اللاجئون السوريون في لبنان يعانون أوضاعا صعبة
الإجراءات التي اتخذتها السلطات اللبنانية أفقدت معظم اللاجئين السوريين صفتهم القانونية

حين بدأ اللجوء السوري إلى لبنان عام 2011 هرباً من العنف الممارس من قبل النظام بحق مواطنيه، انقسم المجتمع اللبناني بين مُرحب ورافض.

لكل فئة اعتباراتها التي غالباً ما تكون مبنية على موقف سياسي أو طائفي وهو الشائع في لبنان، وقلة قليلة كان موقفها نابع من منطلقات إنسانية بحتة بلا حسابات سياسية أو غيرها.

طوال 9 سنوات، أي منذ بداية الأزمة إلى اليوم، تعرض السوريون في لبنان لكثير من الظلم، إذ لم يكتف البعض برفض وجودهم والإصرار على عودتهم إلى حيث يموتون، بل مورست بحقهم الكثير من الأفعال التي توصف بالعنصرية، وفي الكثير من الأحيان، تحولت هذه العنصرية نحو الفعل العنفي فكان القتل والضرب والاغتصاب والتهجير من جديد وغيرها من أفعال شائنة.

واللافت مؤخراً، أن العنصرية هذه لم تعد محصورة بفئة معيّنة هي من الأساس ضد اللاجئين ووجودهم.

في المراحل الأولى من اللجوء كان التيار الوطني الحر، حزب رئيس الجمهورية الحالي، هو الأكثر تطرفاً في نبذ كُل ما له علاقة باللاجئين ومحاربتهم، إلا أن الواقع اليوم صار تقريباً معمماً على غالبية المجتمع اللبناني، وتحديداً الجماعات التي تجاهر بعدائها للنظام السوري.

فقبل مدة، أشعل حراس محليون النار في ثلاث خيام في مخيم للاجئين في بلدة دير الأحمر شرق لبنان، واشتبك سوريون هناك مع رجال الإطفاء اللبنانيين، مما أدى إلى جرح واحد منهم وإصدار البلدية أمر إخلاء أجبر 400 سوري على نقل خيامهم إلى مكان جديد.

كذلك وبعد وقت قصير، أُجبرت أكثر من 270 عائلة سوريا على الهرب من بلدة بشري بعد أن حصل خلاف بين مواطن من البلدة ولاجئ وأدى إلى مقتل الأول ما أشاع جواً من التوتر أجبر المئات على الهرب وترك أماكن سكنهم خوفاً من عمليات انتقام كانت ستحصل.

وبالإضافة إلى منع تجولهم ليلاً في بلدات كثيرة، ومعاملتهم بطريقة غير إنسانية فيما يخص كورونا إذ قررت بعض البلديات أن تمنع تجول السوريين حصراً، كان حادث إحراق مخيمهم في بلدة بحنين قضاء المنية شمال لبنان بعد خلاف بين عمال من المخيم وتاجر حمضيات من المنطقة، أدى إلى حرق الخيم بما فيها وتهجير من يقطنها، في مشهد ذو دلالة كبيرة.

وتُعتبر هذه المناطق، سواء دير الأحمر أو بشري أو المنية، أو قبلها تمنين في البقاع، مناطق ذات أغلبية مناهضة للنظام السوري ومؤيدة لمعارضيه، وكانت في كثير من المحطات تُعبر عن تضامنها مع اللاجئين علناً، كذلك فعلت الأحزاب المسيطرة فيها، إلا أن ما ظهر مؤخراً، بدا معاكساً تماماً لكل الخطاب السابق، مع بروز نزعة عنصرية، يبدو أنها كانت موجودة إلا أنه لم يُعلن عنها لاعتبارات سياسية وغير سياسية.

وسط كل هذا الواقع، يبرز السؤال الأساس، على من تقع المسؤولية في كُل ما يحصل؟

تقول الكاتبة والناشطة السورية عالية منصور لموقع "الحرة": "المسؤولية الأولى بعد مسؤولية (بشار) الأسد بتهجيرهم تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي رفضت تنظيم اللجوء بشكل يحفظ سيادة لبنان وكرامة اللاجئ في الوقت نفسه، إضافة إلى غياب المحاسبة إذ بإمكان أي كان الاعتداء على اللاجئ من دون الخوف من المحاسبة ورأينا هذا الأمر بفيديوهات ضرب وإهانة سوريين وشتمهم في مناطق عدة، بل شاركت قوى أمنية في الكثير من الأحيان بهذه الاعتداءات، "أنت سوري فانت مدان حتى لو ثبت العكس".

كذلك، يشير الباحث في شؤون اللاجئين ناصر ياسين في حديثه لموقع "الحرة" إلى أنه "بكل حالات اللجوء في العالم، اللاجئون يخرجون من المخيم ليعملوا وهذا ما حصل حتى في مخيمات كبيرة كالزعتري بالأردن أو في تركيا. لبنان كان بإمكانه أن يقوم بشيء وسطي، أي مخيمات صغيرة منظمة وليست عشوائية مثلما هي الآن. ولم نكن لنصل إلى ما وصلنا إليه، لكن ارتأت آنذاك حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ألا تفعل شيئاً".

غالبية اللاجئين الذين هربوا من سوريا، بحثوا في بادئ الأمر عن مساحة آمنة يحتمون بها، وبالتالي رأوا في البيئة التي تعارض النظام السوري المكان الأنسب لهم ليستقروا ريثما يتضح مستقبلهم، فكان الانتشار الأكبر في مناطق ذات غالبية سنية في البقاع الأوسط وبعض مناطق البقاع الشمالي كعرسال مثلاً، وشمالاً في عكار وطرابلس والمنية والضنية، كذلك توزع بعضهم في مناطق تسيطر عليها القوات اللبنانية كبشري وأخرى بغالبية درزية كالشوف.

تقول منصور: "يتم استخدام السوريين في الصراع السياسي بين الأحزاب وفي محاولة كل فريق شد عصب جمهوره، فعدا عن تحريض (جبران) باسيل في كل المحافل الدولية ضد السوريين وتحميله وتياره مسؤولية الوضع الاقتصادي للسوريين، لا نسمع من خصومه إدانة لكلامه بل إدانة للأسلوب بأفضل الأحوال وموافقة على فحوى الكلام، متجاهلين عن عمد حقيقة أن الكثير من الأموال التي تدخل إلى البلد تدخل عن طريق دول داعمة ومنظمات عاملة مع السوريين، وهذه هي الأموال التي تصرف بالبلد".

وتضيف: "هناك تعمّد لتجاهل عامل آخر مهم وهو أن حزباً لبنانياً يقاتل في سوريا، فيرون أن لا قدرة لهم على موضوع قتال حزب الله ولكن لديهم القدرة على الاستقواء على ضحاياه، ويرفضون تحميل لبنان مسؤولية مشاركة حزب الله بالقتال ولكن يحملون طفلاً سوريا مسؤولية جرائم الأسد في لبنان، ويحملون سيدة سورية تطرد منتصف الليل من خيمتها مسؤولية جريمة ارتكبها عامل سوري".

ويوضح تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان عام 2017 أن الإجراءات التي اتخذتها السلطات اللبنانية أفقدت معظم اللاجئين السوريين صفتهم القانونية للتواجد في لبنان، ما جعلهم عرضةً للتهميش في المجتمع والاستغلال في العمل والإساءة في التعامل، والتحرُّش الجنسي في بعض الأحيان، وعدم قدرتهم على اللجوء إلى أجهزة الشرطة والأمن في حال تعرَّضوا لأي اعتداء، حيث فقدوا أشكال الحماية كافة، ما وضعَ اللاجئين السوريين أمام عجز شبه كامل عن تلبية احتياجاتهم الأساسية في الحياة.

وهذا التهميش الذي يتعرضون له من قبل السلطات يسمح لبعض اللبنانيين أن يُمارسوا عنصريتهم تجاه السوريين ويحملونهم في الكثير من الأحيان تبعات ما لا طاقة لهم عليه، وكان آخرهاً على سبيل المثال لا الحصر تصريح منذ يومين لأحد نواب التيار العوني يعاير فيه اللاجئ بدولارات 4 يحصل عليها من مفوضية اللاجئين لكي يعيش نهاره.

والنسبة الأكبر من السوريين الذي لجأوا إلى لبنان منذ عام 2011 كانت من الفقراء أو ذوي الدخل المنخفض، ورغم المساعدات فإن أكثر من نصف عائلات اللاجئين السوريين يعيشون على أقل من 3 دولارات في اليوم، و88% يغرقون بالديون.

من جهته، يقول ياسين: "السيئ أن رد الفعل الذي يحصل هو غالباً رد فعل جماعي وليس ضد أفراد، مع الأسف، أضف إلى ذلك الموروث الثقافي العنصري، والنظرة الدونية تجاه الآخر والتي هي أساساً موجودة بين اللبنانيين أنفسهم قبل أن يمارسوها على غيرهم وتُصبح معممة بهذا الشكل الذي نراه اليوم وأتى فوقها خطاب الكراهية الذي عممه السياسيون".

ووجود اليد العاملة السورية في لبنان ليس بجديد، لكنهم في السابق كانوا يد عالمة موزعين على الكثير من المناطق اللبنانية واستفاد منهم اللبنانيون الذين بغالبيتهم لا يقومون أو يُنجزون العمل وخاصة الأعمال اليدوية بالفعالية التي يُنجز بها السوريون، وتُشير تقارير عدة إلى ترفع اللبناني عن القيام ببعض الأعمال وهو ما فتح المجال أمام السوريين كي يعملوا بكثافة طيلة عشرات السنوات التي مرت، وتحديداً بعد الحرب الأهلية.

وهنا يلفت الباحث في شؤون اللاجئين إلى أن "السوريين كيد عاملة كانوا موجودين في هذه المناطق، من بشري إلى البقاع فالجنوب، لكن الفارق اليوم أنهم اليوم أصبحوا مرئيين. صار لديهم عائلة وحياة في لبنان مرئية أكثر من ذي قبل، لم يعد العمال محصورين في بيوت يُقيمون فيها مع بعضهم البعض بل صاروا مع عائلاتهم وبالتالي تنبه لها البعض وخاف".

وتشير منصور في هذا السياق إلى العنصرية الطائفية "كون الغالبية العظمى من اللاجئين هم من الطائفة السنية وبالتالي هناك تخوف دائم من تأثير وجودهم على الديموغرافية اللبنانية، وبالتالي صار الخوف من السوري كالخوف من الفلسطيني عند البعض، ومع الأسف الأحزاب نفسها التي دعمت اللاجئين، صارت تستخدم الخطاب المعادي لكي تكسب جمهورها". 

وبرأي ياسين، "حين يستفيد الناس من الشق الاقتصادي، يؤمن الحماية للاجئين بسبب علاقة المصالح ولهذا يختلف التعامل، أي بالإمكان القول إنه هناك نظام كفالة للسوريين غير رسمي، من خلال الأرض أو العمل بالأرض وحين ينكسر هذا النظام يتم الانتقام من السوريين بطريقة جماعية".

ما تحدث عنه ياسين ينطبق تماماً على كثير من الحالات التي شهدت توتراً واعتداءات على السوريين كان آخرها حرق المخيم في المنية التي كانت تُعتبر بيئة حاضنة لهم، وهذا أيضاً لا يعني أن كُل البيئة انقلبت ضدهم، بل الواضح أن من انقلب يستفيد من حمايتين، حزبية ورسمية.

ويشير ياسين إلى نقطة غاية في الأهمية فيما خص الواقع الذي وصل إليه اللبنانيون اليوم وما ينعكس سلباً على طريقة تعاملهم مع اللاجئين، يقول: "الأزمة الاقتصادية تخلق توترات حتى بالبيئات التي احتضنت السوريين. هؤلاء الفقراء اللبنانيون صاروا أفقر أكثر وبالتالي التنافس يكبر، وحين يرى اللبناني أن اللاجئ يحصل على مساعدات فهذا يخلق نوع من الغضب بداخله وللأسف يُخرجه بطريقة سيئة".

أما منصور، فترى أن اللافت اليوم هم "من يُعارضون حزب الله والنظام السوري ولكن في الوقت نفسه لا يريدون أن يروا أي سوري في مناطقهم، الأمر هنا طائفي بامتياز، نحن نتعاطف مع الضحية من بعيد فقط ولا مانع من انتهاك حقوق الضحية مراراً إن في سوريا أو في لبنان إن كان الأمر يشد عَصب جمهورنا، فهم هنا برأيهم يحافظون على وجودهم".

يتجه لبنان شيئاً فشيئاً نحو أزمات متعددة، تنعكس في غالبها على اللاجئين السوريين، فيما السلطات العاجزة عن ايجاد حلول لهذه الأزمات وهي بلا شك تقف عاجزة أمام ما يحصل مع السوريين، بل مُشجعة لذلك أحيانا.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.