عصابات الخطف نشطت بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا ولبنان
عصابات الخطف نشطت بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا ولبنان

في يونيو الماضي، استطاع هادي (اسم مستعار) سوري الجنسية الاتصال بوالده في السويد، ليُخبره أنه مخطوف وموجود في منطقة البقاع شرقي لبنان. أبلغ الوالد السلطات المعنية بأن ابنه مخطوف، فقامت مخابرات الجيش اللبناني في 14 يونيو وبعد مراقبة الخط الذي أجرى منه هادي اتصاله، تم رصده في بلدة بريتال في قضاء بعلبك، فما كان من الجهاز إلا أن داهم المنزل الذي رُصد فيه رقم الهاتف. 

حصلت المداهمة لمنزل استأجره الخاطفون، فعثرت دورية المخابرات على 15 مخطوفاً من الجنسية السورية واللبنانية، وبعد تحقيقات أولية في مكان المداهمة تبين وجود أشخاص آخرين مخطوفين في منزل آخر، فقامت الدورية نفسها بمداهمة المنزل وحصل اشتباك مع الخاطفين وتمكن عناصر الأمن من الدخول إلى المنزل حيث عثروا فيه على 8 أشخاص مخطوفين، جميعهم من الجنسية السورية. 

ومن المعروف أن عصابات الخطف والسرقة تنشط في البقاع لاعتبارات عدة أهمها وأبرزها غياب الدولة شبه التام في تلك المنطقة، فضلاً عن توفر حماية وغطاء حزبي لعشائر المنطقة، وهو ما يستفيد منه المجرمون من أجل الاستمرار في القيام بأعمال "التشبيح" التي يقومون بها. 

وككل جريمة، انتشر خبر تحرير المخطوفين، ثم وزع الجيش صورة لهم بعد تحريرهم، ليسلك الملف مساره القضائي.

كيف تعمل العصابة

وبعد متابعة استمرت لأكثر من شهر، استطاع موقع "الحرة" الوصول إلى وثائق ومحاضر تحقيقات تكشف خبايا كثيرة حصلت قبل عملية المداهمة، وكيفية عمل هذه العصابات التي ازداد عددها نتيجة سعي الناس للهروب من الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها كُل من لبنان وسوريا، فكيف تعمل هذه العصابات؟ 

بحسب التحقيقات التي قام بها فرع مخابرات البقاع، تبيّن أن المدعو ح. البزال يعمل مع شقيقه الملقب بأبو حيدر، وهما لبنانيان، يعاونهما شخص سوري يدعى س. العلي وملقب بالمختار ومقيم في بلدة بريتال أيضاً، وهم يقومون باستدراج أشخاص سوريين ولبنانيين إلى محيط منطقة زحلة في البقاع بعد إيهامهم بأنهم سيقومون بتسفيرهم إلى أوروبا عن طريق البحر لقاء مبلغ مالي يُدفع عند وصولهم إلى وجهتهم. 

ومن المعروف أن عصابات تهريب البشر والتي نشطت كثيراً في السنوات الأخيرة في لبنان، وتحديداً منذ بدء الأزمة السورية، تقول للراغبين بالهروب إنها لا تقبض الأموال إلا حين يصلوا إلى وجهتهم، لمحاولة كسب ثقة هؤلاء الأشخاص المترددين كونهم لا يعرفون عن المهربين شيئاً. 

وهذا بالضبط ما فعله الثلاثي الذي ألقي القبض على واحد منهم، ويبدو من خلال التحقيقات أنه الحلقة الأضعف بينهم، إذ يقوم هؤلاء باستدراج الناس إلى محيط زحلة ثُم ينقلونهم بسيارات زجاجها داكن إلى مراكز الاحتجاز في بريتال. 

ويقول ح. البزال خلال التحقيق معه إن عملية استدراج الضحايا كانت تحصل بشكل مستمر، كل بضعة أيام، ويتم احتجاز الضحايا لعدة أيام ويُجبروا على الاتصال بذويهم وإخبارهم بأنهم وصلوا إلى وجهتهم ويطلبون منهم تحويل الأموال عبر OMT على اسم س. العلي الملقب بالمختار. 

واعترف البزال أيضاً أن شقيق زوجته أيضاً مشترك معهم في الجريمة، إذ يستخدمون منزله في احتجاز المخطوفين، حيث كشفت التحقيقات معه أن نشاطهم الكبير كان يستدعي وجود أكثر من مكان لكي يكون لديهم مساحة كافية لعشرات المستدرجين. وانضم إليهم أيضاً شخص من الجنسية السورية وملقب بالشقور ساعد في حراسة الرهائن. 

ويقوم ح. البزال والشقور بمراقبة المحتجزين فيما ينشط أبو حيدر والمختار في استدراج الرهائن، كذلك اعترف البزال بأنه كان يُقدم على ضرب المحتجزين الذكور، فيما نفى أن يكون قد قام باغتصاب النساء المحتجزات لديه. 

ومن خلال التقصي، ومتابعة القضية، تبيّن أن العصابة المذكورة وغيرها من العصابات يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى ضحاياهم، إذ يقوم هؤلاء بإنشاء حسابات على فيسبوك بأسماء غير حقيقية، ويراقبون الصفحات التي ينشط عليها اللاجئون والذين يبحثون عن فرص عمل وغيرها من الصفحات، ثم يقوموا بكتابة منشور على هذه الصفحات مفاده أنهم مستعدون لمساعدة كل من يريد أن يحصل على فرصة للوصول إلى أوروبا من دون تقديم تفاصيل أكثر. 

وإحدى هذه المجموعات على سبيل المثال كانت تُسمّى "مشاكل السوريين مع الأمم في لبنان وعدم تعاون موظفيها مع اللاجئين"، وهي صفحة تُعنى بمتابعة شكاوى اللاجئين، ومن خلالها، استطاعت عصابات الخطف استدراج أكثر من عائلة.

وبحسب ما تحصلنا عليه من معلومات، فإن حساباً وهمياً يطلق على نفسه "أبو علي مهدي مهدي" كان يقوم بوضع إعلانات مزيفة ليستدرج أعضاء المجموعة للتواصل معه بهدف تأمين سفرهم كما يزعم. 

وبعد متابعة الحساب، تبين أنه مخصص فقط لعملية النصب هذه، ولا يوجد عليه أي نشاط آخر، فحاولنا التواصل معه من حساب آخر وهمي ولكنه لم يستجب، وتبين لاحقاً أنه بعد إلقاء القبض على بعض المشاركين في هذه العمليات، توقف الحساب عن استدراج الأشخاص المهتمين بالهرب من لبنان، كونه صار تحت مراقبة القوى الأمنية. 

عبير.. من ويلات الحرب إلى جحيم الاختطاف

عبير (اسم مستعار)، سورية هاربة من الحرب الدائرة في بلدها. عاشت في لبنان وعملت في محل ألبسة، واتفقت، كما تقول في شهادتها للمحققين، مع امرأة سورية أخرى، على السفر إلى أوروبا عن طريق البحر بوساطة شخص نسقت معه رفيقتها التي أيضاً كانت تعمل في محل ألبسة على أطراف العاصمة بيروت.  

هذا الشخص الذي تعرفت عليه عبير، من خلال صديقتها السورية الأخرى، خلال زيارتها لمحل الألبسة التي تعمل فيه الأخيرة، والمدعو ر. زغيب، كان على صلة بالمهرب وصديقه كما تقول عبير.

والمبلغ المالي الذي طلبه المهرب كان يُقدر بنحو 6 آلاف دولار نقداً عن عبير وعائلتها، أي زوجها وأولادها الاثنين وشقيقة زوجها واللافت أن المبلغ دفعته لزغيب وليس للمهرب، وحاولنا الوصول إلى الأخير إلى أنه يبدو أن متوار عن الأنظار منذ ذلك الوقت. 

عبير التي صدقت أنها ستتمكن من الوصول إلى أوروبا، استقلّت، في 25 مايو الماضي، مع أفراد عائلتها سيارة أجرة، وتوجهوا إلى البقاع، وتحديداً إلى بلدة الفرزل، وهي بلدة تقع بين زحلة بعلبك،  قبل أن تأتي سيارات دفع رباعي بزجاج داكن وتقلّهم إلى بريتال. هناك، بدأت معاناة عبير الفعلية. 

لم تسلم عبير من شيء وهي محتجزة لدى عصابة أبو حيدر. فور وصولهم إلى منزل السوري س. العلي حيث تم احتجازهم، كان لعبير حصة الأسد من معاناة غالبية المحتجزين. قرر أبو حيدر، ع. البزال، أن عبير يجب أن تترك زوجها.

أجبرها على طلاقه، كما تقول في شهادتها أمام الفرع الأمني. طلاقها أتى بعد أن قام باغتصابها، وهو ما ينفي ادعاء الموقوف ح. البزال بأنه لم يحصل أي اعتداء جنسي بحق المحتجزين لديهم. 

وتضيف عبير في الإفادة التي حصلنا على نسخة منها أن أبو حيدر كان يصطحبها معه في كافة تنقلاته على الحواجز الأمنية، وأطلق سراح زوجها مقابل إبقائها محتجزة لديه، كزوجة له! 

رواية عبير، شبيهة برواية صديقتها زينة (اسم مستعار) التي اتفقت معها على السفر إلى أوروبا والتي أيضاً توجهت إلى الفرزل مع عائلتها حيث تم اقتيادهم إلى بريتال. زينة كعبير، تعرضت لاغتصاب من قبل الشخص نفسه، أبو حيدر، لكن الفارق الوحيد أنه لم يقم بتطليقها من زوجها. 

ماذا بعد؟ 

عصابة أبو حيدر ورفاقه ليست الوحيدة النشطة في البقاع. مثلها كُثر وهي في ازدياد، اذ تقول مصادر قوى الأمن الداخلي إن مثل هذه العصابات التي كانت تنشط، ستزداد نظراً للوضع الاقتصادي المزري الذي يعاني منه لبنان ما يعني أن المزيد من الناس ستبحث عن مخرج، وبالتالي سيأتي من يستغل معاناتهم كما فعلت عصابة أبو حيدر.  

وعلم موقع "الحرة" أن شقيقاً آخر لأبو حيدر كان قد أوقف في فترة سابقة من قبل الجيش اللبناني ومعه أحد الأشخاص من الجنسية السورية وملقب بالبلجيكي في محلة الدورة، أثناء توجدهما في المنطقة للقاء شخص لأخذ فدية منه. 

أيضاً وفي محاولة منا لربط كُل الخيوط ببعضها البعض، تبين وبعد سؤال مراجع أمنية أن "أحد أشقاء أبو حيدر كان يعمل معه في خطف واحتجاز رهائن قد قُتل في سوريا"، من دون معرفة الأسباب أو كيف، أي إن كان قد قُتل بسبب مشاركته في القتال الدائر هناك أو لأسباب تتعلق بعمله كخاطف أو تاجر مخدرات.

إذ تبين من خلال التحقيقات مع شقيقه الموقوف أنهم أيضاً يعملون في تجارة المخدرات، وضُبط في المكان الذي يحتجزون فيه الرهائن، مخدرات وسلاح. 

ويقول أهالي في المنطقة لموقع "الحرة" إن "هذه العصابات تعتبر نفسها فوق القانون وتمتلك السلاح والجرأة في أن تقوم بما يحلو لها من دون أن تُحاسب، خاصة إذا ما بقيت في المنطقة ولم تخرج منها".

ويضيف هؤلاء: "المنطقة تُعتبر موالية لحزب الله والأخير لا يرفع الغطاء عن المخلين بالأمن لأنه في مكان ما يحتاجهم في معاركه، فضلاً عن الدور العشائري وعدم قدرته على تأمين بديل لهم، فيما يبقى المسؤول الأكبر عن هذا الفلتان هو غياب الدولة الكلي، تنموياً وأمنياً ما يسمح لهذه الظاهرة أن تكبر وتستمر".  

ويسلك الملف مساره القانوني، بعد أن أمر المدعي العام العسكري بتوقيف ح. البزال مع المضبوطات وإحالة الملف كاملاً إلى المديرية العام للأمن العام. 

وتُتابع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الملف، وحاول موقع "الحرة" التواصل مع المعنيين فيها لمعرفة ما الذي يحصل وكيف ستساعد من تعرض للخطف وتم تحريره، كذلك ما الذي تقوم به من أجل توعية اللاجئين حول هذه المخاطر، ولتلافي وقوع غيرهم في قبضة هذه العصابات.

إلا أن مسؤولي المفوضية فضلوا عدم الحديث في الموضوع وابقاءه طي الكتمان علماً أن هناك رأياً قانونياً يقول إن الطريقة المثلى للتعاطي مع هذه الظاهرة هو بفضح المرتكبين أيضاً والأساليب التي يتبعونها لاستدراج الناس، وهذا تماماً ما يُسهم برفع نسبة الوعي لدى الجميع ويحد من قدرة هذه العصابات بشكل كبير. 

وفي السياق نفسه، حمل موقع "الحرة" الملف إلى جمعيات تُعنى بحقوق الإنسان وحماية النساء من العنف والاستغلال الجنسي، فكان رد "منظمة العفو الدولية" في لبنان أنها تتابع حالات محددة هي غالباً لها علاقة بسوء تعامل السلطات مع ملفات معينة.

وكذلك، تتبع منظمة "كفى" التي تعنى بقضايا العنف ومكافحة الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي، طريقة واضحة في كيفية ملاحقة قضاياها، ولا علم للمعنيين فيها بموضوع عصابات البقاع، وبريتال تحديداً، إلا أنهم أبدوا اهتماماً بالملف ووعدوا بمتابعته.

سلاح حزب الله

في مقابلة أجراها غسان شربل ونشرها في كتابه "لعنة القصر،" يقول رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، الذي اغتيل في العام ٢٠٠٥ في تفجير ضخم، إن إنهاء الميليشيات بعد اتفاق الطائف شهد محاولتين:

الأولى اعتمدها ميشال عون (قائد الجيش حينذاك)، عبر محاولة إنهاء القوات اللبنانية بالقوة، "استخدم المدفع فماذا كانت النتيجة؟"، يسأل الحريري، ثم يجيب: "دُمرت المنطقة الشرقية ودُمّر الجيش وبقيت الميليشيات". 

والطريقة الثانية التي يتحدث عنها الحريري كانت تلك التي اعتمدها رئيس الجمهورية في تلك الفترة، الياس الهراوي، الذي قال للميليشيات (بحسب الحريري): "الدولة تتسع للجميع. سلموا أسلحتكم للدولة وشاركوا". يتابع الحريري: "أسألك أين هي الميليشيات اليوم؟ ذابت الميليشيات".

ما يحكي عنه الحريري حدث في العام 1990 بعد شهور على توقيع اتفاق الطائف في أكتوبر ١٩٨٩، الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية. 

نص الاتفاق آنذاك بوضوح على أن الحكومة الأولى بعد الطائف تضع خطة هدفها "بسط سلطة الدول اللبنانية تدریجیاً علـى كامل الأراضي اللبنانیة بواسطة قواتها الذاتیة". ل

يس ذلك فقط، بل وضع الاتفاق جدولاً زمنياً لهذا الانتقال من عهد الميليشيات إلى عهد الدولة: 

"الإعلان عن حل جمیع المیلیشیات اللبنانية وغیـر اللبنانية وتسليم أسـلحتها إلـى الدولـة اللبنانية خـلال سـتة أشـهر تبـدأ بعـد التصديق علـى وثیقـة الوفـاق الـوطني وانتخـاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومـة الوفـاق الـوطني وإقـرار الإصـلاحات السياسية بصورة دستورية".

"ذابت الميليشيات" في الدولة، بحسب المصطلح الذي استخدمه الحريري، وهذا الذوبان تمّ، على ما يشرح غسان شربل، عبر "رشوة الميليشيات بحصة من الدولة". دخل كثير من عناصر هذه الميليشيات إلى القوى العسكرية والأمنية الرسمية، وتسلّم الجيش اللبناني منها السلاح الثقيل والمتوسط، فيما بقي كثير من السلاح الخفيف (رشاشات ومسدسات) في بيوت عديد من اللبنانيين حتى يومنا هذا.

ما كان لافتاً لدى تطبيق هذا الاتفاق، أن "حزب الله" وحده لم "يذب" في الدولة، وجرى الإبقاء على سلاحه، بحجة "مقاومة إسرائيل"، بتواطؤ من أطراف محلية واقليمية، وبغض نظر من الأطراف الدوليين. 

بقي "حزب الله" الميليشيا المسلحة الوحيدة بعد الطائف. وراح يكبر في منظومته العسكرية حتى بات جيشاً رديفاً، يغرّد وحيداً بأجندة إيرانية- سورية، في مخالفة واضحة لنص اتفاق الطائف، وفي تحايل على أحد بنوده الذي ينص على "اتخـاذ كافـة الإجراءات اللازمة لتحرير جمیع الأراضـي اللبنانية مـن الاحتلال الإسرائيلي وبسط سـیادة الدولـة علـى جمیع أراضيها ونشر الجیش اللبناني في منطقة الحـدود اللبنانیة المعتـرف بهـا دولیاً والعمـل علـى تـدعیم وجـود قـوات الطوارئ الدولية فـي الجنـوب اللبنـاني لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحـة الفرصـة لعـودة الأمـن والاسـتقرار إلـى منطقـة الحدود". 

هذه الفقرة تبدو مطابقة إلى حد كبير لنص القرار 1701، موضع التنفيذ حاليا في جنوب لبنان.

اليوم، بعد حرب طاحنة مع إسرائيل أفقدته قوته العسكرية، يعود الحديث عن تسليم سلاح "حزب الله" للدولة على غرار ما حدث مع باقي الميليشيات في العام ١٩٩٠، وقد تحدث رئيس الجمهورية، جوزاف عون، في مقابلة تلفزيونية عن حوار ثنائي مع الحزب لتسليم سلاحه. وفي تصريح آخر- أثار بلبلة ديبلوماسية مع العراق- أكد عون أنه من غير الوارد تكرار تجربة الحشد الشعبي في لبنان.

الخبير الأمني والعسكري الجنرال المتقاعد خليل الحلو، يرى في مقابلة مع موقع "الحرة" أن تجربة الحشد الشعبي في العراق غير مقبولة في لبنان، "ويجب أن تمر عبر مجلس الوزراء ولا أعتقد أن أي مجلس وزراء يستطيع تمرير هكذا قرار كما تحتاج إلى قانون من مجلس النواب، من أجل التمويل، وهذا غير وارد".

يشرح الحلو أن "ميليشيات الحشد الشعبي تستحصل على رواتبها من الحكومة العراقية، وهي تأتمر نظرياً من الحكومة، لكن عملياً هناك فصائل عدة تأتمر بشكل مباشر أو غير مباشر من إيران ولديها أيديولوجيتها الخاصة. وهذه التجربة دلت على أن الحكومة العراقية لا تسيطر على الحشد الشعبي".

وهذا، برأي الحلو، هو بيت القصيد في مسألة استيعاب عناصر "حزب الله" داخل الجيش اللبناني. 

بالنسبة إلى الحلو فإن المسألة سياسية وعسكرية: "لا يمكن أن يكون هناك أمرة عسكرية على حشد شعبي-نسخة لبنانية، وهذا الحشد الشعبي يفعل كما يحلو له ويجر لبنان إلى حروب لا يريدها".

معضلة أخرى تبرز في الحالة اللبنانية ترتبط بحساسية التوازن الطائفي القائم على قاعدة يطلق عليها اللبنانيون تسمية "ستة وستة مكرر". وهي تعود إلى فترة الانتداب الفرنسي، ومرتبطة بمراسلات بين رئيس الجمهورية آنذاك والمفوض السامي الفرنسي تتعلق بالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية بين اللبنانيين.

كانت هناك مراسلة رقمها ٦، أرسلها الرئيس إلى المفوض أكد فيها على التزام المساواة في التعيينات والوظائف الرسمية، وبعد رد المفوض أرسل الرئيس رسالة ثانية حملت عنوان "٦ مكرر"، جدد فيها الرئيس التزامه السابق، وتحول الأمر مع الوقت إلى عرف لبناني، نص عليه اتفاق الطائف عبر المناصفة في مجلس النواب بين المسلمين والمسيحيين.

مراعاة "الستة وستة مكرر" ستكون صعباً في حالة ضم آلاف العناصر من "حزب الله" إلى الجيش اللبناني. الحلو يذكر أنه "عندما جرى استيعاب الميلشيات في العام ١٩٩٠ داخل الجيش اللبناني، كان الأمر مقبولاً لأن العدد لم يكن كبيراً، وأكثرية الميليشياويين في ذلك الوقت اختاروا الذهاب إلى الحياة المدنية وليس إلى الجيش".

إذا حصل الأمر كما يتم تداوله، أي ضم مقاتلي "حزب الله" إلى الجيش دفعة واحدة، فإنه بلا شك سيكسر التوازن الطائفي داخل المؤسسة العسكرية، كما يؤكد الحلو، "وقيادة الجيش حريصة على الحفاظ ليس فقط على التوازن الطائفي (إسلامي – مسيحي) بل أيضاً التوازن المذهبي (سني-شيعي مثلاً)". 

ولهذا يرى حلو أن "هناك استحالة في ضم عناصر حزب الله بالآلاف إلى الجيش، لأن المسألة لا تتعلق فقط بالأعداد، بل العقيدة القتالية وبالموازنة والتسليح وهي مسألة متكاملة".

هل حزب الله مستعد للتخلي عن ثلاثين ألف مقاتل؟ يسأل الحلو. ثم يجيب: "واقعياً المعضلة موجودة ولا حل عملياً لها، إلا بفتح باب التطويع وتدريب المقاتلين وفق عقيدة الجيش اللبناني واستيعابهم داخل المؤسسة إذا كانوا مقتنعين، رغم انتمائهم لحزب الله، بالالتزام بعقيدة الجيش والالتزام بالأوامر على المستويين العسكري والسياسي". 

الحلو يقول إن هناك ضباطاً شيعة في الجيش اليوم من الجو السياسي لـ"حزب الله"، و"هؤلاء مندمجون في الجيش في تجربة تعتبر إلى حد كبير ناجحة، وإذا كان حزب الله لا يثق بهؤلاء الضباط فإنه لن يثق بالدولة اللبنانية".

لماذا يقوم الجيش اللبناني بإتلاف السلاح الذي يصادره من "حزب الله" ولا يحتفظ به؟

هذا السؤال، الذي يترافق غالباً مع قضية ضم مقاتلي "حزب الله" يطرحه كثيرون، ويرى البعض أن الأمر يعود لأسباب سياسية. لكن الحلو يقول إن الأمر تقني بحت، "في ألف-باء الأمور العسكرية، عندما يكون هناك ذخائر لا يمكن استخدامها أو صيانتها، تصبح خطرة، وتخزينها خطر، وأكبر دليل على ذلك ذخائر لحزب الله انفجرت بعناصر من الجيش اللبناني وهم ينقلونها وقتلت ٣ عسكريين".

في السابق كانت تقع حوادث يصادر على إثرها الجيش ذخائر وأسلحة لـ"حزب الله" وكانت تعاد هذه الأسلحة للحزب بقرار من السلطة السياسية، استنادا إلى البيانات الوزارية السابقة التي كانت تغطي تسليح الحزب وعمله العسكري. اليوم اختلف الأمر تماماً، كما يقول الحلو، "البيان الوزاري يلتزم بتطبيق القرار ١٧٠١ والسلطة السياسية كلها ملتزمة بهذا الأمر تحت رقابة دولية".