تظاهرات طلبية في لبنان
تظاهرات طلبية في لبنان | Source: MBN

تظاهر طلاب الجامعات في بيروت بعد غياب طويل. يوم الغضب الطلابي الذي دعت إليه مجموعات طُلابية مُستقلّة كان حاشداً مقارنة بالحراك الذي كان يجري مؤخراً، والذي أظهرت بُعد الناس عن الشارع، وانصراف معظمهم لتأمين معيشتهم بعد الأزمة الاقتصادية التي حلت بهم والتي تُذر بما هو أسوأ. 

يوم السبت، الساعة الرابعة بعد الظهر في توقيت بيروت، بدأ تجمع الطلاب أمام "دانكن دونتس" في شارع الحمرا بالقرب من مصرف لبنان ووزارة الداخلية. وجوه متنوعة، طغى عليها الطابع الشبابي، مع مشاركة لأشخاص من خارج المجموعات الطلابية، "تأييداً لمطالبهم التي هي مطالب حقة وسبق لهم أن رفعوها حين كانوا طلاباً في جامعات بيروت الخاصة، والجامعة اللبنانية".

وكما جرت العادة منذ 17 أكتوبر، كان عنف القوات الأمنية حاضرا مرة أخرى وبقوة؛ الفارق أن ضحاياه هذه المرة طلاب مسالمين يُريدون فقط، أن يُكملوا تعليمهم.   

طلاب الجامعات في لبنان يتظاهرون ضد رفع أقساط الدراسة

"الطلاب في مقدمة الصراع السياسي"، شعار يختصر التحرك الذي عنوانه مواجهة سياسات الجامعات الخاصة الظالمة بحق الطلاب، إذ قررت إدارات بعض الجامعات، من بينها الجامعة الأميركية والجامعة اللبنانية الأميركية، أن يحتسبوا الدولار على سعر منصة مصرف لبنان أي 3900 ل.ل مقابل الدولار الواحد فيما السعر الرسمي، يبقى 1515 ل.ل، ما يُضاعف الأقساط نحو 3 مرات. 

هذا الصراع السياسي كما يراه الطُلاب، يبدأ من جامعاتهم، كما رددوا خلال المسيرة الطلابية. شعارات كثيرة، منها طُلابي ومنها ما يتعدى ذلك. الكُل يُجمع على مطلب رفض رفع الأقساط، لكن الشعارات تعددت واختلفت، منها ما كان مُهادناً مطالباً بوقف ما يحصل، ومنها ما ذهب أبعد من ذلك ليصف رؤساء بعض الجامعات كالأميركية واللبنانية الأميركية وجامعة القديس يوسف بـ"السارقين"، متهمين إياهم بأنهم "متواطئون مع السلطة ضد الشعب". وبين المحتجين من كان يردد مطلباً واحداً "نريد جامعة وطنية"، في إشارة إلى الجامعة اللبنانية التي يعتبر المتظاهرون أنها "بحاجة لإصلاح جذري لأنها جسم مهترئ غير قادر على الاستمرار". 

"حقوق مش مطالب"، يافطة رفعها مُتظاهر، وترددت على مكبرات الصوت حين انطلقت المسيرة لتعبر شارع الحمرا، حيث وقف المارة على الرصيف، فيما الطلاب "يرفعون الصوت على الجامعات في بيروت". بعضهم، أيضاً، يأتي من جامعة سبق وأعلنت أنها تلتزم بتعميم وزارة التربية التي طالبت فيه الجامعات الخاصة باعتماد تسعير 1515 ل.ل مقابل الدولار، وهي الجامعة اللبنانية الدولية. هؤلاء مطالبهم مُختلفة، فهم طبعاً يستبقون، كما يقولون، أي محاولة لتغيير الأقساط، ولكنهم أيضاً يُريدون مجالس طلابية". يقولون: "من حقنا أن ننتخب مجالس طلابية تُمثلنا وتُوصل صوتنا أسوة بكل الجامعات. نريد حياة ديمقراطية الآن". 

المحطة الأولى كانت أمام الجامعة اللبنانية الأميركية، حيث ندد الطلاب بسياسة الجامعة واعتبروا أن "الجامعات الخاصة تحوّلت اليوم لتكوّن كارتيل ضد الطلاب"، مطالبين رئيس الجامعة ميشال معوض بالتنحي "لأنه لا يُمكن أن يكون رئيساً لصرح تعليمي وهو في الوقت نفسه مع ظلم الطلاب بل ويمارسه بحق طلابه قبل أي كان".  

ومن أمام "اللبنانية الأميركية" شق الطلاب طريقهم نزولا إلى الجامعة الأميركية في شارع بلس. طوال المسيرة وصولاً ألى الأميركية، كان هناك مجموعة من الشُبان لا تهتف كما بقية الطلاب، بل ركزت على الشعارات المنتقدة لرئيس الجمهورية ميشال عون ولجبران باسيل، صهر الرئيس، وزير الخارجية السابق الذي هو، منذ 17 أكتوبر 2019، محل انتقاد من غالبية المتظاهرين الذين يحمّلونه جزءاً كبيراً من الأزمة التي وصلت إليها البلاد، ويتهمونه بالفساد أسوة بكل الطبقة السياسية. 

أمام الجامعة الأميركية كان المشهد مختلفاً أيضاً. كثير من عناصر الأمن، جيش وشرطة. مجموعة كبيرة منهم كانت داخل حرم الجامعة و"تدخلت لاحقاً" كما يروي بعض الطلاب الذين رأوهم. تجمع الطلاب وأكملوا هتافاتهم، وأطلقوا العنان لهتافات مناهضة لرئيس الجامعة فضلو خوري "الذي أوهمنا أنه مع الثورة ليتبيّن أنه حليف وثيق لقوى السلطة. إدارات بعض الجامعات مع السلطة ضد الناس"، تقول متظاهرة تُكمل تعليمها في الأميركية ولكن على ما يبدو "لن يكون بمقدوري أن أستمر. خلص". 

هتف الطلاب ضد سياسات الجامعة، ثُم بدأوا رفعوا أصواتهم، مطالبين الإدارة أن تفتح لهم الأبواب كي يدخلوا الحرم ويوصلوا صوتهم، لكن هذا ما لم يحصل طبعاً. ما هي إلا دقائق حتى رمى أحد عناصر مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع، فيما كان بعض المتظاهرين يرشقونهم بقناني المياه. ليبدأ "الهرج والمرج" والتدافع، ولتتحول الساحة إلى مكان "أفرغ فيه عناصر الأمن كُل غضبهم ضد المتظاهرين السلميين". 

فصلت قوات الأمن التظاهرة إلى قسمين لتُسهل تعاملها مع المحتجين. هجموا بعدتهم وعديدهم وبدأوا يضربون المتظاهرين بالعصي. على مقربة منا، ضابط في الجيش اللبناني يضرب متظاهر لم يرض أن يترك المكان. صرخ الضابط "لا أريد أن أرى أحداً هنا"، رفع عصاه وبدأ يضرب. فحذا حذوه آخرون من عناصر الأمن. 

في الجهة المقابلة، عمد المتظاهرون إلى إشعال النار في حاويات النفايات بعد أن وضعوها في منتصف الطريق لمنع الأمن من الوصول إليهم بسهولة، إلا أن قنابل الغاز المسيل للدموع كانت كفيلة بتفرقتهم. تراجعوا إلى شارع مواز، حيث عمد بعضهم إلى محاولات تكسير فاشلة لواجهات بعض المصارف التي صارت محصنة بعد ما شهدته البلاد منذ 17 أكتوبر. 

انتهت المسيرة، في الشوارع الضيقة التي هرب إليها الطُلاب، أصوات تعلو ضد الأمن، ووعود بالاستمرار والعودة إلى الشارع الذي انكفأ عنه كُثر من الطُلاب حين تعرضوا لهجمات متكررة من مؤيدي الأحزاب. فهل يكون تحرك اليوم إيذاناً بما ستشهده البلاد في المقبل من الأيام؟ لا أحد يعلم، الوقت كفيل بالإجابة.

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".