المسيحيون لا يزالون منقسمون حول اتفاق الطائف
المسيحيون لا يزالون منقسمون حول اتفاق الطائف

أطلق لقاء سيدة الجبل ما يشبه النداء، حدد فيه خياراته في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان على مختلف الصعد، واللقاء الذي انطلق منذ نداء المطارنة الموارنة الشهير عام 2000 حرص بعد أكثر من عشرين عاما على تأكيد ثوابته وما يسعى إليه، وقبل كل شيء رؤيته للبنان انطلاقا من موقع اللقاء المسيحي. 

وتحت شعار هذا خيارنا، حدد اللقاء منطلقاته، وفاضل بين المسيحيين وقسمهم إلى أجزاء ثلاثة، قسم أول مع شعار حماية الأقليات ويتمثل أولا بالتيار الوطني الحر الذي يتحالف مع حزب الله ليحميه وليؤمن له استمراريته، وقسم يريد الانتظار ويهادن ويفضل البقاء على الحياد قصد به اللقاء غالبية القوى المسيحية الأخرى، وقسم آخر، اعتبر نفسه في صلبه، وهو الذي يرى خطورة في حلف الأقليات وفي الحياد. 

ولقاء سيدة الجبل هو لقاء تأسس في العام 2000، على إثر بيان المطارنة الموارنة الشهير الذي أطلق معركة إخراج جيش النظام السوري من لبنان وانضمت إليه قوى سياسية متعددة، مسيحية وإسلامية، كان من بينها اللقاء الذي ضم شخصيات ووجوه مسيحية انضوت عبر اللقاء في الكثير من التحركات واللقاءات من قرنة شهوان والمنبر الديمقراطي وصولا إلى لقاء البريستول الذي كان المساحة الأوسع في مواجهة الوصاية ومن معها. 

وتحيّن اللقاء فرصة مرور ما يقارب الـ20 عاما على انطلاقه ليعود ويؤكد أن ما يريده واضح، ويتلخص بالسلام، محليا عبر التأكيد على المساواة والعيش المشترك، وإقليميا عبر التأكيد على قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين ومبادرة السلام العربية وعالميا من خلال احترام المواثيق الدولية. 

ويقول النائب السابق وعضو اللقاء، فارس سعيد، لموقع "الحرة": "اليوم هناك غالبية مسيحية تعتبر أن التحالف مع حزب الله تؤمن مكاسب للمسيحيين لا يقدروا أن يحصلوا عليها من خلال الطائف، وبالتالي هم يبررون السلاح غير الشرعي مقابل أن يحكم ميشال عون، وهناك أقلية تعتبر أن الخروج من المأزق يكون بالعيش المشترك ونهائية الكيان وعروبة لبنان ووثيقة الاتفاق الوطني والتي نمثلها نحن جزءا منها". 

ولكن ماذا عن الآخرين؟

يجيب سعيد: "أنا أرى أن ميشال عون لا يزال مثل غالبية المسيحيين وهو لم يضعف لأنه يبدو أن تجاوز الدستور ومحاولة ضرب الطائف يتلقفها البعض بطريقة إيجابية". 

ومؤخرا كثر الحديث عن أن ما يحصل فيما يخص تشكيل الحكومة يعيد لرئاسة الجمهورية دورها حتى لو على حساب الأعراف والدستور وهو ما يروّج له رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل الذي يعرقل تشكيل الحكومة تحت شعار حقوق المسيحيين ويحاول الضغط على الكنيسة في هذا الاتجاه.  

ويقول سعيد: "نحن أقلية لسنا مع التحالف مع سلاح حزب الله أو الانتظار للتكيف، ونعتبرها خيارات قاتلة للمسيحيين، والمطلوب ملاقاة هذا التيار من قبل الأقليات في الطوائف الأخرى ليشكلوا مع بعضهم غالبية متنوعة وأكثرية نسبية قادرة على إعادة التأكيد على أهمية العيش المشترك وعلى فكرة لبنان. نحن حسمنا خيارنا في الوسط المسيحي، ونسأل هل هناك من يريد أن يحسم خياره في الأوساط الأخرى".  

نداء اللقاء أو دعوته ليست محاولة لتأسيس معارضة ما. فاللقاء يرى أن الوقت يتطلب أكثر من معارضة، فالمشكلة كما يقول سعيد "لم تعد سياسية أو اقتصادية أو مالية، بل هي في عمق 

إعادة تكوين فكرة لبنان وهذا أعقد من تشكيل جبهة من أجل انتخابات مبكرة أو انتخابات رئاسية أو بلدية أو غيرها"، ويضيف: "هناك من يعتبر أن الأزمة هي أزمة نظام وبأن اتفاق الطائف يمثل هذا النظام. نحن نعتقد العكس. الأزمة هي أزمة إدارة النظام التي عطلت تطبيق الطائف عبر الوصاية السورية ثم الإيرانية". 

ويرى سعيد أن "لبنان بحاجة إلى إعادة ترميم معناه العيش المشترك الإسلامي المسيحي، غالبية المسيحيين لا يؤمنون بالعيش المشترك، غالبية المسلمين يذهبون إلى هذا العيش بشق النفس، السنة يعتبرون أنهم أكثرية في المنطقة وأقلية من أقليات لبنان والشيعة يعتبرون أنهم قدموا تضحيات وبالتالي يحق لهم أن يبنوا الجمهورية على صورتهم ومثالهم والدروز يخافون من الديموغرافيا، وبالتالي لبنان يفتقد إلى قوى سياسية مسيحية تحمل هذا المعنى. نحن حسمنا خيارنا في الوسط المسيحي فهل هناك من يحسم خياره في الوسط المسلم". 

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.