مريم سيف الدين مناهضة لسياسة حزب الله.
مريم سيف الدين مناهضة لسياسة حزب الله. | Source: MBN

يوم السبت الماضي، رن هاتف الصحفية اللبنانية، مريم سيف الدين. إنها شقيقتها، تُعلمها بأن هناك من يحاول الاعتداء على أفراد العائلة وتوصيها بأخذ الحيطة والحذر. الاعتداءات بحق مريم وعائلتها ليست بجديدة، وهي متكررة ومستمرة من قبل قريبها، خالها على وجه التحديد. مريم مستعدة لمثل هذه المواقف التي تتكرر منذ 6 سنوات، بذريعة خلاف على ميراث، فيما تُصر هي وعائلتها أن لا خلاف على الميراث و"حتى لو وُجد، فهذا لا يُبرر تهديدنا بالقتل كُل الوقت". 

سريعاً، فتحت مريم كاميرات المراقبة أمام المنزل الواقع في منطقة برج البراجنة بالضاحية الجنوبية لبيروت، وهي منطقة يُسيطر عليها حزب الله وتُعتبر منطقة نفوذه وخاضعة لسلطته أكثر مما هي خاضعة لسلطة القانون. تُظهر اللقطات التي نشرتها مريم لاحقاً أن هناك شخصاً يقوم بشتم عائلتها ويعتدي على والدتها، بعد أن أبرح شقيقها ضرباً وتسبب بكسر أنفه. 

من هو هذا الشخص؟ اسمه أحمد شعيتو، وهو كما تصفه مريم "أحد البلطجيين الذين يتم تكليفهم بافتعال مشكل أو الاعتداء على أحدهم والقيام بالأمور المشبوهة لصالح شخص ما"، من كلّفه؟ تُجيب: "شقيق والدتي، علي حسين سيف الدين وأولاده، ذو الفقار وحسين". 

شعيتو وخلال الاعتداء على شقيق مريم، هدده بأنه سيقتله، كما تروي مريم لموقع "الحرة"، تقول: "أثناء قيامه بالاعتداء على شقيقي يقول له شعيتو سأقتلك فيما تُسمع زوجة شعيتو وهي تقول لزوجها اذهب إلى المنزل وأجلب سلاحك"، تضيف: "وأنا في طريقي إلى المنزل، اتصلت بخفر الشرطة في المريجة وقلت لهم إن هناك من يعتدي علينا ويهددنا بالقتل فما كان منهم إلا أن قالوا إنهم لا يتحركوا إلا بناء لإشارة، فحين جاوبتهم أن أخي بخطر سألوا إن كان هناك قتلى وجرحى، لم يتفاعلوا، وكأنه لا يكفي التهديد والضرب وسحب السلاح كي يتدخلوا لتوقيف المعتدي". 

حين وصلت مريم إلى المنزل، كان شعيتو قد عاد، معتقداً أن شقيق مريم ووالدها في المنزل وحدهما. تقول: "حين رآني تفاجأ. وما كان مني إلا أن اتصلت بزميلة لي لأقول لها ما يحصل، فارتبك وعاد إلى الوراء وهو يصرخ مهدداً أخي بالقتل، وكان اعتدى على والدتي حين حاولت الدفاع عن ابنها. واستمر بالصراخ وحين أعدت الاتصال بالشرطة بدأ بشتم الشرطة وعاد وهدد بالقتل بشكل علني وواضح"، وتذكر مريم أن شعيتو نفسه "سبق وأرسل من يعتدي على شقيقي قبل 5 سنوات وقدمنا بلاغاً بحقه ولكن لم يتم التحقيق في القضية". 

اللافت في الرواية، أن شعيتو حين علم بأن الشرطة ستأتي، ما كان منه إلا أن ترك الموقع وذهب بنفسه إلى المخفر ليشتكي على مريم وعائلتها. حين وصلت مريم إلى مخفر المريجة، تعامل معها العناصر على أنها مدعى عليها وليست المدعية، ومُنعت من التواصل مع محاميتها قبل أن تدخل للاستماع إلى إفادتها. 

تقول مريم: "حين دخلت كررت الطلب لرتيب التحقيق أنني أريد أن أتواصل مع محاميتي فرفض. وأثناء التحقيق صار يعاملني وكأنني المعتدية، كما تمّ تعنيفي لفظياً في المخفر على مسمع المحامية التي أتت لاحقاً". 

طبعاً لا تعرف مريم لماذا كُل هذا الحقد على عائلتها. شقيق والدتها لا يُحبهم ولكنه في الوقت نفسه يبدو أنه لن يدعهم وشأنهم، تارة بموقف السيارة وطوراً باشتراك الإنترنت، وتشاركه في ذلك زوجته، وهي "التي قالت له بأن يزيل اشتراك الإنترنت من على سطح المبنى، مع أن هذا السطح مشترك ولا يحق لع أن يقوم بذلك". 

ثمن البقاء.. "الطاعة لحزب الله"

يستقوي خالها بالأحزاب المسيطرة في المنطقة، تحديداً حزب الله. ذو الفقار، عنصر في الحزب كان سبق له قبل مدة أن ادعى أنه عنصر في أمن الدولة ليتبين أن ذلك غير صحيح. هو استخدم هذه الصفة ليُبرر سطوته وتطاوله على مريم وعائلتها. ويبدو أن حزب الله بدعمه وتغطيته لهؤلاء، يوصل رسالة لمريم المعروفة بمواقفها المناهضة له "إذ هو لا يتقبل أن يكون في بيئته من ينتقده أو من يُجاهر بأنه ضده"، بأنها غير مرحب بها وإن كانت تريد البقاء فالثمن، الطاعة، وهذا "ما لن تُقدمه له لا مريم ولا عائلتها".

وخال مريم، المدعوم سياسياً من حزب الله، سبق أن أطلق النار على منزلهم، قبل ست سنوات وضرب شقيقتها، واعترف بهذا الأمر في تحقيق فُتح آنذاك في مخفر المريجة، ومضى تعهداً آنذاك. تقول مريم: "ادعينا حينها عليه وعلى شقيقه وقتها، ولكن حاولوا كثيراً لفلفة القضية والتأخير فيها. بعدها بفترة اعتدى على شقيقتي ونشرت صورها بعد تعرضها للضرب فصار هناك ضغط إعلامي فحاول أن ينكر ما حصل ويضع الأمور في نطاق ضيق".

ليس هذا كُل ما في الأمر، والد مريم بصفته مُناصر للحزب، وبعد ضغط من عائلته لكي يتحرك ويتحدث مع الحزب عما يحصل، تواصل مع أحد الحزبيين في اللجنة الأمنية التابعة لحزب الله طالباً منهم ألا يتدخلوا بالقضية، فأتاه الرد "تُسقط الدعوى من المحاكم الرسمية وتُقدمها لدينا"، تقول مريم: "رفضت شقيقتي الأمر وهي التي كانت متقدمة بالدعوى. صارت تدخلات كثيرة، وكان هناك رابط أمني من حزب الله بالمخفر، وهو لديه سلطة أكبر من الضابط بالمخفر، فكان يفعل ما يحلو له. ضغطنا كثيراً إلى أن تم نقل الملف من المريجة إلى مفرزة الضاحية وهناك حصل تحقيق جدي واعترف بما قام به ومضى تعهداً بأن لا يتعرض لهم مجدداً وحصلت مصالحة وأسقطنا الدعوى". 

لم تدم هذه المصالحة طويلاً، عاد الرجل ليمارس فعل الاستقواء متسلحاً بانتمائه وعلاقاته بحزب الله الذي بحسب مريم يؤمن له ولأولاده التغطية اللازمة في كُل ما يقوم به. تُضيف: "لديه معارف من السياسيين كونه يعمل في سبق الخيل، ولكن هذه المرة كان واضحاً أنه يستقوي بالحزب مباشرة، ويُجاهر بهذا الأمر. أكثر من ذلك، قبل شهر تبيّن أيضاً أن ابن شقيق النائب عن حزب الله يتدخل ويشهد معهم في الإعلام، حتى أنه ذهب معهم إلى المخفر". 

ضرب وتهديد بالقتل. هناك الكثير من الأسئلة التي تُطرح، لكن الثابت أن المعتدي يُجاهر بما يقوم به، ولا يكترث للسلطة الأمنية الرسمية، لأنه محمي من السلطة الفعلية الحاكمة في تلك المنطقة كما تروي مريم التي لا تعلم إلى الآن "لماذا كُل هذا الحقد عليهم. يريد أن ينتقم منّا، لا أعرف ولا أفهم. ما أعرفه أن الأحزاب تتيح لهؤلاء الأشخاص بأن يقوموا بما يحلوا بهم. حتى الخلاف العائلي لا يبتعد عن إطاره السياسي. دائماً هناك استثمار للانتماء الحزب في كُل ما يقومون به ضدنا". 

مريم وعائلتها، صاروا مقتنعين بأن البقاء بهذا المكان صار خطراً على حياتهم. "استنزاف دائم لنا. المكان صار غير قابل للحياة، لوكن ماذا نفعل في منزلنا؟ نتركه هكذا؟ وكيف سنؤمن السكن البديل؟". أسئلة تطرحها مريم لكن لا جواب عنها، وهي طبعاً لا تنتظر من السلطات الكثير. هي وعائلتها تحت رحمة من يستقوي بالحزب الإلهي، بغض النظر عن المشكل أو أصله، حالهم كحال كُثر، تجرأوا على المعارضة، فقط لا غير. 

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.