صورة لاشتراكات الكهرباء في ضاحية بيروت الجنوبية - يونيو 2019
صورة لاشتراكات الكهرباء في ضاحية بيروت الجنوبية - يونيو 2019

عام 2008، قام حزب الله باحتلال بيروت ومحاولة احتلال أجزاء من جبل لبنان، تحت ذريعة حماية شبكة "اتصالات المقاومة" التي اعتبروها آنذاك مسألة حياة أو موت. أحداث 7 مايو (أيار) الشهيرة، رسمت بعض الخطوط الحمر أمام الدولة وأعطت إشارات واضحة عما بدأ بالفعل حزب الله في تطبيقه في مناطقه من خلال شبكة اتصالات مستقلة: تأمين كُل الخدمات بمعزل عن الدولة.

الدويلة التي بدأت حتى ما قبل الانسحاب الإسرائيلي بالظهور شيئاً فشيئاً، تحاول اليوم أن تستفيد من مواردها لمواجهة الأزمة التي تعصف بلبنان والتي تعصف بها بطبيعة الحال، أولاً لأن هذه الدويلة تتأثر بطبيعة الحال بما يجري في الدولة، ولبنان يعاني أزمة اقتصادية غير مسبوقة، ثانياً، هي تتأثر مباشرة بالعقوبات المفروضة على النظام الإيراني ومن يتعاون معه، وعلى رأسهم حزب الله، اليد الطولى للإيرانيين في المنطقة، وما إشكال المولدات الذي حصل قبل أيام في الضاحية إلا امتداداً لتمدد نفوذ الحزب إلى كُل شيء.

كل شيء بيده

لم يبق شيء في الضاحية الجنوبية لبيروت إلا وصار في يد حزب الله. من يجول في الضاحية اليوم يُلاحظ على سبيل المثال، كيف صارت خزانات مياه العباس موزعة في الأحياء ومفتوحة أمام الناس كي يؤمنوا حاجتهم من مياه الشفى. الخزانات تُعبأ من مياه الباروك وتتكفل شاحنات "جهاد البناء" بنقلها وتوزيعها على الخزانات في الأحياء.

وجهاد البناء هي الذراع اللوجستية للحزب في كُل ما يتعلق بالإعمار والصيانة والبيئة والزراعة، وهي كانت الجهة التي توّلت إعمار ضاحية بيروت الجنوب عبر مؤسسة وعد بعد حرب تموز عام 2006.

واللافت اليوم فيما خص موضوع المياه أيضاً، أن الحزب بصدد حفر آبار ارتوازية واستعمالها لاحقاً بشكل موازٍ لشبكة مياه لبنان وهي الشبكة الرسمية التي تديرها الدولة. أكثر من ذلك، بدأ الحزب بحسب مطلعين، بحفر آبار ارتوازية في الغبيري وحارة حريك بهدف (استعمالها عند الحاجة)، وتقول المعلومات إن الخطة تقضي بمرحلة ما، باستعمال شبكة مياه لبنان لتوزيع المياه على سكان الضاحية وتحصيل اشتراكات شهرية لقاء تأمين المياه للمنازل على أن يكون الاشتراك مقبول نسبياً ويراعي الوضع الاقتصادي العام.

عصابات الخطف نشطت بعد تدهور الأوضاع الاقتصادية في سوريا ولبنان
وثائق تفضح العصابات "المحمية" للاتجار بالبشر في لبنان.. وشهادات مروعة للضحايا
في يونيو الماضي، استطاع هادي (اسم مستعار) سوري الجنسية من الاتصال بوالده في السويد، ليُخبره أنه مخطوف وموجود في البقاع. أبلغ الوالد السلطات المعنية بأن ابنه مخطوف، فقامت مخابرات الجيش في 14 يونيو وبعد مراقبة الخط الذي أجرى منه هادي اتصاله، تم رصده في بلدة بريتال في قضاء بعلبك، فما كان من الجهاز إلا أن داهم المنزل الذي رُصد فيه رقم الهاتف. 

الدولة الغائبة

مورد المياه الذي هو أبعد من مورد مالي، هو أيضاً وسيلة للحكم بالسياسة، إذ يقول مواطنون من الضاحية إن تأمين المياه بالنسبة للأهالي هناك، "يعني تأمين سُبل الحياة وبالتالي هم يلتصقون بحزب الله أكثر كُلما جعلهم أكثر راحة وقدرة وصولهم إلى حاجياتهم أسهل وأقل كُلفة وهو ما يحصل اليوم بشكل أو بآخر، وطبعاً كُل ذلك على حساب الدولة الغائبة تماماً عن الضاحية وعن كُل مناطق نفوذ الثنائي الشيعي مُفسحة المجال أمام تحوّل الحزب إلى الجهة التي تحكم محل الدولة والتي ينظر إليها الناس على أنها السلطة الفعلية".

فيما خص الإنترنت، شبكة الفايبر أوبتيك (الحزبية) تُغطي الضاحية كلها ومن الصعب اختراقها. هناك موزعون صغار لبعض الأحياء، وهؤلاء أيضاً يأخذون من شبكة الحزب الأم. يقول مطلعون على ما يجري إن شبكة الانترنت بيد حزب الله حتى اشتراك أوجيرو الذي يتم توزيعه عبر اشتراكات شهرية من خلال موزعين، وهي الجهة المشغلة للإنترنت في لبنان لصالح الدولة اللبنانية.

يدرس حزب الله بعناية كُل ما يدور من حوله وكُل ما يحصل في مناطق نفوذه وخارجها. وضعيته اليوم تخوّله التحكم بكُل شاردة وواردة. أحياناً يستخدم باقي الأطياف السياسيين. على سبيل المثال، كابلات الأقمار الصناعية كانت موزعة منذ زمن على كثير من الناس الذين عملوا طوال سنوات في هذا المجال مستفيدين من الطفرة التكنولوجية في هذا المجال ومن طلب الناس المتزايد على الاشتراكات. 

الترغيب والترهيب

يوماً بعد يوم، دخل حزب الله إلى هذا المجال عبر مجموعة من المتمولين الذين يعملون لحسابه وبدأوا يتمددون شيئاً فشيئاً، بالترغيب والترهيب، المهم النتيجة. نجح بذلك إلى حد بعيد، إلى أن حصلت بعض المشاكل عام 2018 حول الحقوق الحصرية لقناة "بي إن سبورت" مع بروز شخصية مقربة من الحزب ومن عشيرة كبيرة يريد الحصول على الحقوق بدعم من الحزب، ولصالح الحزب في نهاية المطاف. 

كبُر الإشكال مع الموزعين الآخرين، إلى أن قام حزب الله، عبر مقربين منه، بالتعاون مع أحزاب السلطة الآخرين بإنشاء شركة اسمها "سما" تكون هي المسؤولة عن توزيع الخدمة والحقوق الحصرية وكُل ما يتعلق باشتراكات الأقمار الصناعية. الشركة مملوكة من مساهمين ينتمون إلى حزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل والتقدمي والتيار الوطني الحر والقوات وبعض الأحزاب الأخرى التي لديها سيطرة على الأرض.

الوزيران تعاونا مع حزب الله وتورطا بملفات فساد
العقوبات الأميركية على مسؤولين لبنانيين.. تفكيك المنظومة المالية الجانبية لحزب الله 
فرضت الولايات المتحدة الأميركية عقوبات على وزيرين لبنانيين سابقين، في خطوة كانت متوقعة ومنتظرة. الوزيران السابقان، على حسن خليل وهو الذي شغل وزارة المالية العامة لسنوات، ويوسف فنيانوس الذي كان وزيراً للأشغال في حكومة العهد الأولى عام 2016 والتي شكلها رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري.

والجدير بالذكر أن المساهم في شركة "سما" عن حزب الله هو شقيق أحد كبار القيادات في الحزب سابقاً وهو شريك ومساهم أساسي فيها، دفع ملايين الدولارات للحصول على حصته، كما فعل مساهمون من أحزاب أخرى.

وكيف استطاع الحزب من السيطرة على كُل مناطقه؟ يروي أحد الذين تابعوا ما كان يحصل، يقول: "كانوا يُجهزون الملفات بحق موزعي الكابلات، من ثُم يدعون عليهم أمام القضاء، لإجبارهم على الانصياع لكارتيل شركة سما. واللافت أن حكم القاضي الموجود في منطقة في جنوب لبنان كان دائماً لصالح الشركة المملوكة من الحزب وباقي الأحزاب اللبنانية"، ويشير إلى أن "شركة وحيدة بقيت خارجة عن السيطرة ولكن يتم التعامل معها عبر أرباح متبادلة وهي موجودة في مخيم برج البراجنة".

حروب بين الموزعين

ومن المعروف أن أرباح الخدمات المُقدمة، إن عبر الانترنت أو المياه أو الأقمار الصناعية لا تقتصر فقط على الاشتراكات، بل يتعداها إلى التشغيل والصيانة وغيرها من أمور. مثلاً، يقول أحد سكان الضاحية: "أتوا بكمية كبيرة من "الرسيفرات" (receiver) من الصين وباعوها بأسعار عالية بلغت بحدود 70$ للرسيفر الواحد وحقه الفعلي لا يتعدى بضعة دولارات وأجبروا الناس على شرائها إذا كانوا يريدون مشاهدة التلفاز". ويضيف: "هناك اشتراك سنوي أيضاً للمحطات المشفرة، أي على المشترك أن يدفع فوق اشتراكه، اشتراكاً إضافياً على كل القنوات المشفرة".

وقبل هذه السيطرة كانت تنشب حروبا بين الموزعين الصغار إلى أن أتى الموزع الكبير (الحزب عبر سما) وجعل الجميع تحت جناحه. وإلى جانب الجباية والاستفادة المادية.  

تخضع شركة "سما" لرغبة الأحزاب فيما تريد أن تعرضه للمشاهد. على سبيل المثال والكلام لسكان من الضاحية، "فاشين تي في (Fashion TV) موجودة في الحدت (على تماس مع مناطق نفوذ الحزب) مثلا وممنوعة في الضاحية. هناك أيضاً محطة هوائية توزع لكل لبنان اسمها "هوم سات" وهي تضع محطات ملتزمة وكُل من هم في الحزب يشتركون فيها، تعرض برامج تضع رياضة واخبار وبرامج ملتزمة للأطفال ويصنفونها محطة توزيع ملتزمة ويديرها أحد الاختصاصيين في الحزب ومركزها حارة حريك".

قبل بضعة أيام، حصلت اشتباكات مسلّحة في الضاحية بين آل المقداد واشتراك الهادي وهي الشركة المشغلة لمولدات الحزب المنتشرة في كُل مكان. في السابق كانت المناطق مقسمة بين النافذين وكانوا فيما مضى ينتمون إلى مشارب مختلفة إلى أن أطبق الحزب على الضاحية ما عدا منطقة الشياح حيث تعتبر المركز الرئيسي لحركة أمل ويسيطر على المولدات هناك كُل من جهاد الحسيني (الاسم الحركي لشقيق حسن نصرالله) ونمر الخليل يسيطران على منطقة الشياح واشتراكاتها الكهربائية.

إلى ذلك، كل ما تبقى من الضاحية والمدن التي تخضع لسيطرة الحزب تم العمل في هذا القطاع بشكل غير مباشر. كيف؟ تقول مصادر مطلعة على ما يدور داخل الحزب: "مثلاً في المربع الأمني (أي في حارة حريك) هناك اشتراك مولدات أبو عرب (اسمه الحركي) وهو مسؤول في حزب الله وكانت المناطق مقسمة بينهم إلى أن تأسست شركة باسم اشتراك الهادي والمملوكة من ياسر الموسوي ابن عباس الموسوي وجواد نصرالله ابن حسن نصرالله أمين عام الحزب وحيدر (اسم حركي) إحد مسؤولي فرع الحماية بالحزب".

 

حين تأسست شركة الهادي، بدأت بقضم المناطق في الضاحية الجنوبية لبيروت شيئاً فشيئاً إذ يروي أحد القاطنين هناك أن مندوبي الشركة كانوا يجولون على المباني في الأحياء ويقدمون محفزات للسكان لكي يُنقلوا اشتراكهم من الموزع القديم إلى "الهادي"، مثلاً كانوا يعطوا شهر مجاناً واشتراك المصعد أيضاً مجاناً، وبالنتيجة، يأخذون المبنى ثُم الحي وهكذا دواليك تحصل عملية التوسع. 

يُشيع الحزب أن الإشكال حصل مع بين آل المقداد وشخص من آل أمهز، ولكن الأخير عبارة عن موظف لدى مالكي الهادي الثلاثة، والهادي إلى اليوم صار لديها ما يُقارب 20 ألف مشترك في الضاحية، وبقي أمامها بضعة بؤر لم تسيطر عليها، منها منطقة الرويس التي يسيطر عليها آل المقداد. مثلاً آل المقداد في الحارة يسيطرون على المولدات ولكن الهادي لن تدخل تلك المنطقة لأن صاحب المولدات يدفع لأحد النافذين بالحزب، بحسب ما تقول مصادر مطلعة. 

في منطقة الرويس، يروي أحد سكانها أن آل المقداد اشتبكوا مع مكاتب اشتراك الهادي وأُصيب عنصر في حزب الله، يقولون إنه أصيب عدة مرات في سوريا ويقول الحزب إن لا علاقة له بالإشكال وهو ليس سوى عابر سبيل وأصيب بالخطأ ولكن الرواية غير دقيقة لأن ما يقوله بعض من كان حاضراً إن العنصر كان مشاركاً في إطلاق النار وأصيب خلاله. 

ويضيف: "بعد الحادث استغل المسؤول الأمني للمنطقة علي أيوب وهو معروف بأنه سمسار، علاقته الطيبة مع رئيس بلدية لاسا السابق عصام المقداد وهناك مصالح مشتركة فيما بينهما حيث قام مسؤول اللجنة الأمنية بالحزب بإطلاق يد القوى الأمنية بشكل غير مسبوق لمداهمة منازل وأماكن تواجد أي مشتبه به في إطلاق النار، وفي اليوم الثاني، تم إلقاء قنبلة على اشتراك الهادي مرة ثانية تحت جسر بئر العبد".

الجدير بالذكر أن جزءاً آخر من منطقة حارة حريك يسيطر عليها مولدات تابعة لنائب رئيس بلدية حارة حريك أحمد حاطوم (حزب الله) ولهذا الهادي لا يدخل إلى هذه المنطقة بل توجهوا نحو منطقة آل المقداد حصراً.

دورة اقتصادية موازية

لم تنته الرواية هنا. لماذا الهادي ينتشر بهذه السرعة؟ بالإضافة إلى الأمر الواقع الذي يفرضه الحزب في هذا السياق، للهادي ميزة غاية في الأهمية عن باقي الموزعين، إذ أنهم استفادوا، بحسب مطلعين على الملف، من سعر المازوت المدعوم من الزهراني على سعر 12 ألف ليرة (8 دولار حسب التسعيرة الرسمية) لـ20 ليتراً، في حين اضطر مشغلون آخرون لشراء المازوت بحوالي 20 إلى 25 ألف (13-15 دولار) لـ20 ليتر من خلال السوق السوداء، وبالتالي ما تُقدمه الهادي من تسعيرة للاشتراكات لا يُمكن لغيرها أن ينافسها به. 
 
من الماء إلى الكهرباء والانترنت وصولاً إلى المولدات وغيرها من خدمات، بنى الحزب دورة اقتصادية موازية للدولة. استفاد من غيابها، ولكن في الوقت نفس استفاد منها، وسخّرها ليتمدد ويُصبح هو السلطة الفعلية، التي يعود إليها الناس في كُل ما يعنيهم، فيما قدرته على الصمود في الأزمة الاقتصادية صارت أكبر، بعد أن أمّن موارد جديدة، كانت للدولة اللبنانية، وصارت له، لدويلته.
 

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.