الوزيران تعاونا مع حزب الله وتورطا بملفات فساد
الوزيران تعاونا مع حزب الله وتورطا بملفات فساد

فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على وزيرين لبنانيين سابقين، في خطوة كانت متوقعة ومنتظرة. الوزيران السابقان، على حسن خليل وهو الذي شغل وزارة المالية العامة لسنوات، ويوسف فنيانوس الذي كان وزيراً للأشغال في حكومة العهد الأولى عام 2016 والتي شكلها رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري.

من جملة ما تقوله وزارة الخزانة الأميركية في بيانها التي تشرح فيه أسباب هذه العقوبات إن "الوزيرين تعاونا مع حزب الله وتورطا بملفات فساد"، ففنيانوس "حرص من خلال منصبه كوزير للأشغال على تجيير ‏عقود مع الدولة اللبنانية لشركات مرتبطة بحزب الله كما أمّن عقوداً حكومية بملايين الدولارات للحزب ووفر له وثائق رسمية حساسة خاصة بمحكمة اغتيال رئيس الحكومة الأسبق الراحل رفيق الحريري".

وبحسب ما أوردته الوزارة، فإن "خليل سهل لحزب الله تحقيق أرباح مالية، وعمل على تحويلات مالية لتجنيبه العقوبات، كما ساهم في إعفاء حزب الله من دفع رسوم على وارادات إلكترونية، ورفض التوقيع عام 2019 على شيكات مطالباً بحصته".

وعلى الرغم من أنها تضع حزب الله على لائحة الإرهاب، فإن الولايات المتحدة لا تُصدر أي قانون أو تضع عقوبات على أي شخصية سياسية إلا في حال تورطها مباشرة بدعم الإرهاب بطريقة واضحة وليس بالمواقف السياسية، وبالتالي فإن أي عقوبة تصدر، تمرّ حكماً على وزارات الدفاع والخارجية والعدل والخزانة، وهو ما حصل في حالة الوزيرين، والعقوبات تستند إلى قانون مكافحة الإرهاب، "باتريوت آكت" الصادر بعد اعتداءات سبتمبر 2001.

ظل بري 

كان ينتظر اللبنانيون أن تصدر عقوبات ولكنهم لم يتوقعوا أن يكون فنيانوس وحسن خليل هما المستهدفان، فمن هما؟ 

مُنذ بداية عمله السياسي، تدرج على حسن خليل في صفوف حركة أمل التي يرأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، إلى أن حاز على ثقة الأخير، فصار رجله الأول في كُل الملفات الحساسة، وظله الذي لا يفارقه. وخليل الذي شغل منصب وزير الصحة في حكومة نجيب ميقاتي عام 2011 والتي أطاحت بحكومة سعد الحريري آنذاك، تربع على عرش وزارة المالية العامة مُنذ عام 2014 حتى استقالة حكومة الحريري إثر ضغط شعبي نتيجة انتفاضة 17 أكتوبر، وهو الآتي من خلفية قانونية، خريج كلية الحقوق ومزاولاً للمحاماة لسنوات.

ومُنذ عام 2014، تكرست وزارة المالية للطائفة الشيعية، فأوكل بري لمعاونه السياسي، حسن خليل، المهمة، والأخير لا يحظى فقط بثقة رئيسه، بل أيضاً بثقة حزب الله الذي يعتبره من أكثر الذين يثق بهم في محيط رئيس مجلس النواب، وفق ما يقوله مقربون من رئيس المجلس، ويُصر الثنائي الشيعي على إبقاء حقيبة المالية في يده ولا يزال حسن خليل يمارس دور وزير الظل حتى بعد انسحابه إذ ينقل عارفون في خبايا الوزارة أنه كان له الكلمة الفصل أثناء تواجد غازي وزنة في الوزارة في عهد حكومة حسان دياب، والأهم من كُل ما سبق هو الدور الذي يلعبه حسن خليل في أفريقيا وفي العلاقة مع رجال أعمال موزعين على دول عدة هناك وشبكة المصالح التي تؤمن تمويل حركة أمل وأبعد منها.

وتشرح وزارة الخزانة الأسباب التي دفعتها إلى إدراج حسن خليل على لائحة الإرهاب: "فمن موقعيه السابقين كوزير للمالية وللصحة العامة، كان علي حسن خليل واحداً من المسؤولين الذي استفاد منهم حزب الله لتحقيق مكاسب مالية، إذ تلقى دعماً من الحزب الذي تخوّف من ضعف تحالفه السياسي مع حركة أمل. كما قام بنقل أموال من المؤسسات اللبنانية إلى حزب الله بشكل يجنّب هذه المؤسسات فرض العقوبات الأميركية عليها. واستخدم منصبه كوزير للمالية لتخفيف القيود المالية الأميركية على الحزب واستخدم نفوذه لإعفاء أحد المنتمين لحزب الله من دفع معظم الضرائب على الأجهزة الإلكترونية، وجزء من المال الذي تمّ دفعه تم تخصيصه لتمويل الحزب..". 

يد فرنجية الطولى 

أما فنيانوس، والآتي أيضاً من خلفية حقوقية، فهو أقرب المقربين للوزير السابق ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية، حليف حزب الله والذي تربطه علاقة صداقة مع رئيس النظام السوري بشار الأسد. وهو أيضاً تدرج في تيار فرنجية إلى أن وصل إلى الدائرة الضيقة للأخير وصار أكثر الناس الذين يحوزون على ثقته ويوكلهم بكُل الملفات الحساسة والتي يعتبرها فرنجية استراتيجية بالنسبة له ولتياره.

ويتولّى فنيانوس إدارة العلاقة بين تيار المردة وعدد من قوى 8 آذار، ومع الأجهزة الأمنية والقضائية اللبنانية. ينقل عارفوه عن قُربه من قائد الجيش السابق جان قهوجي، وهو إلى جانب كُل ذلك، يدير ملف علاقة فرنجية ومن خلفه تياره بحزب الله، مُنذ سنوات وإلى اليوم. ويؤمن مسؤولو حزب الله له تماماً ويعتبرونه صديقاً وحليفاً وهو كاتم أسرار فرنجية وناقل رسائله إلى حارة حريك، أي إلى أمين عام حزب الله حسن نصرالله.

أكثر من ذلك، لعب فنيانوس دوراً بارزاً من خلال منصبه كوزير أشغال منذ عام 2016 حتى أواخر عام 2019 في خدمة حزب الله في مشاريع مالية تسهم في تمويل الأخير كذلك ما تعتبره الولايات المتحدة تحايلاً على العقوبات المفروضة عليه. 

وتقول الخزانة الأميركية: "استغلّ حزب الله علاقته بوزراء الحكومة وفنيانوس أحدهم لسحب الأموال من الموازنة العامة للحكومة، وضمان فوز شركات مملوكة من الحزب بمناقصات حصلت بموجبها على عقود بقيمة ملايين الدولارات. ومنح الحزب الله فنيانوس مئات آلاف الدولارات مقابل خدمات سياسية. كما ساعد حزب الله أيضاً في الوصول إلى وثائق قضائية حساسة متعلقة بالمحكمة الخاصة بلبنان، وأدى دور الوسيط بين الحزب وحلفائه في لبنان".

ماذا تعني العقوبات؟ 

هي المرة الأولى التي تصدر فيها عقوبات تطال الدائرة الضيقة لبري وفرنجية، وكان في الفترة الماضية قد تصاعد الحديث عن عقوبات ستفرضها الإدارة الأميركية على مسؤولين لبنانيين لتعاونهم مع حزب الله وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، قد كشفت قبل نحو شهر، نقلاً عن مصادر سياسية رسمية وأخرى مطّلعة، أن الولايات المتّحدة تعدّ لفرض عقوبات "لمكافحة الفساد" بحقّ شخصيات سياسية ورجال أعمال لبنانيين، في محاولة منها "لإضعاف نفوذ حزب الله في لبنان".

واللافت أن الصحيفة في تقريرها، كانت قد ربطت العقوبات بانفجار المرفأ في 4 أغسطس الماضي وهو الحدث الذي "عجّل الحراك داخل واشنطن لوضع أسماء بعض القادة السياسيين والعسكريين المتحالفين مع حزب الله ضمن اللائحة السوداء"، وتنقل عن مسؤولين أن "الولايات المتّحدة ترى أن الفرصة مؤاتية الآن لعزل حزب الله عن حلفائه".

يقول الباحث في معهد الدفاع عن الديموقراطية طوني بدران في حديثه لموقع "الحرة": "الحديث عن عقوبات بحق مسؤولين ليس وليد اليوم بل هو يرجع إلى أكثر من سنة، وهي اليوم تأتي في سياق واضح وهو خنق كُل من يدور في فلك حزب الله ولا نتحدث هنا عمن هم مع الحزب بل عن حلفائه المباشرين"، واللافت بحسب بدران أن "العقوبات بحق الرجل الأول إلى جانب بري أنها تأتي لتنفي التمايز بين شبكتي حزب الله وأمل في أفريقيا لأنها تتقاطعان في تبييض الأموال لصالح الطرفين وهذه أول مرة تُربط الأمور بهذه الطريقة".

يضع الصحافي والمحلل السياسي حسين عبد الحسين العقوبات في خانة التأكيد على أن "حزب الله بالنسبة للأميركيين هو منظمة إرهابية، ولا فصل بين جناحه العسكري وجناحه السياسي وهذا ما يتحدث عنه الأوروبيون، أي الفصل، في الحديث عن الحزب والتعاطي معه".

وطالما أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حمل في زيارته الأخيرة لبيروت مبادرة قرأها البعض أنها تعويم للحزب بطريقة ما، فإن عبد الحسين يرى أن "العقوبات رسالة واضحة أن لا فصل بين الجناحين وأن التعامل مع الحزب هو تعاون مع الإرهاب وهي رسالة إلى كل الأطراف السياسية المحلية مفادها أنه إذا كنتم لا تريدون التعامل مع مشكلة حزب الله، فتفضلوا العقوبات".

يضيف: "هذه المرة العقوبات تحمل أبعاداً أخرى وهي تحميل كُل من هو مُتعاون مع الحزب مسؤولية هذا التعاون وجعلهم عرضة للعقوبات كما حصل مع حسن خليل وفنيانوس"، ويشير إلى أنه "في وقت سابق كانت الحكومة محمية ولكن الآن الوضع تغيّر والحديث عن فساد هو فقط لتزيين القرار إلا أن الأساس واضح، وهو التعاون مع الحزب".

وكان الرئيس الفرنسي قد مهد لزيارته باتصال مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وضعه خلاله في أجواء المبادرة الفرنسية تجاه لبنان، ووضعت في حينها مصادر سياسية رفيعة "خطوة ماكرون في إطار إضفاء البعد الدولي الواسع على مبادرته ولكن هذا لا يعني أن الأميركيين موافقون بالكامل على كل ما يقول به ويفعله الرئيس الفرنسي".

ويقول بدران: "الولايات المتحدة في النهاية دولة عظمى وهي لا تفكر كما يعتقد البعض في لبنان على مستوى (رئيس التيار الوطني الحر جبران) باسيل او غيره من الشخصيات المحلية، بل تعاطيها يأتي من منطلق أن حزب الله حول لبنان إلى مركز عمليات الحرش الثوري الإيراني والتعامل معه هي في سياق حجم تدخله وتداخله في المعركة الكبرى أي مع إيران".

وكانت قد سرت في وقت سابق معلومات تتحدث عن ان العقوبات ستطال باسيل وهو ما لم يحصل، وهنا يقول عبد الحسين: "استطاع باسيل على ما يبدو أن يحمي نفسه ويفلت من العقوبات كون الأميركيين لم يستطيعوا الوصول اليه".

ويطرح باسيل نفسه ومن قبله فعل ذلك عمه رئيس الجمهورية ميشال عون، بأنه من يؤمن الغطاء المسيحي لحزب الله وبالتالي فإن عدم شموله بالعقوبات يقوي موقعه وموقفه مع الحزب، وهذا ما يسخر منه بدران الذي يقول إن "حزب الله لا يكترث إن فرضت عقوبات على جبران أو لم تفرض، هذا حديث غير عقلاني، وعقلية فصل حلفاء الحزب عنه بهذه الطريقة هي عقلية فاشلة ولا أعتقد أن الأميركيين في وارد القيام بهذا الأمر".

وتقول مصادر متابعة لملف العقوبات إن "ما يجري اليوم هو المزيد من الضغط على حزب الله وعلى كل من يتعامل ويتعاون معه من أجل إضعافه وكف سطوته عن القرار اللبناني وضرب جذوره التي امتدت في كل المنطقة ووصلت حتى إلى الولايات المتحدة".

يختم بدران: "الفصل السخيف بين جناح عسكري وآخر سياسي لم يعد يمر. العقوبات خطوة أولى تجاه عقوبات تحت قانون ماغنيتسكي، وفنيانوس يفتح المجال لعقوبات ممكن أن تطال الجميع ومن بينهم مقرب من سعد الحريري. كل الخطوط الحمر سقطت".

ويخول قانون ماغنيتكسي الولايات المتحدة فرض عقوبات على منتهكي حقوق الإنسان في كل أنحاء العالم من خلال تجميد أصولهم وحظرهم من دخول البلاد فضلا عن عقوبات تمتد لنواحي وأمور أخرى.

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".