صورة لاشتراكات الكهرباء في ضاحية بيروت الجنوبية - يونيو 2019
صورة لاشتراكات الكهرباء في ضاحية بيروت الجنوبية - يونيو 2019

عام 2008، قام حزب الله باحتلال بيروت ومحاولة احتلال أجزاء من جبل لبنان، تحت ذريعة حماية شبكة "اتصالات المقاومة" التي اعتبروها آنذاك مسألة حياة أو موت. أحداث 7 مايو (أيار) الشهيرة، رسمت بعض الخطوط الحمر أمام الدولة وأعطت إشارات واضحة عما بدأ بالفعل حزب الله في تطبيقه في مناطقه من خلال شبكة اتصالات مستقلة: تأمين كُل الخدمات بمعزل عن الدولة.

الدويلة التي بدأت حتى ما قبل الانسحاب الإسرائيلي بالظهور شيئاً فشيئاً، تحاول اليوم أن تستفيد من مواردها لمواجهة الأزمة التي تعصف بلبنان والتي تعصف بها بطبيعة الحال، أولاً لأن هذه الدويلة تتأثر بطبيعة الحال بما يجري في الدولة، ولبنان يعاني أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ثانياً، هي تتأثر مباشرة بالعقوبات المفروضة على النظام الإيراني ومن يتعاون معه، وعلى رأسهم حزب الله، اليد الطولى للإيرانيين في المنطقة، وما إشكال المولدات الذي حصل قبل أيام في الضاحية إلا امتداداً لتمدد نفوذ الحزب إلى كُل شيء.

كل شيء بيده

لم يبق شيء في الضاحية الجنوبية لبيروت إلا وصار في يد حزب الله. من يجول في الضاحية اليوم يُلاحظ على سبيل المثال، كيف صارت خزانات مياه العباس موزعة في الأحياء ومفتوحة أمام الناس كي يؤمنوا حاجتهم من مياه الشفى. الخزانات تُعبأ من مياه الباروك وتتكفل شاحنات "جهاد البناء" بنقلها وتوزيعها على الخزانات في الأحياء.

وجهاد البناء هي الذراع اللوجستية للحزب في كُل ما يتعلق بالإعمار والصيانة والبيئة والزراعة، وهي كانت الجهة التي توّلت إعمار ضاحية بيروت الجنوب عبر مؤسسة وعد بعد حرب تموز عام 2006.

واللافت اليوم فيما خص موضوع المياه أيضاً، أن الحزب بصدد حفر آبار ارتوازية واستعمالها لاحقاً بشكل موازٍ لشبكة مياه لبنان وهي الشبكة الرسمية التي تديرها الدولة. أكثر من ذلك، بدأ الحزب بحسب مطلعين، بحفر آبار ارتوازية في الغبيري وحارة حريك بهدف (استعمالها عند الحاجة)، وتقول المعلومات إن الخطة تقضي بمرحلة ما، باستعمال شبكة مياه لبنان لتوزيع المياه على سكان الضاحية وتحصيل اشتراكات شهرية لقاء تأمين المياه للمنازل على أن يكون الاشتراك مقبول نسبياً ويراعي الوضع الاقتصادي العام.

عصابات الخطف نشطت بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا ولبنان
وثائق تفضح العصابات "المحمية" للاتجار بالبشر في لبنان.. وشهادات مروعة للضحايا
في يونيو الماضي، استطاع هادي (اسم مستعار) سوري الجنسية من الاتصال بوالده في السويد، ليُخبره أنه مخطوف وموجود في البقاع. أبلغ الوالد السلطات المعنية بأن ابنه مخطوف، فقامت مخابرات الجيش في 14 يونيو وبعد مراقبة الخط الذي أجرى منه هادي اتصاله، تم رصده في بلدة بريتال في قضاء بعلبك، فما كان من الجهاز إلا أن داهم المنزل الذي رُصد فيه رقم الهاتف. 

الدولة الغائبة

مورد المياه الذي هو أبعد من مورد مالي، هو أيضاً وسيلة للحكم بالسياسة، إذ يقول مواطنون من الضاحية إن تأمين المياه بالنسبة للأهالي هناك، "يعني تأمين سُبل الحياة وبالتالي هم يلتصقون بحزب الله أكثر كُلما جعلهم أكثر راحة وقدرة وصولهم إلى حاجياتهم أسهل وأقل كُلفة وهو ما يحصل اليوم بشكل أو بآخر، وطبعاً كُل ذلك على حساب الدولة الغائبة تماماً عن الضاحية وعن كُل مناطق نفوذ الثنائي الشيعي مُفسحة المجال أمام تحوّل الحزب إلى الجهة التي تحكم محل الدولة والتي ينظر إليها الناس على أنها السلطة الفعلية".

فيما خص الإنترنت، شبكة الفايبر أوبتيك (الحزبية) تُغطي الضاحية كلها ومن الصعب اختراقها. هناك موزعون صغار لبعض الأحياء، وهؤلاء أيضاً يأخذون من شبكة الحزب الأم. يقول مطلعون على ما يجري إن شبكة الانترنت بيد حزب الله حتى اشتراك أوجيرو الذي يتم توزيعه عبر اشتراكات شهرية من خلال موزعين، وهي الجهة المشغلة للإنترنت في لبنان لصالح الدولة اللبنانية.

يدرس حزب الله بعناية كُل ما يدور من حوله وكُل ما يحصل في مناطق نفوذه وخارجها. وضعيته اليوم تخوّله التحكم بكُل شاردة وواردة. أحياناً يستخدم باقي الأطياف السياسيين. على سبيل المثال، كابلات الأقمار الصناعية كانت موزعة منذ زمن على كثير من الناس الذين عملوا طوال سنوات في هذا المجال مستفيدين من الطفرة التكنولوجية في هذا المجال ومن طلب الناس المتزايد على الاشتراكات. 

الترغيب والترهيب

يوماً بعد يوم، دخل حزب الله إلى هذا المجال عبر مجموعة من المتمولين الذين يعملون لحسابه وبدأوا يتمددون شيئاً فشيئاً، بالترغيب والترهيب، المهم النتيجة. نجح بذلك إلى حد بعيد، إلى أن حصلت بعض المشاكل عام 2018 حول الحقوق الحصرية لقناة "بي إن سبورت" مع بروز شخصية مقربة من الحزب ومن عشيرة كبيرة يريد الحصول على الحقوق بدعم من الحزب، ولصالح الحزب في نهاية المطاف. 

كبُر الإشكال مع الموزعين الآخرين، إلى أن قام حزب الله، عبر مقربين منه، بالتعاون مع أحزاب السلطة الآخرين بإنشاء شركة اسمها "سما" تكون هي المسؤولة عن توزيع الخدمة والحقوق الحصرية وكُل ما يتعلق باشتراكات الأقمار الصناعية. الشركة مملوكة من مساهمين ينتمون إلى حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والتقدمي والتيار الوطني الحر والقوات وبعض الأحزاب الأخرى التي لديها سيطرة على الأرض.

الوزيران تعاونا مع حزب الله وتورطا بملفات فساد
العقوبات الأميركية على مسؤولين لبنانيين.. تفكيك المنظومة المالية الجانبية لحزب الله 
فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على وزيرين لبنانيين سابقين، في خطوة كانت متوقعة ومنتظرة. الوزيران السابقان، على حسن خليل وهو الذي شغل وزارة المالية العامة لسنوات، ويوسف فنيانوس الذي كان وزيراً للأشغال في حكومة العهد الأولى عام 2016 والتي شكلها رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري.

والجدير بالذكر أن المساهم في شركة "سما" عن حزب الله هو شقيق أحد كبار القيادات في الحزب سابقاً وهو شريك ومساهم أساسي فيها، دفع ملايين الدولارات للحصول على حصته، كما فعل مساهمون من أحزاب أخرى.

وكيف استطاع الحزب من السيطرة على كُل مناطقه؟ يروي أحد الذين تابعوا ما كان يحصل، يقول: "كانوا يُجهزون الملفات بحق موزعي الكابلات، من ثُم يدعون عليهم أمام القضاء، لإجبارهم على الانصياع لكارتيل شركة سما. واللافت أن حكم القاضي الموجود في منطقة في جنوب لبنان كان دائماً لصالح الشركة المملوكة من الحزب وباقي الأحزاب اللبنانية"، ويشير إلى أن "شركة وحيدة بقيت خارجة عن السيطرة ولكن يتم التعامل معها عبر أرباح متبادلة وهي موجودة في مخيم برج البراجنة".

حروب بين الموزعين

ومن المعروف أن أرباح الخدمات المُقدمة، إن عبر الانترنت أو المياه أو الأقمار الصناعية لا تقتصر فقط على الاشتراكات، بل يتعداها إلى التشغيل والصيانة وغيرها من أمور. مثلاً، يقول أحد سكان الضاحية: "أتوا بكمية كبيرة من "الرسيفرات" (receiver) من الصين وباعوها بأسعار عالية بلغت بحدود 70$ للرسيفر الواحد وحقه الفعلي لا يتعدى بضعة دولارات وأجبروا الناس على شرائها إذا كانوا يريدون مشاهدة التلفاز". ويضيف: "هناك اشتراك سنوي أيضاً للمحطات المشفرة، أي على المشترك أن يدفع فوق اشتراكه، اشتراكاً إضافياً على كل القنوات المشفرة".

وقبل هذه السيطرة كانت تنشب حروبا بين الموزعين الصغار إلى أن أتى الموزع الكبير (الحزب عبر سما) وجعل الجميع تحت جناحه. وإلى جانب الجباية والاستفادة المادية.  

تخضع شركة "سما" لرغبة الأحزاب فيما تريد أن تعرضه للمشاهد. على سبيل المثال والكلام لسكان من الضاحية، "فاشين تي في (Fashion TV) موجودة في الحدت (على تماس مع مناطق نفوذ الحزب) مثلا وممنوعة في الضاحية. هناك أيضاً محطة هوائية توزع لكل لبنان اسمها "هوم سات" وهي تضع محطات ملتزمة وكُل من هم في الحزب يشتركون فيها، تعرض برامج تضع رياضة واخبار وبرامج ملتزمة للأطفال ويصنفونها محطة توزيع ملتزمة ويديرها أحد الاختصاصيين في الحزب ومركزها حارة حريك".

قبل بضعة أيام، حصلت اشتباكات مسلّحة في الضاحية بين آل المقداد واشتراك الهادي وهي الشركة المشغلة لمولدات الحزب المنتشرة في كُل مكان. في السابق كانت المناطق مقسمة بين النافذين وكانوا فيما مضى ينتمون إلى مشارب مختلفة إلى أن أطبق الحزب على الضاحية ما عدا منطقة الشياح حيث تعتبر المركز الرئيسي لحركة أمل ويسيطر على المولدات هناك كُل من جهاد الحسيني (الاسم الحركي لشقيق حسن نصرالله) ونمر الخليل يسيطران على منطقة الشياح واشتراكاتها الكهربائية.

إلى ذلك، كل ما تبقى من الضاحية والمدن التي تخضع لسيطرة الحزب تم العمل في هذا القطاع بشكل غير مباشر. كيف؟ تقول مصادر مطلعة على ما يدور داخل الحزب: "مثلاً في المربع الأمني (أي في حارة حريك) هناك اشتراك مولدات أبو عرب (اسمه الحركي) وهو مسؤول في حزب الله وكانت المناطق مقسمة بينهم إلى أن تأسست شركة باسم اشتراك الهادي والمملوكة من ياسر الموسوي ابن عباس الموسوي وجواد نصرالله ابن حسن نصرالله أمين عام الحزب وحيدر (اسم حركي) إحد مسؤولي فرع الحماية بالحزب".

 

حين تأسست شركة الهادي، بدأت بقضم المناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت شيئاً فشيئاً إذ يروي أحد القاطنين هناك أن مندوبي الشركة كانوا يجولون على المباني في الأحياء ويقدمون محفزات للسكان لكي يُنقلوا اشتراكهم من الموزع القديم إلى "الهادي"، مثلاً كانوا يعطوا شهر مجاناً واشتراك المصعد أيضاً مجاناً، وبالنتيجة، يأخذون المبنى ثُم الحي وهكذا دواليك تحصل عملية التوسع. 

يُشيع الحزب أن الإشكال حصل مع بين آل المقداد وشخص من آل أمهز، ولكن الأخير عبارة عن موظف لدى مالكي الهادي الثلاثة، والهادي إلى اليوم صار لديها ما يُقارب 20 ألف مشترك في الضاحية، وبقي أمامها بضعة بؤر لم تسيطر عليها، منها منطقة الرويس التي يسيطر عليها آل المقداد. مثلاً آل المقداد في الحارة يسيطرون على المولدات ولكن الهادي لن تدخل تلك المنطقة لأن صاحب المولدات يدفع لأحد النافذين بالحزب، بحسب ما تقول مصادر مطلعة. 

في منطقة الرويس، يروي أحد سكانها أن آل المقداد اشتبكوا مع مكاتب اشتراك الهادي وأُصيب عنصر في حزب الله، يقولون إنه أصيب عدة مرات في سوريا ويقول الحزب إن لا علاقة له بالإشكال وهو ليس سوى عابر سبيل وأصيب بالخطأ ولكن الرواية غير دقيقة لأن ما يقوله بعض من كان حاضراً إن العنصر كان مشاركاً في إطلاق النار وأصيب خلاله. 

ويضيف: "بعد الحادث استغل المسؤول الأمني للمنطقة علي أيوب وهو معروف بأنه سمسار، علاقته الطيبة مع رئيس بلدية لاسا السابق عصام المقداد وهناك مصالح مشتركة فيما بينهما حيث قام مسؤول اللجنة الأمنية بالحزب بإطلاق يد القوى الأمنية بشكل غير مسبوق لمداهمة منازل وأماكن تواجد أي مشتبه به في إطلاق النار، وفي اليوم الثاني، تم إلقاء قنبلة على اشتراك الهادي مرة ثانية تحت جسر بئر العبد".

الجدير بالذكر أن جزءاً آخر من منطقة حارة حريك يسيطر عليها مولدات تابعة لنائب رئيس بلدية حارة حريك أحمد حاطوم (حزب الله) ولهذا الهادي لا يدخل إلى هذه المنطقة بل توجهوا نحو منطقة آل المقداد حصراً.

دورة اقتصادية موازية

لم تنته الرواية هنا. لماذا الهادي ينتشر بهذه السرعة؟ بالإضافة إلى الأمر الواقع الذي يفرضه الحزب في هذا السياق، للهادي ميزة غاية في الأهمية عن باقي الموزعين، إذ أنهم استفادوا، بحسب مطلعين على الملف، من سعر المازوت المدعوم من الزهراني على سعر 12 ألف ليرة (8 دولار حسب التسعيرة الرسمية) لـ20 ليتراً، في حين اضطر مشغلون آخرون لشراء المازوت بحوالي 20 إلى 25 ألف (13-15 دولار) لـ20 ليتر من خلال السوق السوداء، وبالتالي ما تُقدمه الهادي من تسعيرة للاشتراكات لا يُمكن لغيرها أن ينافسها به. 
 
من الماء إلى الكهرباء والانترنت وصولاً إلى المولدات وغيرها من خدمات، بنى الحزب دورة اقتصادية موازية للدولة. استفاد من غيابها، ولكن في الوقت نفس استفاد منها، وسخّرها ليتمدد ويُصبح هو السلطة الفعلية، التي يعود إليها الناس في كُل ما يعنيهم، فيما قدرته على الصمود في الأزمة الاقتصادية صارت أكبر، بعد أن أمّن موارد جديدة، كانت للدولة اللبنانية، وصارت له، لدويلته.
 

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".