مستخدمون لتطبيق "غريندر" رووا للحرة التهديدات التي يواجهونها أثناء استخدامهم التطبيق
مستخدمون لتطبيق "غريندر" رووا للحرة التهديدات التي يواجهونها أثناء استخدامهم التطبيق

في المجتمعات المتزمتة، وإن تفاوتت النسب، ينحو المرء إلى إيجاد بدائل عما يحرمه منه الواقع عبر العالم الافتراضي، وهنا يأتي دور تطبيقات التعارف التي صارت كثيرة وغزت حياة غالبية عظمى في أنحاء العالم.

والأهم أنه صار بإمكان الفئات المهمشة اجتماعيا أن تُكوّن علاقات، باختلاف أنواعها، من خلال هذه التطبيقات، و"غرايندر" (Grindr) أحد أهم هذه التطبيقات ومعروف عالميا.

و"غرايندر" تطبيق للمواعدة بين مجتمع الميم، وهو يمتلك خاصية إظهار الحسابات المحيطة بموقع مستخدمي التطبيق لتسهيل التواصل بين المثليين. وفي لبنان، شاع استخدام التطبيق لأسباب عدة، أهمها أنه يخلق شبكة تواصل بين مثليي الجنس من الصعب خلقها في الواقع، كذلك، يُسهّل على كُثر ممن هم غير قادرين على المجاهرة بميولهم، التواصل مع أشخاص آخرين. تواصل قد يصل إلى بناء علاقة حب، أو جنس عابر، أو حتى صداقة. تواصل، زاد كثيرا مع "كوفيد – 19" وتعذر الاختلاط.
 
إلى هنا تبدو الأمور وردية. لكن، هناك من قرر أن يستخدم التطبيق لأغراض أخرى، أهمها الكراهية، السرقة، الابتزاز. وفوق كل ذلك، قتل. روايات كثيرة يرويها مجتمع الميم حول ما يحصل معهم في خلال استخدامهم لهذا التطبيق، الذي قررت السلطات اللبنانية أن تحجبه في يناير 2019 إلا أنه بقي شائعا كون غالبية من يستخدمه استعمل خاصية الـ VPN لفتحه.
 
وعلقت حينها منظمة العفو الدولية على هذا القرار على لسان مديرة بحوثها في الشرق الأوسط لين معلوف بالقول: "إن قرار حظر تطبيق غرايندر في لبنان يمثل انتكاسة عميقة وضربة للحقوق الإنسانية لمجتمع الميم المحلي. بالإضافة إلى أنه يعدُ اعتداء صارخا على الحق في حرية التعبير، فإن هذه الخطوة ستؤدي إلى ترسيخ وشرعنة وجهات النظر التي تتسم برهاب المثلية في البلاد".


قتل وكراهية

وفي 7 يناير من العام الجاري، وجد شاب مقتولا في إحدى تلال منطقة عاليه الواقعة في محافظة جبل لبنان. قالت العائلة إن الدافع هو السرقة ولُفلفت القضية. 

يقول "زاز" وهو مثلي الجنس وناشط على تطبيق "غرايندر": "بعد أن تعارفا على التطبيق، ذهب ع.ج (الضحية) مع الشاب الذي تعرف إليه إلى إحدى التلال في عاليه حيث عذبه الأخير وقتله. الضحية كان في السيارة ولم يكن هناك سرقة من سيارته. الأرجح أنها جريمة كراهية، لأن المنطقة لا تتقبل أن يكون فيها مثليو الجنس".

ويضيف في حديثه لموقع "الحرة": "هناك شاب تم قتله أيضاً في منطقة قريبة من بيروت وهناك من حضر العزاء ليستمع إلى أهله وهم يرددون كل دقيقة أنه قتل بدافع السرقة، وكلنا يعلم أن السبب كان غير ذلك، وهم يحاولون أن يخفوا ما حصل لينفوا عن ابنهم ما يعتبرونه تهمة، أي أنه مثلي".
 
ويروي "زاز" أن هناك أيضا جرائم تحصل بسبب عدم قدرة بعض الأشخاص على احتمال الآخرين المختلفين عنهم. "هناك جرائم فقط يعرفونها من هم في هذا المجتمع. الجرائم دائما تصور بأنها سرقة لأن الأهل لا يريدون الاعتراف أو القول إن ابنهم كان مثلي الجنس".
 
حالات كثيرة يعرفها ويتناولها مجتمع الميم، يمرروها بين بعضهم البعض لكي يحذروا بعضهم مما يحصل، ولكي يمارسوا عملية توعوية تجنب كثر مصير عصام وغيره.
 
يقول "زاز": "تينا مثلا، "كوير"، تستخدم التطبيق بشكل دائم، ولم تتعلم من المرة الأولى حين تعرضت للسرقة على يد أحد الذين واعدتهم بعد أن رفع عليها سكين وهددها بالقتل.

في إحدى المرات، وبينما كانت مع شاب تعرفت عليه عبر التطبيق في الصالون، صدر صوت من المرحاض، دخلت لترى ما الذي حصل فوجدت أن المغسلة انكسرت كونها في مار مخايل وهي لا تزال تعاني من تبعات الانفجار، حين عادت إلى الصالون اكتشفت أنه سرق لها الهاتف وهرب".

ساهم تطبيق غرايندر كثيرا في تسهيل التعارف بين أفراد مجتمع الميم داخل لبنان

استخدامات متنوعة

ويسمح التطبيق لمستخدميه أن يبحثوا في "بروفايلات" من هم قريبون إليهم. يقول "زاز": "أي شخص يُعجبك، بإمكانك أن ترسل له رسالة وبدء مشاركة الصور والفيديو. وعادة مجتمع الميم صريح جدا في الحديث على التطبيق، فيقولون ما يريدون من دون مواربة. هناك من يبحث عن الجنس وهناك من أسس صداقة جيدة. هناك أناس يعملون مقابل المال، وهناك من يقول بصراحة إنه يروج للمخدرات. أحيانا هناك نساء يكتبن إنهن يردن شخصا يغطوا من خلاله ميولهم مع تحديد الطائفة والعمر".
 
ماذا يعني شخصا لتغطية الميول؟ بسبب عدم تقبلهم في المجتمع، هناك من يبحث عن شريك "صوري" يذهب به إلى منزل أهله وقد يصل بهم الأمر إلى حد الزواج وكلاهما بالاتفاق فيما بينهما يعيشان الحياة التي يريدانها ولكن أمام الأهل، هما متزوجان.
 
يقول "زاز": "من الصعب جدا التعرف على أشخاص من الخارج لذلك ساهم التطبيق في تسهيل التعارف بين أفراد هذا المجتمع. هناك من يستعمل تطبيقات أخرى مثل تيندر ولكن 'غرايندر' هو الأساس وأهميته بالرغم من خطورته لكنه يساهم في الدعم الاجتماعي وتأسيس صداقات ومعارف. هناك أشخاص يعيشون سويا وتعارفوا عبر التطبيق. يخططون الآن للسفر والزواج في الخارج وتأسيس عائلة، كونه صار من الصعب أن يبقوا في لبنان".
 
ولا يبدو أن مستخدمي التطبيق جميعهم صاروا حذرين في كيفية التعامل معه. فالتوعية اللازمة لا تزال مفقودة بالرغم من سعي الكثير من الجمعيات المعنية بحقوق مجتمع الميم لخلق وعي جماعي، وأيضاً لمساعدة ومساندة كل من يتعرض لأي نوع من الترهيب أو الاعتداء من خلال التطبيق هذا أو غيره.
 
"موزاييك" مثلا، وهي جمعية في بيروت تقدم خدمات لمجتمع الميم، نفسية واجتماعية إضافة إلى دعم معنوي ومتابعة اجتماعية لمن تعرض لأي اعتداء أو تحرش أو اغتصاب وخدمات قانونية أيضا خاصة للأشخاص الموقفين تحت المادة 534 من قانون العقوبات الصادر في 1943، والتي تنص على أن "كل مجامعة على خلاف الطبيعة يعاقب عليها بالحبس حتى سنة واحدة".


التوعية لا المنع

تقوم الجمعية بجلسات توعوية عن الأمن الرقمي توقفت حاليا بسبب جائحة "كوفيد – 19"، وهي وثقت حالتي قتل من خلال تطبيق "غرايندر" كما يقول مدير البرامج في الجمعية ريبال معتوق، ويضيف في حديث لموقع "الحرة": "هناك حالات سرقة كثيرة، ونحن كجمعية حاولنا قدر الإمكان أن نساهم في الحد من مخاطر استخدامه، إذ وبالتعاون مع غرايندر كنا نرسل الرسائل عبر التطبيق نُخبر فيها من يستعمله عن الميزات الموجودة وكذلك رسائل تُحذر من الأمن الرقمي".

 لكن اللافت أن هذا الأمر توقف تماما حاليا. لماذا؟

يُجيب معتوق: "بسبب حجب التطبيق في لبنان من قبل وزارة الاتصالات، لم تعد الرسائل تصل لمن يستخدمه في لبنان وبالتالي انعكس هذا الأمر سلبا على قدرتنا بالتعاون مع 'غرايندر' على التوعية والإرشاد".
 
لم يُخلق هذا التطبيق فقط للتعارف كما يحصل عادة. أو على الأقل، إدارة التطبيق الآن تعمل لأمن مستخدميه، وليس هذا فقط، بل لخلق بيئة حاضنة لمثليي الجنس تُساعدهم في أن يحيوا حياة عادية كما غيرهم. خلق التطبيق شبكة أمان اجتماعي كبير، في كل العالم وفي لبنان تحديداً، كما يقول مستخدموه الذين صار لهم "عائلة كبيرة بسبب التطبيق".  
 
يقول معتوق: "'غرياندر' أخذ إجراءات كثيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. مثلا يُمكن أن يغيروا "لوغو" التطبيق وهذه خاصية نستفيد منها في هذه المنطقة بشكل مجاني وتساعد من يستخدم التطبيق على إخفائه في حال وقع الهاتف في يد أحد. مثلاً من وقت منعه في لبنان، لا يظهر في التطبيق أين يتواجد هذا الشخص وبالتالي صار أكثر أماناً. كذلك لم يعد بإمكان أي أحد أن يأخذ "سكرين شوت" من قلب التطبيق، كما صار بإمكان المستخدمين أن يُرسلوا صوراً تختفي بعد 5 أو عشر ثواني".
 
ويضيف معتوق: "نحن نُحذر دائماً من أنه على كُل من يستخدم هذا التطبيق أن يتحقق دائماً من هويات الأشخاص الذين يتحدثوا معهم وصورهم وننصحهم بأن يأخذوا أرقام هواتفهم وأن يُخبروا أصدقاءهم بأنهم سيلتقون بشخص تعرفوا عليه من خلال التطبيق، كذلك نكرر دائماً التحذير بعدم إرسال صور عارية أو تظهر أجزاء من وجههم".


تضييق ممنهج

"هناك تضييق ممنهج يحصل بحق مجتمع الميم وهناك تدخل سياسي وديني يحصل بشكل واضح، إذ منذ عام 2017 ونحن نتراجع إلى الوراء"، يقول معتوق. المثال على ذلك، ورشة العمل التي كانت تُنظمها "حلم" عام 2017 وكيف تدخل الأمن لمنعها.
 
ويرى معتوق أن "هيئة العلماء المسلمين ليس لديها أي شيء سوى متابعة وملاحقة كُل ما يُعنى بمجتمع الميم ومحاربته بشتى الطرق. ومؤخراً انضمت إليها الكنيسة التي هالها أن تقوم فرقة مشروع ليلى بحفل موسيقي في جونية فما كان منها إلا أن استخدمت كافة الطرق لمنع حصول الحفل".
 
سرد كُل هذه الأحداث، يأتي في سياق تأكيد القمع الممارس على مجتمع الميم والذي يدفع قسم كبير منه إلى الاختباء وراء تطبيقات تُسهّل لهم ممارسة حياتهم بشكل طبيعي بعيداً عن الممارسات البوليسية التي تحصل بحقهم حين يُقرروا أن يجتمعوا للمطالبة بحقهم أو في الحد الأدنى لدعم بعضهم البعض وخلق طرق فعالة لذلك.


لا تضييق

لكن في المقابل، هناك أشياء كثيرة تحصل مغايرة لهذا الواقع. يروي جاك وهو اسم مستعار، ما حصل معه قبل فترة قصيرة، حيث استُدرج من خلال وسائل التواصل الاجتماعي إلى بيت في الحدت بعد أن تواصل لأكثر من شهر مع شخص من الجنسية السورية، ليجد نفسه في منزل مع 3 شبان، سوريين ولبناني، حيث أجبروه على إعطائهم كُل ما يملك وأخذوا هاتفه وأرقام هواتف أقربائه وأجبروه بعدها على الظهور في فيديو وهو عار ويقول أشياء مهينة بحقه.
 
يقول لموقع "الحرة": "لقد مارسوا عليّ كُل أنواع الترهيب. لكنني ذهبت إلى الأمن واشتكيت وتم إيقافهم بعد أيام معدودة"، ويضيف: "لقد تعامل معي عناصر التحري بالكثير من الرقي وساعدوني كثيراً وأعطوني بعض النصائح حول أهمية الحرص في استخدام التطبيقات ومواقع التواصل للتعارف". لم يسأل المحققون "جاك" عمّا كان يفعله ولماذا ذهب إلى بيت الشخص الذي قبضوا عليه، بل حرصوا على أن يُقدموا العون له. لا أكثر. يختم.

يُذكر أيضاً أنه في شهر مايو من العام 2016، أصدر القاضي المنفرد الجزائيّ في المتن هشام القنطار، قراراً قضى بإبطال التعقّبات بحقّ شخصٍ أدُعي عليه سنداً للمادة 534 من قانون العقوبات، وهي المادة التي تُستخدم عادةً لتجريم العلاقات المثليّة.
 
من جهته، يقول الضابط في قسم جرائم المعلوماتية الياس البيطار لموقع "الحرة" إن "كُل المتابعات والتحقيقات التي تحصل فيما خص الجرائم بشتى أنواعها كراهية كانت أو غيرها، يُتعامل معها وفقاً لأحكام القانون، ومُقتضياته لا أكثر"، مُعتبراً أن القضاء هو الفيصل في الحكم على خلفية الجرائم وكيف يتم التعامل معها ومع مرتكبيها.

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.