الأزمة المالية تعصف بمستشفيات لبنان صاحبة التاريخ العريق في الطب
الأزمة المالية تعصف بمستشفيات لبنان صاحبة التاريخ العريق في الطب

تقول نقابة أطباء بيروت في بيان لها إن عدد الأطباء الذين رحلوا عن لبنان مُنذ بداية الأزمة الاقتصادية بلغ 400 طبيب. الرقم ليس دقيقا لاعتبارات عدة، أهمها عدم قدرة النقابة على إحصاء الأطباء الراحلين إلى دول لا تطلب معادلات أو امتحانات قبول، مثل دول الخليج مثلا ودول شرق أوروبا وغيرها من المناطق.  

يذكر رئيس لجنة الصحة النيابية النائب، عاصم عراجي، في أحد تصريحاته أن حوالي 1500 طبيب قد هاجروا من لبنان في الأشهر الستة الأخيرة، فيما يرى نقيب الأطباء في بيروت، شرف أبو شرف، أن هذا الرقم مبالغ فيه، ويُرجح أن مجموع الراحلين حوالي 400 طبيب ليس أكثر. لكن إلى الآن، ليس هناك إحصاء دقيق يُعبر عن واقع حال الجسم الطبي بعد الأزمة الاقتصادية التي عصفت بلبنان، ودفعت أطبائه للبحث عن مكان آخر.  

وفي ظل واقع لا يُبشر بالخير زادته سوءا جائحة كورونا وعجز المؤسسات الرسمية المعنية عن وضع استراتيجية فعّالة وتوقع انهيار وشيك، يبدو أن كُل الأرقام ستكون مضاعفة في المرحلة المقبلة، إذ يشير نقيب أطباء الشمال، سليم أبي صالح، في حديث لموقع "الحرة" إلى أنه "بحلول نهاية العام، يكون قد رحل عن لبنان حوالي 25 في المئة من الطواقم الطبية، وهو رقم مُخيف جدا. نحن نتكلم عما يقارب 4 آلاف طبيب". 

وليشرح الواقع أكثر، يقول أبي صباح: " في فرنسا، هناك امتحان سنوي مخصص لتعديل الشهادات، أي الأطباء من كل أنحاء العالم بإمكانهم أن يتقدموا إلى هذا الامتحان، وإذا نجحوا بإمكانهم مزاولة المهنة في فرنسا. هذا الامتحان يعقد في نوفمبر، تقدم إليه هذه السنة 250 طبيبا لبنانيا، طبعا الامتحان أجّل بسبب جائحة كورونا، ولكن الرقم مخيف إذا ما صحت المعلومات". 

واقع مُخيف   

"كل طبيب لديه شهادة أجنبية إما رحل أو يستعد للعودة من حيث أتى خاصة دول أوروبا الغربية وأميركا. بكل صراحة الأطباء الذين ليس لديهم مشكلة في معادلات الشهادات، أو هم أساسا استحصلوا على شهاداتهم من تلك الدول، هم إما رحلوا أو سيرحلون. هناك أطباء يعملون في لبنان منذ 25 و30 سنة، واقتربوا من سن التقاعد، ومنهم أسماء أكاديمية معروفة ورؤساء أقسام، ولهم حضورهم الطبي، فضلوا الهجرة على أن يبقوا هنا. زمنهم من ينتظر أن يخضع للامتحان لتعديل شهادته، كي يستطيع العمل في البلد الذي قرر الهجرة إليه". يقول أبي صالح. 

ويضيف قوله: "أسبوعيا لدينا دعاوى من مواطنين بحق أطباء، الذين يُجرّون إلى المحاكم بدعاوى هدفها إما التشهير أو الاسترزاق. واليوم من جراء كورونا زادت هذه الدعاوى. على سبيل المثال نحن نضطر للمفاضلة بين المرضى، وهذا لا علاقة لنا به وليس قرارنا حتى وأساسا لا خيارات أمامنا". 

ويقول، سعد الزين، مسؤول العلاقات العامة في مستشفى رزق إن "هناك أطباء عادوا إلى لبنان منذ ثلاث سنوات حين كان هناك طفرة وبحبوحة، ونحن عملنا على تحسين الوضع مثل الكثير من المستشفيات التي عملت على تطوير نفسها، وبالتالي كانت هدفنا أن تعود النخبة وتخدم وطنها ليس فقط بالطبابة، بل أيضا بالتعليم. (الجامعة اللبنانية الأميركية)، أتوا وكان لديهم دورا هاما ولكن لسوء الحظ بسبب الأوضاع السيئة، اضطروا إلى ترك البلد وأن يعودوا إلى الولايات المتحدة أو الخليج أو دول أخرى. تأثرنا بهذا الموضوع ولدينا عدد لا يُستهان من المهاجرين، بين 5 و6 أطباء عادوا من حيث أتوا". 

سلطة غائبة تماما

في ظل هذا الواقع، يطرح السؤال حول ما تقوم به الدولة لمساعدة الجسم الطبي في المعركة التي يخوضها، ويُعطي نقيب أطباء الشمال مثالا على ذلك، حيث يقول: "طالبت في مارس الماضي خلال اجتماع مجلس الدفاع الأعلى واللجنة الخاصة بمتابعة كورونا، أن يتم التعامل مع الأطباء الذين يعملون في كورونا كمعاملة الجنود في الحرب، أي إعطاءهم حوافز مادية وتأمين عائلاتهم إذا حصل لهم أي مكروه، لكننا جوبهنا برفض قاطع من الأمنيين والرسميين". 

في يوليو الماضي، توفي الطبيب، لؤي اسماعيل، (32 عاما) من بلدة الزلوطية في جنوب لبنان في صور جراء إصابته بفيروس كورونا. حيث أصيب نتيجة عدوى من امرأة كانت بحاجة للعلاج في المستشفى وأشرف على حالتها. ويقول أبي صالح: "قام رئيس الجمهورية (ميشال عون) بالثناء عليه من دون أن يكون هناك أي تعويضات مادية لعائلته. ماذا تفعل عائلته بثناء لا يُسمن ولا يُغني عن جوع؟". 
 
واقع المستشفيات أيضا في تدهور مُستمر، مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة نفسها سبق أن صرفت مئات الموظفين الصيف الماضي. صور آليات الجيش وهي مُنتشرة بمحيط المستشفى والجامعة أثناء عملية صرف الموظفين والإعلان عن القرار كانت مُعبرة، ولعلها تختصر الواقع الذي يعانيه كُل لبنان وخاصة الجسم الطبي، وما تُعاني منه "الأميركية" هو نفسه ما تُعاني منه مستشفيات أخرى قامت بعملية ترشيد، كما يصفونها. 

بحسب الزين فإن "وزارة الصحة لا تدفع المستحقات. يقولون إنهم يدفعون ولكن هذا غير صحيح. نحن لدينا مستحقات لم تدفع منذ سنوات. نواجه حملة شرسة ونحاول أن نصمد ولكن حقيقة لا أحد يعلم كم من الممكن أن نصمد. نحن نقول إننا سنستمر قدر الإمكان، ولكن إلى متى، لا أحد يعلم. هناك الكثير من الأمور قامت بها المستشفى لتساعد قدر الإمكان. نحن منذ بداية الأزمة كنا حريصين على كل كوادرنا ولم نقم بإقالة أحد بخلاف أي مؤسسة تعليمية أو استشفائية أخرى". 

وللحفاظ على الموظفين وخاصة الأطباء وأصحاب الاختصاصات المهمة، تقوم بعض المستشفيات بمحاولة تقديم محفزات ولو بسيطة تُساعد الطبيب وتُشجعه على البقاء في لبنان، فعلى سبيل المثال، قامت غالبية المستشفيات الكبيرة (الخاصة) بإعطاء الأطباء جزءاً من رواتبهم السنوية بالدولار لمحاولة ثنيهم عن الرحيل، بعد أن صار الدولار يوازي أكثر من 8000 آلاف ليرة لبنانية فيما السعر الرسمي مُستمر على 1500 ليرة مقابل الدولار الواحد. 

فوق كُل ذلك، "وزارة الصحة لا تدفع المستحقات. يقولون إنهم يدفعون، ولكن هذا غير صحيح. نحن لدينا مستحقات لم تدفع منذ سنوات. نواجه حملة شرسة ونحاول أن نصمد ولكن حقيقة لا أحد يعلم كم من الممكن أن نصمد. نحن نقول إننا سنستمر قدر الإمكان، ولكن إلى متى، لا أحد يعلم"، يقول مسؤول العلاقات العامة في مستشفى رزق. 

ياسمين عاقلة: لا وطن

هي طبيبة أمراض غدة وسكري، تزاول مهنة الطب في لبنان منذ 8 سنوات، بعد 15 سنة من الدراسة بينها 4 سنوات في فرنسا بين دراسة وممارسة مهنة، هي اليوم تنتظر أن تنتهي من بعض الأوراق لكي تحزم حقائبها وترحل إلى فرنسا.

تقول: "الوضع الذي وصلنا إليه واليأس الحاصل بعد ثورة 17 أكتوبر، وتأكد القرار نهائيا بعد انفجار ٤ أغسطس، تبين أننا نعيش في لا وطن". 

واجهت عاقلة الكثير من المصاعب أثناء مزاولتها للمهنة في لبنان، تقول: "أولا فرض نفسي في ظل أجواء منافسة فيها اعتبارات لا تعتمد فقط على الكفاءة الطبية والخبرة، وسنوات حتى نكسب الثقة، ومستشفيات لها أطباءها واتفاقات قديمة وتسويات، وحتى لو أن عقود العمل تعتمد على قانون الأخلاق الطبية، إلا أن الممارسة على الأرض تماما مختلفة، فضلاً عن خرق خصوصيات وتخطي الحدود المهنية من قبل المريض".

تُكمل عاقلة حديثها لتختصر واقع الجسم الطبي في لبنان، تتحدث عاقلة عن الجسم الطبي، "شخصياً حسب خبرتي الصغيرة وما واجهت من مشاكل وهيمنة المستشفيات على أتعاب الأطباء، وجو المنافسة، لم أجد يوماً الجسم الطبي متماسك، كذلك، النقابات رغم أنها تلعب دورا أساسيا في تطبيق القوانين وتنظيم العمل، يبقى عليها الكثير من الجهد لحماية الاطباء واعطاء حق ادنى كرفع المعاش التقاعدي، العلاقة مع الجهات الضامنة والمستشفيات، تطاول  مهن اخرى على مهنة الطبيب حيث نسمع بصيادلة مثلاً يصفون أدوية أو أخصائيين في مجال التغذية يصفون فحوصات مخبرية وأدوية أو أصحاب اختصاصات طبية يعتدون على اختصاصات أخرى".

تضيف: "يوجد كفاءات وتميز في هذا القطاع، ومستشفيات تقدم جودة عالية من الخدمات، وأطباء يبرعون أو برعوا في الخارج، لكن الانهيار قد حل الآن، وحتى قبل الانهيار، كانت المشكلة أن بعض القاع الخاص كان مُتميزا، وبالتالي في ظل غياب الدولة ضعفت المؤسسات والمستشفيات الحكومية التي تعاني من الإهمال وغياب انماء في المناطق البعيدة عن بيروت خاصة، وهذا واقع غير عادل بحق المريض مع كل مشاكل التغطية الصحية، وبحق الأطباء إذ يسود جو من الزبائنية والمحسوبيات والمحاصصة في مستشفيات تحت سيطرة الزعماء".

تقول عاقلة: "كنا نقول عدنا الى وطننا، قرب أهلنا، نخدم مجتمعنا، وكان ما لنا من نتيجة أتعاب تؤمن كرامة ما وتعوّض عن غياب الدولة. اليوم اختفت أكثر أسباب البقاء وأضحت التضحيات أقسى وأصعب. الأفضل الهجرة الى بلد يحترم الإنسان، يحترم الطاقم الطبي، فيه الحد الأدنى من الحقوق".

سيلين ربيز: لا مساواة بين البشر 

تختص ربيز بالطب العائلي، وهي بدأت ممارسة المهنة عام 2013. توقعت حين بدأت ممارسة المهنة أن "كل شخص سيكون لديه طبيبه وكل طبيب قادر أن يحل 90 في المئة من المشاكل الصحية، وبعدها يُمكن له أن يتوجه إلى أطباء الاختصاص إذا كان هناك حاجة. لكن المشكلة في لبنان أن هناك منافسة كبيرة والجسم الطبي غير متماسك. في حال أرسلت هذا الشخص إلى حكيم الاختصاص فالاحتمال الكبير ألا يعود لأن حكيم الاختصاص سيُفضل أن يتابعه بكل التفاصيل". 

وتقول ربيز إن "السبب الأساس ليس الوضع الاقتصادي أو المادي لأنني كنات أعمل مع منظمات دولية بشكل جزئي وبالتالي لم يكن لدي أي مشكلة من هذه الناحية ولكنني حين قررت أن أتخصص بالطب كان هدفي أن أطبب كل الناس بذات المستوى ولكنني حين بدأت ممارسة المهنة اكتشفت أن ممارستي للمهنة مرتبطة بالتأمين أي تتأثر بالحالة المادية للشخص المريض وهذا شكل لي أزمة أخلاقية وهي كبرت بعد الأزمة الاقتصادية. هناك أناس لا تستطيع أن تعالجهم وهناك آخرون يُكملون حياتهم بشكل طبيعي وهذا أمر محزن. إذا نحن مع المساواة بين البشر فإن ما نشهده في لبنان لا يمت إلى هذا الشيء بصلة". 

تُركز ربيز في كُل حديثها على اللا مساواة الموجودة، على عدم قدرتها على تقديم المساعدة كما تريد أو أقله كما توقعت حين اختارت المهنة، تقول: "دخول المستشفى وحتى قبل الأزمة كان شيئا معقدا. المرضى الذين يتعالجون على نفقة وزارة الصحة لا يجدون أسرّة. والمرضى كبار السن أو الذين يعانون من مضاعفات قد تكون خطرة، تُفضل المستشفيات أن تقول إن ليس لديها أماكن لاستقبالهم". 

ولهذا "قررت أن أذهب إلى فرنسا مع أن هذه الخطوة جعلتني أتراجع إن من الناحية المادية أن المكانة الوظيفية إضافة إلى أنني تركت حياتي الشخصية ومحيطي الاجتماعي وعائلتي فقط لكي أشعر أنني أقوم بما دفعني لأتخصص طب، أي أن أعالج الجميع من دون أي اعتبار للماديات أو أي شيء آخر. أقله الآن ارتحت من سؤال المريض أن تتعالج على حساب من؟ (ضمان أو تأمين أو وزارة إلخ)".

إيهاب إبراهيم: البلد تخلى عنا 

طبيب مختص بالأمراض الصدرية والعناية الفائقة ودكتور محاضر في الجامعة اليسوعية، عاش في فرنسا لأربع سنوات وله في لبنان ما يقرب 10 سنوات. ومن اللحظة التي عاد فيها إلى البلد وهو يشعر بقلق دائم "وكأن هناك شيء ما غير مريح إطلاقا. نعيش على الصدفة وكل الوقت لدي خوف من أن يقع البلد أيضا بالصدفة".  

عاد إبراهيم إلى لبنان لظروف عائلية "ولم يكن بإمكاني أن أفكر جديا بالرحيل إلا مؤخرا. زوجتي اقتنعت بفكرة الرحيل، خاصة أنه صار لدينا أطفال وصار كُل همنا كيف نؤمن لهم مستقبلا أفضل. مستقبلهم وأن يعيشوا في بيئة صحية أهم من كل شيء. لهذا تواصلت مع بعض الأشخاص في الخارج لأستفسر عن إمكانية العمل. بعد الانفجار، تلقيت اتصالاً من فرنسا ليعرضوا عليّ عملاً فما كان مني طبعا إلا أن وافقت". 

يروي إبراهيم عن تجربته في لبنان، يقول: "تجربتي طوال السنوات الماضية لم تكن سهلة، كانت متعبة فعلا ولكن لكي أكون صادقا لا يُمكن أن أكون سوداوياً، لقد كان هناك وجها مشرقا لها، لقد بنيت اسما وسمعة طيبة في المهنة، عملت جاهداً واستطعت أن أثبت نفسي وأن أؤمن لعائلتي حياة كريمة". 

في المقابل، فإن الواقع مغاير تماما لما يراه الناس، كما يقول إبراهيم، ويضيف: "القطاع الطبي يعاني من فوضى عارمة بكل معنى الكلمة، ليس هناك أي نوع من الترابط ولا التنسيق، انفلات غير مدروس في كل شيء من مستشفيات ومستوصفات ومختبرات إلخ، وفي النهاية سوق العمل قائم أيضا على العرض والطلب، حتى في مهنتنا. وفي ظل كُل هذا الواقع، كانت سياسة الدولة معدومة إذا صح التعبير، وهذا ما سمح للمستشفيات والمختبرات والمؤسسات الطبية أن تنبت مثل الفطر من دون أي دراسة فعلية لحاجتنا وبالحد الأدنى لتوزعها الجغرافي". 

ويضيف أنه "لطالما سمعنا إشادة بهذا القطاع، كانت الصورة من الخارج تبدو زاهية والكل يتحدث عن الطب في لبنان وتطوره وما إلى ذلك، ولكن كل هذا كان كالبالون، لأنه عند الاختبار الحقيقي، وهو ما حصل مؤخراً، انهار كُل القطاع". 

ويقول إبراهيم "بكل صراحة ومن محيطي وما أعرفه، الأغلبية تفكر بالرحيل، وهناك أسماء كبيرة من بين الأسماء التي رحلت والتي تستعد للرحيل عن لبنان. بالنهاية واقع الطب لم يكن يوما مثاليا، إذا أخذنا أطباء الأطراف ندرك ما يعانيه هذا القطاع، طبعا هناك تفاوت بين طبيب وآخر ولكن هناك إجحاف بتصوير القطاع الطبي على أنه قطاع يعيش حياة هانئة". 

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.