الضاحية الجنوبية لبيروت تعد معقلا لحزب الله.
الضاحية الجنوبية لبيروت تعد معقلا لحزب الله.

دخل اسم المسؤول الأمني في حزب الله "الحاج علي أيوب" حيز التداول الأوسع في لبنان خلال الأيام الماضية في الإعلام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد الاشتباكات المسلحة التي تنقلت في شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت على خلفية تمديد اشتراكات مولدات الكهرباء في الأحياء، بين شبان من آل مقداد، وآخرين من آل حمزة تؤازرهم مجموعة مسلحة بات يصطلح على وصفهم "أنصار علي أيوب"، تؤمن مصالح شركة توزيع كهرباء تسمى "اشتراك الهادي" وهي محسوبة على حزب الله.

وصل الاشتباك إلى حد رمي قنابل يدوية وإطلاق رصاص كثيف بين المجموعتين في منطقة بئر العبد، وتنقل بين أحياء الضاحية الجنوبية، تخلله نصب كمائن متبادل بعدما شهدت المنطقة تحطيم "علب توزيع الكهرباء" التابعة للطرفين، واستهداف لمراكز مولدات الكهرباء ومكاتبهم في الضاحية.

لم يمض يومان على الإشكال، حتى خرجت مظاهرة نسائية في الضاحية الجنوبية تندد بتجاوزات علي أيوب، وأطلقت شعارات تصفه بالسارق والفاسد والشبيح، ولاقت المظاهرة صدى واسعاً في لبنان لكونها من المظاهرات النادرة التي تشهدها الضاحية الجنوبية وتستهدف علناً أحد كوادر حزب الله وتتهمه بالفساد.

وبالتزامن أيضاً، صدر بيان عن "أهالي الضاحية" لاسيما سكان المنطقة التي شهدت الإشكال، يطالب قيادة حزب الله بإجراء تحقيق دقيق "بعد أن انتشرت بعض الأقوال التي تُدين مسؤول اللجنة الأمنيّة في حزب الله في منطقة الضّاحية الجنوبيّة علي أيّوب، بأنّ له دورا رئيسيا في عدّة اشكالات منها: حماية بعض المصالح الّتي يستفيد منها، وتحصيل الأموال بالقوّة واستعمال نفوذه ومنصبه للفائدة الشّخصيّة، وبعد عداوته مع أغلبيّة سكان الضّاحية، وبعد أن قيلَ بأنه يتقاضى أكثر من 60 مليون ليرة من الذين يقوم بحمايتهم."

من هو علي أيوب؟

بحسب المعلومات التي حصل عليها موقع "الحرة" من مصادر مطلعة، فإن علي أيوب كان قد بدأ نشاطه في حزب الله من جمعية كشافة "الإمام المهدي" التابعة للحزب، حيث كان قائداً كشفياً نجح في حصد ولاء وإعجاب عدد كبير من الكشفيين، الذين كانوا تحت أمرته في حينها، وهو ما حافظ عليه واستثمره حينما تدرج ليصبح "مسؤول بقعة" في منطقة "البركات" في الضاحية. 

هذه المرحلة كانت مرحلة تأسيسية بالنسبة لأيوب، حيث قام بتشكيل مجموعة من الشبان في تلك المنطقة تعاونه وتؤازره في فرض سلطته على المنطقة، وتنفيذ إرادة حزب الله فيها وحلّ الإشكالات التي واجهها، لاسيما مع الأهالي والمطلوبين وتجار المخدرات وفارضي الخوّات. لاقى أسلوبه إعجاب قيادة حزب الله، وبات له حيّزا مميزاً بين نظرائه من المسؤولين، فكان بحسب المصادر "مسؤول البقعة الوحيد الذي يجري معه التنسيق في المداهمات والملاحقات التي يجريها حزب الله والدولة اللبنانية في الضاحية الجنوبية". 

مجموعة الشبان التي أحاط أيوب نفسه بها، كانت تشكل نقطة قوته، وعبرها فرض سلطته في الشارع كأمر واقع، وبات الآمر الناهي وحلّال المعضلات التي تواجه الحزب، وهذا المبدأ معروف في حزب الله بمبدأ "التصدي للقيادة" بحسب المصادر، أي أنه استعرض قدراته وفرضها على الجميع وثبت نفسه كضرورة ومعادلة رابحة سرعان ما استثمرها الحزب في احكام قبضته داخل الأحياء الشعبية للضاحية الجنوبية. 

في هذا السياق، منح حزب الله أيوب مزيداً من المسؤوليات ورفّعه ليكون ممسكاً بملف "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في الضاحية الجنوبية لبيروت، وذلك بالتوازي مع وصول ميشال عون إلى سدة رئاسة الجمهورية، وما رافقه من خطط أمنية في معظم المناطق اللبنانية من أجل وضع حد للفلتان الأمني فيها، كان لحزب الله خطته في الضاحية التي أراد تظهيرها بعكس الواقع القائم كمنطقة خارجة عن سلطة الدولة اللبنانية.

أثبت أيوب "جدارة" بالنسبة لحزب الله في إدارته للملف الموكل إليه، وعلى الرغم من التجاوزات والممارسات التي رافقت أداءه طيلة تلك الفترة، كوفئ أيوب بمزيد من المسؤوليات وتوسيع لسلطته بعدما أصبح مسؤول اللجنة الأمنية التابعة للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت. ومنذ ذلك الحين حتى اليوم، تردد اسم أيوب في مناسبات عدة ارتبطت بأعمال عنف وتعذيب وممارسات أمنية وتشبيح، إضافة إلى علاقات مشبوهة مع عصابات تجارة المخدرات ومطلوبين للدولة اللبنانية. 

تاريخ من الممارسات

وإن كانت "حرب الاشتراكات" الأخيرة قد ظهّرت اسم أيوب وسلطت الأضواء عليه، فإن تاريخاً من ممارساته، تختزنه أحداث أخرى شهدتها المنطقة، بعضها كان مكشوفاً شعبياً ومغطى حزبياً، وبعضها الآخر بقي طي الكتمان. بمجملها، تكشف عن ممارسات أيوب بحق أهالي الضاحية الجنوبية، وانتفاعه من السلطة التي يؤمنها له مركزه الأمني والحماية الحزبية التي يقدمها له حزب الله.

عام 2017، انتشر تسجيل مصور على مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان، يظهر القاصر حسين زعيتر، وهو يتعرض للتعذيب والضرب والشتائم، هذا الفيديو كان قد سجّل عام 2014، في حين أن حسين زعيتر كان مسجونا عام 2017. جرت محاولات حزبية وعائلية لتحميل السلطات الحكومية مسؤولية انتشار هذا الفيديو والإيحاء أنه قد جرى تصويره في إحدى الزنازين وأن القوى الأمنية هي المسؤولة عن التعذيب، إلا أن زعيتر ومن داخل سجنه نجح في إجراء تصريح صحفي في حينها كشف فيه أن الاعتداء عليه تم من قبل مجموعة من اللجنة الأمنية التابعة لحزب الله، طالبين منه الغناء والرقص للسخرية وسط ضحك المحيطين به، وأضاف: "الذين اعتدوا عليّ أنا أعرفهم بالأسماء وهم: علي المولى والحاج علي أيوب، كسروا لي أنفي، وضلوعي، وأسناني، ولم يتمّ جلب طبيب شرعي للكشف عليّ". 

شهد العام نفسه أيضا واقعة إزالة البسطات وعربات الباعة من ساحة موقف حي السلم، على أثرها شهدت المنطقة موجة احتجاجات كبيرة، وجه خلالها الأهالي انتقادات واسعة لحزب الله محملينه مسؤولية تحريض السلطة عليهم، والتخلي عن حمايتهم، ووجه بعض المحتجين شتائم لأمين عام الحزب حسن نصر الله وانتقادات للحرب في سوريا. 

حينها وبعد يوم واحد، عاد المحتجون عن أقوالهم ووجهوا اعتذارات علنية عبر الإعلام. يومها أيضاً برز اسم علي أيوب على أنه المسؤول عن تهديد وترهيب المحتجين وإجبارهم على تقديم الاعتذار.

واقعة أخرى شهدها العام 2017 أيضاً والذي شهد صعود نجم أيوب بشكل لافت جداً. هذه المرة من منطقة برج البراجنة، حيث كان المسؤول أيضاً مع المدعو علي المولى عن تنظيم استعراض عسكري لعناصر حزب الله باللباس الأسود لمجموعة أطلق عليها "فرع الأمن الاجتماعي" ومهمتها بحسب المعلن، تنفيذ عمليات دهم وملاحقة متعاطي المخدرات وتجارها ومفتعلي المشاكل المخلة بالأمن الاجتماعي للمنطقة. 

لا تنتهي الأمثلة الدالّة على سلوك هذا القيادي في حزب الله، الذي تحول إلى حاكم بأمر الله وحزبه في الضاحية الجنوبية لبيروت، من تحريض بين أبناء العشائر وافتعال إشكالات بين أبناء الأحياء إلى تأسيس شبكة مصالح خاصة موازية ومنافسة لفارضي الخوات، إضافة إلى إقامة علاقات خاصة مع تجار المخدرات واستغلال المطلوبين للدولة في خدمات خاصة وحزبية مقابل السكوت عنهم وعدم تسليهم للدولة، وهذا الكلام بات علنياً على ألسن الناس في الضاحية. 

حمزة زعيتر... وما خفي أعظم!

قصة أخرى يقف خلفها علي أيوب، من شأن تفاصيلها أن توضح أسلوب عمل هذا الرجل، لاسيما مع تجار المخدرات والمطلوبين في الضاحية. تكشف المصادر أن هذه الرواية المعروفة على نطاق ضيّق داخل الحزب، وترتبط بالمطلوب للدولة اللبنانية حمزة رشيد زعيتر، الذي قتل العام الماضي خلال اشتباك مع الجيش اللبناني في بلدة الكنيسة في البقاع الشمالي على أثر مداهمة أمنية. 

عام 2014، ألقي القبض على حمزة في الضاحية الجنوبية لبيروت في إطار خطة أمنية نفذت في حينها، أوقف لفترة ثم خرج للعمل في الضاحية وفتح كشكا لبيع الدخان والقهوة في منطقة المريجة. إلا أن هذا الكشك تعرض للتحطيم والإشعال 3 مرات بطريقة غامضة وتحت جنح الظلام، ووصل إلى مسامعه أنها أفعال عناصر تابعين للحزب في المنطقة بهدف منعه من العمل هناك بحجة أنه يتاجر بالمخدرات تحت ستار عمله في بيع القهوة. 

تؤكد المصادر أن زعيتر تواصل بشكل مباشر مع علي أيوب، الذي طلب منه أن يغادر الضاحية وأن يعمل خارجها ولم يقبل النقاش. خرج حمزة من الضاحية الجنوبية، وعاد للعمل في المخدرات ثم أصبح مطلوباً من جديد وهرب إلى البقاع حيث عاش "طافراً" من الدولة هناك. 

في تلك الفترة، ألقى أمن حزب الله القبض على بلال زعيتر، شقيق حمزة، بتهمة ترويج المخدرات في الضاحية. علم حمزة بالأمر فتواصل مع علي أيوب عارضاً أي شيء مقابل الإفراج عن بلال، فكان المقابل الذي طلبه أيوب 7000 دولار وخروج بلال من الضاحية نهائياً. 

وصلت إلى يد أيوب 7000 دولار تبين أنها مزورة، وهنا تختلف الرواية إذا ما كانت الأموال قد أرسلت مزورة في الأساس من قبل حمزة، وهذا ما ينفيه المقربون منه، أم أنها استبدلت بأموال مزورة من قبل الجهة التي نقلت الأموال وهذا ما كان يؤكده حمزة لأيوب الذي رفض إطلاق سراح بلال متوعداً حمزة. 

لكن المفاجأة كانت أن الأخير، أخرج من جعبته تسجيلاً مصوراً ينال من مقربين من أيوب، وابتزه به مهدداً بنشره إن لم يفرج عن بلال. وهذا ما حصل حيث رضخ أيوب للابتزاز. 

تتحدث روايات عدة عن رسائل تهديد عادت ووصلت إلى حمزة في بعلبك موقعة من أيوب، إلّا أن نهاية القصة كانت بمقتل حمزة في مداهمة للجيش اللبناني.

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".