الضغوط تزداد على السورين لمغادرة لبنان
الضغوط تزداد على السورين لمغادرة لبنان

رغم أن اللبنانيين عاشوا عاما صعبا، خاصة في ظل انهيار العملة وتداعيات انفجار مرفأ بيروت، غير أن عواقب الأزمات اللبنانية كانت أكثر وطأة على اللاجئين السوريين الذين يعيشون هناك ويقدر عددهم بـ 884,000 لاجئ.

ويقول تقرير لمجلة "الإيكونوميست" إن الضغوط والصعوبات تزداد على السوريين في لبنان، لكن ذلك لن يدفعهم للعودة إلى سوريا، خاصة مع استمرار الحرب.

وتقول الأمم المتحدة إن أوضاع اللاجئين في لبنان مزرية، إذ يعيش 89 في المئة منهم في فقر مدقع (وكانت النسبة 55 في المئة في عام 2019)، ما يعني أن دخلهم يقل عن 309,000 ليرة لبنانية في الشهر، وهو مبلغ أقل من نصف الحد الأدنى للأجور في البلاد.

ويشير التقرير إلى أن بعض السياسين، مثل وزير الخارجية السابق جبران باسيل، انخرطوا في إثارة الغضب الشعبي تجاه اللاجئين محملين إياهم مسؤولية الانهيار الاقتصادي في لبنان.

وزادت الحكومة اللبنانية بدورها، وفقا للتقرير، من الضغوط على اللاجئين، وكثفت القيود عليهم كما فعلت أيضا مع عمليات الترحيل.

ودعت السلطات اللاجئين للعودة إلى سوريا على الرغم من تحذير جماعات حقوقية بأن سوريا ليست بلدا آمنا للعودة.

وشهد لبنان خلال السنوات الماضية بين الفترة والأخرى حملات عنصرية وخطاب كراهية ضدّ اللاجئين، ودعوات إلى ترحيلهم.

وتعرض مخيم للاجئين السوريين في شمال لبنان للحرق بعد خلاف بين لبنانيين وسوريين.

وأشار اتقرير الإيكونوميست إلى أنه عندما استضاف نظام بشار الأسد مؤتمرا في سوريا لحث اللاجئين على العودة، كان لبنان البلد العربي الوحيد الذي أرسل وفدا للمؤتمر.

وعلى غرار السوريين في كل من تركيا، مصر، والأردن، لا يخطط اللاجئون السوريون في لبنان للعودة إلى سوريا في غياب تغيير حقيقي. وفي ظل استمرار نظام الأسد، يؤكد التقرير، فإن التغيير الحقيقي غير متوقع.

يذكر أن سوريا تشهد سوريا نزاعا داميا تسبب منذ اندلاعه بمقتل 387 ألف شخص، بينهم 117 ألف مدني، بحسب معطيات للمرصد السوري لحقوق الإنسان. ولا يشمل هذا العدد نحو 88 ألفا قضوا، بحسب المرصد، تحت التعذيب في سجون النظام ومعتقلاته، وآلافا من المفقودين.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.