزل ليمشي بين شعبه وناسه هو ليس برئيس. ببساطة هذا أفشل وأسوأ عهد". 

ما يتحدث عنه سركيس هو حالة يبدو أنها تتوسع كثيراً مؤخراً داخل الحزب الذي تركه مدرب كرة السلة منذ مدة ليست بقصيرة. وتقول مصادر مطلعة على ما يجري داخل أروقة التيار الوطني الحر لموقع "الحرة" إن "هناك حالة من التململ لدى الكثير من القياديين، وهناك مسؤولين مركزيين ومنسقين حاليين يعتبرون أن البقاء في التيار صار صعباً لا بل مستحيلاً وأنهم غير قادرين على البقاء في مركب يغرق سريعاً ولا أفق لأي محاولة لإنقاد ما تبقى منه". 

قبل فترة، انشق عن التيار وعن تكتل لبنان القوي النائب ميشال ضاهر. ومن المعروف عن رئيس التيار النائب جبران باسيل أنه يبحث خلال المعارك الانتخابية عن مرشحين يستفيد منهم مالياً ليموّلوا حملاته الانتخابية، وفي انتخابات 2018 كان ضاهر أحد هؤلاء، وهو اليوم خارج التيار لاعتراضه على سياسة الحزب الذي ترشح معه إلى الندوة النيابية قبل سنتين. 

تحديداً بعد انشقاق ضاهر، ظهر كثير من التململ داخل التيار. منسق قضاء الكورة شمال لبنان، جوني موسى، عبّر حينها عّما يُفكر فيه كثر داخل التيار، إذ قال ما معناه إن "التيار ترك كل المناضلين ومن يؤمن بالقضية وبلبنان كما نريده من أجل أن يأتي بمن لديه المال، وها هم يتركونكم عند أول مفترق طرق". 

التيار قطع مع الماضي ووعوده

ما عبّر عنه موسى هو حالة عامة صارت تقريباً لا تنحسر فقط في العتاب على اختيارات، بل حنق وغضب من سياسات التيار في المرحلة الماضية.

وتقول المصادر: "تيار اليوم قطع مع كل الماضي. اليوم صار هناك كثر في داخل التيار يحملون مسؤولية ما آلت إليه الأمور إلى رئيس الجمهورية لأنه ترك كُل شيء بيد جبران باسيل. وقبل فترة كان هناك فصل بين عون وباسيل، اليوم تقريباً صار الانتقاد للاثنين معاً". 

حين بدأت انتفاضة 17 أكتوبر، كان باسيل ومن خلفه رئيس الجمهورية أكثر المستهدفين. اهتزت الصورة كثيراً. فجأة تحوّل باسيل من الرجل السياسي الأقوى (بعد حزب الله المتحكم بكل شيء) إلى شخص لا يستطيع أن يمشي في الشارع.

حاول مراراً أن يعود كشخص، من دون أن يكترث لعودة التيار معه. تقول المصادر: "حوّل التيار إلى حزب يتبع شخص لا أكثر، فأتى بكل من يؤيدوه ووضعهم حوله وخلق لهم مناصب تنظيمية ضربت هيكلية التيار التنظيمية ككل". 

فترة 17 أكتوبر وما تلاها، كانت رحلة السقوط السريع للتيار كحزب سياسي فاعل وقوي مسيحياً ووطنياً. أتت بعدها مرحلة كوفيد - 19 والوضع الاقتصادي المتدهور الذي يتحمل التيار جز ءاً كبيراً منه كونه كان في وزارات تتحمل أكثر من نصف الدين العام، تحديداً وزارة الطاقة التي بقي فيها باسيل لسنوات وحين رحل عنها ورّثها لمستشاريه.

حين حصل الانفجار، يقول متابعون، صارت معركة الناس مع ميشال عون شخصياً، من دون أي مواربة أو القول إن "المشكلة في باسيل وليس بالرئيس، صارت المسؤولية مشتركة إن لم نقل يتحملها عون أكثر من باسيل". 

يحاول باسيل أن يقمع أو أن يعتم على ما يحصل داخل التيار. تقول المصادر: "قبل مدة قصيرة استقال أكثر من 100 عضو في التيار من الحزب، دفعة واحدة اعتراضاً على سياسة المنسق الذي هو مقرب من جبران، والاستقالات حصلت بعد أن اكتشف المستقيلون أن رئيس التيار يقف إلى جانب المنسق ضدهم، أي أنه مستمر في سياسة المحسوبيات ولا يبالي بالمصلحة العامة"،

وتضيف: "حصل اجتماع معارض كبير مؤخراً في جزين بالرغم من التهديدات التي وجهت لمن شارك فيه". 

تخرج الأمور عن السيطرة داخل التيار. جبران في مكان سيء، كذلك عمّه، الذي هو في مكان سيء وطنياً ليس فقط حزبياً كونه رئيس الجمهورية.

وتقول المصادر: "قريباً هناك أربعة نواب لا يزالون في التيار وفي التكتل سيكونون في مكان آخر، في موقع مواجه، لأنهم يُدركون أن أحداً منهم لا يمكنه أن يبقى في الحياة السياسية أو في البرلمان إذا بقي في التيار. هم يدركون جيداً أن الوقت قد حان للنزول من المركب الذي يغرق سريعاً". 

محام لبناني ينفي انتقاده لسياسة التيار الوطني الحر 

نفى قيادي في التيار الوطني الحر في لبنان ما نقله مصدر عن لسانه بشأن انتقاد آلية الترشيح، وذلك في تقرير نشره موقع "الحرة" في 20 أغسطس 2020، "التيار الوطني الحر.. الانشقاقات تتوالى وأربعة نواب في طريقهم للخروج".

وكان التقرير نقل عن مصدر كان قيادياً في التيار وهو اليوم على إطلاع على ما يحصل داخل التيار، تُفيد بأن منسق جبيل (السابق) في التيار، جوني موسى، اعترض على آلية الترشيح التي يعتمدها حزبه في الانتخابات النيابية. 

وما نُقل عن موسى في التقرير بحسب ما قاله المصدر، كان "التيار ترك كل المناضلين ومن يؤمن بالقضية وبلبنان كما نريده من أجل أن تأتوا بمن لديه المال، وها هم يتركونكم عن أول مفترق طرق"، وهذا ما نفاه موسى جملة وتفصيلاً في ردٍ أرسله إلى موقعنا. 

موقع "الحرة" اتصل بموسى مستوضحاً الكلام ومؤكداً أنه نقل معلومات ولا يتبنى أيّ منها، بل هو فقط يعرضها ولم يربط بين موسى والوزير السابق جبران باسيل بالطريقة التي استفاض بها موسى في التعبير عن ثقته برئيس التيار. 

في المقابل، شدد موسى خلال الاتصال على أنه "لم يقل هذا الكلام ولم يكتبه وهو يعتبر أن هذا النقاش داخلي أساساً وأنه لا يتدخل في هذه الأمور وهو على ثقة بحكمة قيادة التيار ممثلة بالوزير السابق جبران باسيل". 

بدوره، قال المصدر الذي أسرّ لموقع "الحرة" بهذا الأمر: "كلام موسى منشور على مواقع التواصل الاجتماعي وهو يستخدم حسابين، واحد منهم كان ينشط عليه لكنه ومن بعد هذا الكلام ألغاه وبقي يعتمد على حساب آخر لا ينقل عليه سوى حكم وأقوال وصور".

الرد الذي أرسله موسى لموقع "الحرة" فيه نفياً لما نُقل عنه، ننشره بحذافيره عملاً بحق الرد واحتراماً لحقه في التعبير عن رأيه، وفي الرد أيضاً استفاضة من قبل موسى في تأكيد الولاء لباسيل وحزبه وهذا ما لم يتطرق إليه المقال وما لا نيّة للموقع بأن يدخل بتفاصيل لا يعتبرها ذات أهمية في هذا الوقت الذي يمرّ فيه لبنان. 

وهنا رد السيد موسى كما ورد لنا: 

بتاريخ 20/8/2020 نشر موقعكم مقالة للإعلامي الأستاذ أيمن شروف نسب فيها كلاماً مزعوماً صادراً عني مفاده قولي: "التيار ترك كل المناضلين ومن يؤمن بالقضية وبلبنان كما نريده من أجل أن يأتي بمن لديه المال، وها هم يتركونكم عند أول مفترق طرق". 
 
إزاء ذلك وعملاً بحق الرد، جئت بكتابي الحاضر أرد بموجبه على ما تناوله موقعكم في هذا الإطار، طالباً نشره بحرفيته في نفس مكان المقال :
 
1) أنفي نفياً قاطعا وباتاً جميع ما نسب إلي من كلام أقل ما أقول فيه أنه غير صحيح ويندرج ضمن إطار الأقاويل الباطلة والمفبركة، وأجزم بعدم إدلائي بأي تصريح أو حديث إلى موقع الحرة الإخباري أو سواه، مؤكداً عدم معرفتي بكاتب المقال الإعلامي أيمن شروف وبعدم لقائي به.

2) كانت علاقتي برئيس التيار معالي الوزير جبران باسيل وثيقة متينة، وما زالت على هذا النحو وستبقى، إذ لا يسودها إلاّ التناغم ووحدة الرؤية في العمل الوطني والتياري، وما هذا الكلام الزائف المنسوب الي إلاّ إشاعات مغرضة لا تندرج الاّ ضمن المحاولات الخائبة الهادفة الى خلق جو من البلبلة في صفوف التياريين؛ ولن يتحقق ذلك مهما حاول المحاولون.

3) أؤكد دعمي الكامل غير المشوب بأي تحفظ أو تبرم لرئيس التيار معالي الوزير جبران باسيل، وبكون هذا الدعم نابع من ثقتي القاطعة به وبقيادته المسؤولة والرشيدة في هذه المرحلة الدقيقة والخطيرة التي يمر بها وطننا الحبيب لبنان.

4) تشرفت بأن شغلت مسؤولية "منسق قضاء الكورة في التيار الحر" لمرتين، غير إني لا أشغل بتاريخه هذه المسؤولية أو سواها، فأنا ناشط سياسي ومناضل في صفوف التيار ومن مؤسسي حالته في قضاء الكورة، ولن أكون إلاّ وفياً له ولمبادئه التي نشأت عليها وآمنت بها وناضلت لإحقاقها، ولقيادته التي تعمل لأجل إعمالها إعلاءً للشأن الوطني اللبناني.

5) أهيب بوسائل الإعلام كافة مرئية كانت أم مقروءة أو مسموعة، وحفاظاً على مصداقيتها وحرفية عملها، توخي الدقة قبل نشر أي كلام عارٍ عن الصحة، وإستقاء المعلومات من مصادرها.

6) أتحفظ في حقي باتخاذ كافة الإجراءات القانونية والقضائية الملائمة، حيال ما نسب الي، كما أتحفظ بكافة الحقوق من أي نوع كانت ولأية جهة أتت.

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".