طفل لبناني يقف بجانب ثلاجة منزلهم الفارغة في مدينة طرابلس – يونيو 2020
طفل لبناني يقف بجانب ثلاجة منزلهم الفارغة في مدينة طرابلس – يونيو 2020

"لم يتبق لابنتي إلا مقدار وجبة واحدة من الحليب، بعد جولة على 12 صيدلية لم أعثر على علبة حليب واحدة، دخلت إحدى الصيدليات وسألت، أجابني بأنه مقطوع، واستطعت استراق النظر الى الداخل فرأيت علباً من الحليب الذي أبحث عنه، لم أستطع السكوت وفي رأسي صورة ابنتي تطلب طعامها، سألته عنهم فأجابني أنهم مخصصون لزبائنه ومدفوع ثمنهم، أصبت بنوبة غضب واضطررت للصراخ وتهديد الصيدلي بتحطيم المكان، حتى قبل بإعطائي علبة واحدة، أظن أنه لم يخف مني بقدر ما تعاطف مع مشهد أب مرعوب على ابنته، نكاد نصبح مجرمين لنؤمن طعام أولادنا".

يختصر قاسم عبدالله، بروايته لموقع "الحرة" الأزمة التي يعيشها اللبنانيون مع الانقطاع المستمر للمواد الأساسية من الأسواق، وحليب الأطفال من أهمها وأكثرها إلحاحاً. مواطنون غاضبون من الانقطاع والتقنين في التسليم وصيادلة يشكون من نقص التسليم ويبكون على أحوال الناس، وما بيد أحد حيلة فكلما بالغ الصيدلي بتقنين البيع تهافت الناس أكثر للشراء خوفاً.

رحلة هلع يومية

علبة الحليب ستكفي ابنة قاسم البالغة من العمر سنة ونصف لليوم التالي فقط حيث سيضطر مجدداً إلى خوض رحلة البحث نفسها، ليعثر على ما تيسر، يقول: "أعيش حالة هلع يومية، أتواصل مع أصدقاء من كل المناطق اللبنانية، من جبيل من النبطية من طرابلس من البقاع لأوصيهم بالبحث بطريقهم وحسب معارفهم عن صيدليات يتوفر الحليب فيها".

حسن، صيدلي يملك صيدلية جنوب لبنان، يشرح لموقع "الحرة" أين يقع الصيادلة من هذه الأزمة، يقول: "أستلم من الشركة الموزعة 12 علبة حليب فقط لا غير بحجة النقص في الاستيراد، ثم يدخل الزبون ويطلب 12 علبة حليب لابنه لتكفيه 10 أيام، تهافت الناس على تخزين الحليب بهذه الطريقة الهستيرية خاصة خوفا من الانقطاع وغلاء الأسعار لاسيما مع إعلان الإغلاق العام في البلاد، زاد من حدة أزمة انقطاع الحليب وأصبح هناك بيوت مخزنة بكثرة وعائلات مقطوعة تماماً."

يضيف حسن: "لا ألوم الناس على سعيهم لتأمين قوت أولادهم في هذه الظروف، والمشكلة بالأساس في آلية الاستيراد وارتفاع الأسعار والانهيار المالي، شركات كثيرة مستوردة توقفت عن الاستيراد وبعضها أغلق تماماً في لبنان ولم يعد يسلم للأسواق، لكننا كصيادلة نرى المشهد من جانبيه، ونعلم أنه إذا ما خفف الناس تهافت ومبالغة في التخزين سيفسحون المجال امام عائلات أكثر حاجة اقتصاديا وتوفر حاجاتها من الحليب يوماً بيوم".

لا بدائل متوفرة

السوبرماركت والمخازن تعاني من أزمة الانقطاع نفسها لحليب البودرة، لاسيما المخصص للأطفال من عمر السنة وحتى الـ3 سنوات. وبحسب التجار فإن الكميات المستوردة حديثاً لم يتمكن المستوردون من إدخالها إلى الأسواق قبل اجراء الفحوصات اللازمة عليها في المختبرات الغذائية علماً ان هذه المختبرات مشمولة بقرار الإقفال‏‏ العام، والأمر نفسه بالنسبة إلى إدخال أصناف جديدة بديلة إلى الأسواق بأسعار أقل لتغطية النقص في استيراد العلامات التجارية المطلوبة.

وفي ظل هذه الأزمة، تخترق الأسواق أصناف وماركات جديدة من الحليب، بعضها غير حائز على التراخيص اللازمة ولم تجر عليها الفحوصات المخصصة، تصل إما عن طريق التهريب أو بالوساطات، إضافة إلى منتجات محلية يلجأ الأهالي إليها من باب التوفير المالي من جهة وتأمين بديل عن الأصناف المنقطعة من جهة أخرى. وبعض تلك الأصناف مطابق صحياً ولكن لا يطابق ما يحتاجه الأطفال.

حاول قاسم أن يستبدل لابنته الحليب المعتاد بنوعيات أخرى سائلة ومجففة "نصحوني بها عدد من الأقارب وجربوها مع أولادهم، لكن الأمر لم ينفع مع ابنتي، لم تحب طعمه ولم تتناوله".

ليال هي الأخرى، حاولت أن تبدل نوعية الحليب لابنتها أكثر من مرة، لم يفلح الأمر في البداية وعندما اعتادت عليه سبب لها مشاكل في جهازها الهضمي، باتت تعاني من "ارتجاع وحالات إمساك وإسهال". البعض يلجأ إلى حليب مخصص لفئات عمرية أكبر، والبعض الآخر إلى أصناف جديدة. بدائل كثيرة صادفتها ليال في الأسواق وماركات جديدة من دول عدة "لكنني لم أتجرأ على استخدامها مع ابنتي، عرض عليّ حليبا مهرّباً من سوريا متوفر في الأسواق ونصحتني صديقتي بصنف إيراني تبيعه احدى السوبرماركت، لكني لا أثق بهذه السلع ومدى ملاءمتها للمعايير."

مخاطر صحية

"الإسهال والإمساك مشاكل يعاني منها جميع الأطفال في هذا العمر ومن الطبيعي ان تحصل أحيانا عند تغيير نوعية الحليب"، تقول طبيبة الأطفال فرح ناصر، وتضيف لموقع "الحرة": "لكن المشكلة الأساسية تكمن في عدم تقبل الأطفال للماركات البديلة، إن من ناحية التذوق أو من ناحية الملاءمة للجهاز الهضمي الخاص بكل طفل."

أما الخطورة الحقيقية، بحسب ما تشرح ناصر "فتكمن في حالات الأطفال الذين يعانون من حساسية الحليب، انقطاع هذا الحليب أو استبداله يشكل مخاطر صحية على الأطفال، حيث قد يؤدي استهلاكهم لحليب آخر مختلف عن الفورمولا التي يحتاجها إلى مشاكل في النمو وضيق تنفس ومشاكل هضمية وخروج دم وغيرها من المضاعفات التي قد تنتج عن الحساسية. وهذه الحالات تعاني من الانقطاع منذ أشهر مضت وحديثاً ازدادت حدته أكثر.

 
ما سبب الأزمة؟

أحد مستوردي الحليب يؤكد لموقع "الحرة" أن "عملية الاستيراد لم تتوقف وإنما باتت تمر بعراقيل جمة تؤخر وصول البضاعة إلى لبنان، "أكثر الأنواع انقطاعا هو الحليب رقم 3 أي الذي يتناوله الأطفال من عمر سنة إلى ثلاث سنوات، جرى دعمه على سعر المنصة أي 3900 ليرة للدولار الواحد، خلافاً للحليب المخصص للأطفال دون السنة المدعوم بنسبة 85% على سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة للدولار."

المشكلة الرئيسية بحسب المستورد أن الشركات الكبرى المصنعة تعمل وفقاً لجداول تاريخ الصلاحية القصير نسبياً مع الحليب، مع الأخذ بالحسبان عملية التصدير والتوزيع وبالتالي هي في سباق مع الوقت لا يمكنها ان تنتظر موافقة مصرف لبنان على صرف الأموال وتحويلها، تفضل إعادة تصدير الطلبيات إلى دول أخرى حيث المعاملات أسهل.

في المقابل باتت التجارة غير مربحة بالنسبة للمستوردين في لبنان ونسبة المخاطرة عالية جداً إذ بات العمل مع وزارة الصحة ومصرف لبنان يتم على قاعدة "على الوعد يا كمون"، فالدعم المقدم من مصرف لبنان يتطلب وقتاً لتحويل الأموال والحصول على الموافقة قد تمتد إلى أكثر من 6 أشهر وبالتالي تتأخر تلبية السوق المتزايدة بفعل عملية التخزين والتهافت على الشراء.

"بات التجار أنفسهم مترددون في عملية الاستيراد"، يؤكد المستورد الذي رفض الكشف عن اسمه كي لا يتأثر عمله بالكيديات، ويضيف: "يخافون من خسارة رساميلهم في ظل تأخر مصرف لبنان بتحويل أموالهم، فيما يدفعون هم أموالهم بـ"الفريش" دولار بنسبة 15% وبعضهم يعمد إلى تسريع عملية الاستيراد لدفع كامل الفواتير بالدولار وانتظار التعويض من مصرف لبنان، لذلك لم تعد تلبى كامل حاجة السوق واستمرت فقط الشركات الكبيرة التابعة أصلا لمصانع الحليب في الخارج بالاستيراد إلى لبنان حتى أن بعضهم توقف بسبب هذه المعمعة في التكلفة، فلا أحد يريد أن يبيع علبة الحليب بـ12 ألف ليرة لبنانية فيما تكلفتها تتوقف عليه في مصنعها في الخارج بـ26 ألف ليرة، بانتظار تعويض وزارة الصحة ومصرف لبنان. لذلك، ومنعاً لأن ينفد المخزون كلّه، يعمل الموزعون على تقنين توزيع الحليب على الصيدليات ريثما تصل شحنة جديدة، وإلّا فسينفد كلّ المخزون بأيام قليلة."

في الوقت نفسه، يُعبر المستورد عن خشيته بناءً لمعطيات لديه من أن يكون جزء من الأزمة مفتعلاً، إفساحاً في المجال أمام علامات تجارية بديلة، "فبمجرد انقطاع الحليب والتأخير عن تلبية حاجة السوق، سيتجه الناس نحو أصناف أخرى مسيرين بحاجة أولادهم وليسوا مخيرين بالأصناف، وهذا ما يطرح أسئلة حول الجهات المستفيدة من تأخير استيراد الحليب للترويج لبدائل، خاصة ان هذه الجهات موجودة وتنشط على هذا الصعيد لغايات ربحية أو سياسية."

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.