بلدة الطفيل اللبنانية تحت سيطرة حزب الله

فرض "حزب الله" اللبناني، خلال العقدين الأخيرين، سيطرته بقوة السلاح على لبنان ومؤسساته الدستورية، وتحكم بقرار السلم والحرب ومفاصل الدولة وحتى المعابر الحدودية، ومع اندلاع الحرب السورية ومشاركته العسكرية فيها انقض الحزب على قرية طفيل اللبنانية، المحاذية للأراضي السورية، بسبب موقعها الاستراتيجي بين البلدين وعمل على تهجير أهلها بحجة العمليات العسكرية، وأعقب ذلك عمليات شراء قسرية وتملك مشكوك بقانونيته، فضلاً عن خطف وتهديد شبابها.

الطفيل، بلدة نائية، تقع بعمق السلسلة الشرقية للبنان وتتداخل فيها الاراضي السورية، مساحتها 52 كيلومتر مربع، وعلى بعد 57 كيلومتراً من العاصمة السورية، دمشق.

يعاني أهالي هذه البلدة، من سيطرة "حزب الله" الكاملة، منذ تهجيرهم في المرة الأولى عام 2014، عندما قام بتحويلها إلى منطقة عسكرية، بحجة محاربة المسلحين بالمناطق المحاذية للحدود السورية في منطقة القلمون.  

مزاعم بإمتلاك كامل البلدة 

ويبدو أنّ المعاناة عادت بشكل مختلف هذه المرة، حيث يزعم أحد المقربين للحزب، ويدعى حسن دقو، إمتلاكه لكافة الأراضي، طالباً من سكانها دفع الخوات أو الخروج من القرية، لكي يتمكن من تنفيذ أجندة سياسية وأمنية، بحسب متابعين.

 

وأوضحت مصادر خاصة لموقع "الحرة"، أنّ "قرية الطفيل تضم 27 عقاراً أميرياً غير ممسوح، كل عقار 2400 سهم، تعود ملكية 600 سهم في كل عقار لشخص يدعى محمود أحمد خنافر، وهو من الجنوب اللبناني ولا أحد يعلم مكان وجوده منذ فترة طويلة، ومصرف لبنان الذي امتلك 1800 سهم في كل عقار، بعد إفلاس بنك مبكو الذي كان مالكاً لها عام 1980. 

وأضافت المصادر أنّ "الأهالي يعملون منذ الوجود التركي في تلك الأراضي (أكثر من مئة عام)، وأتى الانتداب الفرنسي، وبقوا في أراضيهم التي كانت لأحد الاقطاعيين الذي باعها لبنك مبكو (أفلس لاحقاً)".

وكالات وإفادات "كاذبة ومزورة"

وفي الخامس عشر من شهر يونيو الماضي، دخل إلى القرية شخص يدعى حسن دقو، زاعماً أنه اشترى القرية بأكملها من المدعو محمود أحمد خنافر ، ومصرف لبنان، بموجب وكالات غير قابلة للعزل، مسجلاً أصولاً في السجلات العقارية، باسم شركة "سيزر" التي تعود ملكيتها لقرابته، بحسب المصادر نفسها.

وفي هذا السياق، قال أحمد محمد (اسم مستعار)، أحد شبان القرية، في حديث لموقع "الحرة"، إنّ "مجموعة من أهالي القرية تحرّت عن الموضوع، وتواصلت مع إدارة مصرف لبنان، لتبيّن أنّ دقو اشترى 600 سهم في كل عقار من أحد وكلاء خنافر، بموجب وكالات غير قابلة للعزل، سجلت لدى أمانة السجل العقاري".

وأضاف محمد أنّ "دقو اشترى هذه الأسهم بتسهيل وإفادة كاذبة من مختار المحلة السيد علي الشوم، المقرب من حزب الله، مفادها أنّ هذه العقارات خالية من أي إنشاءات ولا أبنية أو شجر عليها لكي يتمكن الأول من تسجيلها رسمياً".

وحصل موقع "الحرة"، على عقد البيع الممسوح واحدى الإفادات العقارية التي تؤكد امتلاك شركة دقو "سيزر" لـ 600 سهم فقط من كل عقار، أي الربع، بإفادة من المختار، وليس بملكيته كافة العقارات.

 

 

معابر لتهريب الأسلحة والمخدرات

كما كشف "أبو علي" (اسم مستعار)، وهو أحد أهالي القرية، في حديث لموقع "الحرة"، أنّ "دقو شريك مسؤول الأمن في حزب الله، وفيق صفا، وشقيقه، في أنشطة تجارية عدّة، وجميع سيارات موكبه مسجلة بإسم احد الوزراء اللبنانيين، وهو تاجر مخدرات يصّدر الكبتاغون لدول عدة أبرزها إيطاليا واليونان".

وأضاف أنّ "هذه المنطقة تعتبر استراتيجية للحزب وحليفيه الإيراني والسوري، وهناك معابر وأنفاق لتهريب أسلحة ومخدرات، أبرزها نفق يربط محافظة البقاع بمنطقة الزبداني في ريف دمشق الغربي"، مضيفاً "من الطبيعي أنّ يكون الهدف من تهجرينا هو العمل براحة أكبر وبعيداً عن الأنظار".

خطف وتهديد أهالي الطفيل

وفي السادس عشر من شهر يونيو الماضي، باشرت شركة "سيزر" بأعمال الحرف جارفة منازل بعد إجبار سكانها على الإخلاء واقتلاع أكثر من 400 ألف شجرة مثمرة، ما دفع مجموعة من الأهالي أبرزهم منصور وأحمد شاهين، للتقدم بدعوى أمام القضاء المختص، واستحصلوا على قرار بوقف الأعمال من قاضي العجلة ومحافظ بعلبك، السيد بشير خضر، ولكن لم يتم الالتزام به، بحسب المصادر نفسها.

وفي آواخر يونيو الماضي، تم خطف المدعو منصور شاهين، من منزله وأمام أعين الجميع، من قبل عناصر تابعة لـ"حزب الله" والفرقة الرابعة في الجيش السوري، وأخرجوه عارياً في محاولة لإذلاله وزرع الذعر في نفوس أهالي القرية، بحسب شهود عيان. وسلّم المدعو أحمد شاهين لعناصر من الجيش السوري، لوجود مذكرات توقيف بحقه، بحسب مزاعم موالين للحزب في المنطقة.

"تقصير قضائي واضح"

من جهتهم، تقدم ذوو المخطوفين بدعوى أمام النيابة العامة المختصة، بجرم الخطف والتهديد، إلا أنّ التحقيق لم يأخذ مجراه، بحجة وجود مذكرات توقيف سورية بحق الشخصين.

وأكّد أحد أصدقاء المختطفين، في حديث لموقع "الحرة"، أنّ "لا صحة لوجود أي مذكرات قضائية بحق المخطوفين، وقد وعد دقو بإعادتهم سالمين خلال 24 ساعة، في حال تم إخلاء القرية من آل شاهين"، سائلاً "هل يعقل توقيف أحد بهذا الشكل ودون مراعاة سيادة واختصاص القضاء اللبناني، ما هذا التقصير والاستهتار؟".

"كل شيء بيد حزب الله"

وفي سياق متصل، يروي "أبو مصطفى" (اسم مستعار)، احد أهالي القرية، لموقع "الحرة"، معاناة أهالي الطفيل مع سطوة الحزب، قائلاً: "كل شيء بيد مسلحي حزب الله والنظام السوري، حتى أنّ الجيش اللبناني فرع مخابرات الحدود البرية، يحدد وقت لدخول القرية وخروجها، مانعاً إدخال أكثر من 10 ربطات خبز، في الوقت الذي يفتح لغيرنا".

وأوضح أنّ "الدخول إلى الطفيل كان غير ممكن عبر الأراضي اللبنانية،  فالطريق الوحيد للوصول إلينا كان معبر المصنع الحدودي مع سوريا، إلى أن فتحت الدولة اللبنانية طريقا واسعة ومعبدة عام 2018".

وأضاف أبو مصطفى "لا نستطيع القيام بأي شيء، تهديد بالقتل وابتزاز مالي  لكي تبقى القرية منطقة عسكرية آمنة للحزب، الذي جعل من بعض أراضيها معملاً لصناعة المخدرات وتحديداً البنتاغون".

أكثر من شهرين ونصف على خطف شابين لبنانيين من قرية الطفيل، دون أنّ يصدر عن الدولة اللبنانية أي بيان رسمي توضيحي،وسط تزايد مخاوف أهالي القرية من تهجيرهم نهائيا من أرضهم.

سلاح حزب الله

في مقابلة أجراها غسان شربل ونشرها في كتابه "لعنة القصر،" يقول رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، الذي اغتيل في العام ٢٠٠٥ في تفجير ضخم، إن إنهاء الميليشيات بعد اتفاق الطائف شهد محاولتين:

الأولى اعتمدها ميشال عون (قائد الجيش حينذاك)، عبر محاولة إنهاء القوات اللبنانية بالقوة، "استخدم المدفع فماذا كانت النتيجة؟"، يسأل الحريري، ثم يجيب: "دُمرت المنطقة الشرقية ودُمّر الجيش وبقيت الميليشيات". 

والطريقة الثانية التي يتحدث عنها الحريري كانت تلك التي اعتمدها رئيس الجمهورية في تلك الفترة، الياس الهراوي، الذي قال للميليشيات (بحسب الحريري): "الدولة تتسع للجميع. سلموا أسلحتكم للدولة وشاركوا". يتابع الحريري: "أسألك أين هي الميليشيات اليوم؟ ذابت الميليشيات".

ما يحكي عنه الحريري حدث في العام 1990 بعد شهور على توقيع اتفاق الطائف في أكتوبر ١٩٨٩، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. 

نص الاتفاق آنذاك بوضوح على أن الحكومة الأولى بعد الطائف تضع خطة هدفها "بسط سلطة الدول اللبنانية تدریجیاً علـى كامل الأراضي اللبنانیة بواسطة قواتها الذاتیة". ل

يس ذلك فقط، بل وضع الاتفاق جدولاً زمنياً لهذا الانتقال من عهد الميليشيات إلى عهد الدولة: 

"الإعلان عن حل جمیع المیلیشیات اللبنانية وغیـر اللبنانية وتسليم أسـلحتها إلـى الدولـة اللبنانية خـلال سـتة أشـهر تبـدأ بعـد التصديق علـى وثیقـة الوفـاق الـوطني وانتخـاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومـة الوفـاق الـوطني وإقـرار الإصـلاحات السياسية بصورة دستورية".

"ذابت الميليشيات" في الدولة، بحسب المصطلح الذي استخدمه الحريري، وهذا الذوبان تمّ، على ما يشرح غسان شربل، عبر "رشوة الميليشيات بحصة من الدولة". دخل كثير من عناصر هذه الميليشيات إلى القوى العسكرية والأمنية الرسمية، وتسلّم الجيش اللبناني منها السلاح الثقيل والمتوسط، فيما بقي كثير من السلاح الخفيف (رشاشات ومسدسات) في بيوت عديد من اللبنانيين حتى يومنا هذا.

ما كان لافتاً لدى تطبيق هذا الاتفاق، أن "حزب الله" وحده لم "يذب" في الدولة، وجرى الإبقاء على سلاحه، بحجة "مقاومة إسرائيل"، بتواطؤ من أطراف محلية واقليمية، وبغض نظر من الأطراف الدوليين. 

بقي "حزب الله" الميليشيا المسلحة الوحيدة بعد الطائف. وراح يكبر في منظومته العسكرية حتى بات جيشاً رديفاً، يغرّد وحيداً بأجندة إيرانية- سورية، في مخالفة واضحة لنص اتفاق الطائف، وفي تحايل على أحد بنوده الذي ينص على "اتخـاذ كافـة الإجراءات اللازمة لتحرير جمیع الأراضـي اللبنانية مـن الاحتلال الإسرائيلي وبسط سـیادة الدولـة علـى جمیع أراضيها ونشر الجیش اللبناني في منطقة الحـدود اللبنانیة المعتـرف بهـا دولیاً والعمـل علـى تـدعیم وجـود قـوات الطوارئ الدولية فـي الجنـوب اللبنـاني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحـة الفرصـة لعـودة الأمـن والاسـتقرار إلـى منطقـة الحدود". 

هذه الفقرة تبدو مطابقة إلى حد كبير لنص القرار 1701، موضع التنفيذ حاليا في جنوب لبنان.

اليوم، بعد حرب طاحنة مع إسرائيل أفقدته قوته العسكرية، يعود الحديث عن تسليم سلاح "حزب الله" للدولة على غرار ما حدث مع باقي الميليشيات في العام ١٩٩٠، وقد تحدث رئيس الجمهورية، جوزاف عون، في مقابلة تلفزيونية عن حوار ثنائي مع الحزب لتسليم سلاحه. وفي تصريح آخر- أثار بلبلة ديبلوماسية مع العراق- أكد عون أنه من غير الوارد تكرار تجربة الحشد الشعبي في لبنان.

الخبير الأمني والعسكري الجنرال المتقاعد خليل الحلو، يرى في مقابلة مع موقع "الحرة" أن تجربة الحشد الشعبي في العراق غير مقبولة في لبنان، "ويجب أن تمر عبر مجلس الوزراء ولا أعتقد أن أي مجلس وزراء يستطيع تمرير هكذا قرار كما تحتاج إلى قانون من مجلس النواب، من أجل التمويل، وهذا غير وارد".

يشرح الحلو أن "ميليشيات الحشد الشعبي تستحصل على رواتبها من الحكومة العراقية، وهي تأتمر نظرياً من الحكومة، لكن عملياً هناك فصائل عدة تأتمر بشكل مباشر أو غير مباشر من إيران ولديها أيديولوجيتها الخاصة. وهذه التجربة دلت على أن الحكومة العراقية لا تسيطر على الحشد الشعبي".

وهذا، برأي الحلو، هو بيت القصيد في مسألة استيعاب عناصر "حزب الله" داخل الجيش اللبناني. 

بالنسبة إلى الحلو فإن المسألة سياسية وعسكرية: "لا يمكن أن يكون هناك أمرة عسكرية على حشد شعبي-نسخة لبنانية، وهذا الحشد الشعبي يفعل كما يحلو له ويجر لبنان إلى حروب لا يريدها".

معضلة أخرى تبرز في الحالة اللبنانية ترتبط بحساسية التوازن الطائفي القائم على قاعدة يطلق عليها اللبنانيون تسمية "ستة وستة مكرر". وهي تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، ومرتبطة بمراسلات بين رئيس الجمهورية آنذاك والمفوض السامي الفرنسي تتعلق بالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين اللبنانيين.

كانت هناك مراسلة رقمها ٦، أرسلها الرئيس إلى المفوض أكد فيها على التزام المساواة في التعيينات والوظائف الرسمية، وبعد رد المفوض أرسل الرئيس رسالة ثانية حملت عنوان "٦ مكرر"، جدد فيها الرئيس التزامه السابق، وتحول الأمر مع الوقت إلى عرف لبناني، نص عليه اتفاق الطائف عبر المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين.

مراعاة "الستة وستة مكرر" ستكون صعباً في حالة ضم آلاف العناصر من "حزب الله" إلى الجيش اللبناني. الحلو يذكر أنه "عندما جرى استيعاب الميلشيات في العام ١٩٩٠ داخل الجيش اللبناني، كان الأمر مقبولاً لأن العدد لم يكن كبيراً، وأكثرية الميليشياويين في ذلك الوقت اختاروا الذهاب إلى الحياة المدنية وليس إلى الجيش".

إذا حصل الأمر كما يتم تداوله، أي ضم مقاتلي "حزب الله" إلى الجيش دفعة واحدة، فإنه بلا شك سيكسر التوازن الطائفي داخل المؤسسة العسكرية، كما يؤكد الحلو، "وقيادة الجيش حريصة على الحفاظ ليس فقط على التوازن الطائفي (إسلامي – مسيحي) بل أيضاً التوازن المذهبي (سني-شيعي مثلاً)". 

ولهذا يرى حلو أن "هناك استحالة في ضم عناصر حزب الله بالآلاف إلى الجيش، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالأعداد، بل العقيدة القتالية وبالموازنة والتسليح وهي مسألة متكاملة".

هل حزب الله مستعد للتخلي عن ثلاثين ألف مقاتل؟ يسأل الحلو. ثم يجيب: "واقعياً المعضلة موجودة ولا حل عملياً لها، إلا بفتح باب التطويع وتدريب المقاتلين وفق عقيدة الجيش اللبناني واستيعابهم داخل المؤسسة إذا كانوا مقتنعين، رغم انتمائهم لحزب الله، بالالتزام بعقيدة الجيش والالتزام بالأوامر على المستويين العسكري والسياسي". 

الحلو يقول إن هناك ضباطاً شيعة في الجيش اليوم من الجو السياسي لـ"حزب الله"، و"هؤلاء مندمجون في الجيش في تجربة تعتبر إلى حد كبير ناجحة، وإذا كان حزب الله لا يثق بهؤلاء الضباط فإنه لن يثق بالدولة اللبنانية".

لماذا يقوم الجيش اللبناني بإتلاف السلاح الذي يصادره من "حزب الله" ولا يحتفظ به؟

هذا السؤال، الذي يترافق غالباً مع قضية ضم مقاتلي "حزب الله" يطرحه كثيرون، ويرى البعض أن الأمر يعود لأسباب سياسية. لكن الحلو يقول إن الأمر تقني بحت، "في ألف-باء الأمور العسكرية، عندما يكون هناك ذخائر لا يمكن استخدامها أو صيانتها، تصبح خطرة، وتخزينها خطر، وأكبر دليل على ذلك ذخائر لحزب الله انفجرت بعناصر من الجيش اللبناني وهم ينقلونها وقتلت ٣ عسكريين".

في السابق كانت تقع حوادث يصادر على إثرها الجيش ذخائر وأسلحة لـ"حزب الله" وكانت تعاد هذه الأسلحة للحزب بقرار من السلطة السياسية، استنادا إلى البيانات الوزارية السابقة التي كانت تغطي تسليح الحزب وعمله العسكري. اليوم اختلف الأمر تماماً، كما يقول الحلو، "البيان الوزاري يلتزم بتطبيق القرار ١٧٠١ والسلطة السياسية كلها ملتزمة بهذا الأمر تحت رقابة دولية".