الاحتجاجات التي بدأت من طرابلس استمرت الثلاثاء وامتدت إلى مدن أخرى في لبنان
الاحتجاجات التي بدأت من طرابلس استمرت الثلاثاء وامتدت إلى مدن أخرى في لبنان

منذ الاثنين، تستمر الاحتجاجات في مناطق لبنانية عدة اعتراضاً على تمديد قرار الإغلاق العام الذي أعلنته الحكومة حتى الثامن من فبراير، رغم وعود الحكومة بالتعويض على "العاملين اليومين" ودعم العائلات الأكثر فقراً بمخصصات مالية. 

وانطلقت الاحتجاجات الأكبر في مدينة طرابلس شمالي البلاد، قبل أن تمتد إلى معظم المناطق اللبنانية، ففي صيدا جنوبا، أقدم المحتجون، ليل الاثنين ويوم الثلاثاء، على إغلاق دوار "إيليا" وسط المدينة تضامنا مع طرابلس واحتجاجاً على "سياسات التجويع" الحكومية، حسب ما قال المحتجون. 

قوات الأمن واجهت المتظاهرين بالرصاص المطاطي والغاز المسيل للدموع

كما شهدت مناطق شتورة وتعلبايا وسعدنايل والمرج في البقاع قطعاً للطرق الرئيسية، وطريق المنية الدولي شمالاً، كذلك في منطقة الجية وبرجا على الأوتوستراد الساحلي جنوباً، وفي بيروت أيضاً حيث قطع محتجون، الاثنين، جسر الرينغ وطريق الصيفي، فيما شهد الثلاثاء احتجاجات وقطع طرقات في منطقة كورنيش المزرعة وعلى جسر سليم سلام والدورة احتجاجاً على الأوضاع المعيشية وتضامناً مع مدينة طرابلس والموقوفين فيها. 

انفجار شعبي في عاصمة الشمال

ولم تأت التحركات الشعبية التي شهدتها مدينة طرابلس من دون سياق مسبق، ولو أنها شكلت مفاجأة للبنانيين الذين يعيشون التزاماً مقبولاً نسبياً بالإغلاق العام المفروض من قبل السلطات بسبب انتشار جائحة كورونا وبلوغ القدرة الاستيعابية للمستشفيات حدها الأقصى. ما حصل الاثنين كان انفجاراً شعبياً في مدينة التجار والمياومين، التي تعتبر من أكثر مدن لبنان فقراً، رفضا لقرار تمديد الإقفال العام الصادر عن الحكومة اللبنانية. 

مواجهات عنيفة بين المتظاهرين من جهة والقوى الأمنية والجيش اللبناني من جهة أخرى، شهدتها ساحة النور جرى خلالها محاولات لاقتحام سرايا طرابلس، ورشق بالحجارة من قبل المحتجين مقابل إطلاق قنابل مسيلة للدموع والرصاص المطاطي من قبل القوى الأمنية والجيش. 

عناصر الأمن تتأهب لمواجهة المحتجين في طرابلس ليل الثلاثاء

وأقدم المحتجون أيضا على قطع طرق رئيسية في طرابلس، بالإطارات المشتعلة والعوائق، في حين جابت مسيرات شعبية أحياء عدة من المدينة بينها القبة وساحة عبد الحميد كرامي، مطلقة شعارات تندد بالإقفال العام والسياسات الحكومية التي لم تعوض عليهم أو تقدم لهم أي مساعدات خلال أيام وأشهر الإقفال الماضية. 

واستقدم الجيش والقوى الأمنية تعزيزات إضافية، حيث تعرض عدد من المحتجين للاعتقال في حين تم تفريق الباقين بالقوة، الأمر الذي رفع من حدة التوتر في المدينة، حيث استمرت المواجهات فيها حتى ساعات متأخرة من ليل الاثنين بعدما أعلن المحتجون بقاءهم في الشارع إلى حين النظر في أوضاعهم الاقتصادية. 

من جهته، أعلن الصليب الأحمر اللبناني أن 6 فرق إسعاف قامت بمهمة إسعاف الجرحى في ساحة النور، حيث عمدت إلى نقل 12 جريحا لمستشفيات المنطقة بالإضافة إلى إسعاف 29 حالة في موقع الاحتجاجات.

في المقابل، أفادت الوكالة الوطنية للإعلام عن سقوط عدد من الجرحى في صفوف القوى الأمنية من حرس السرايا وقوات مكافحة الشغب. 

تفاصيل ليل الاثنين

يروي أهالي طرابلس لموقع "الحرة"  تفاصيل المظاهرات وما أعقبها من قمع، وذكروا أن الاحتجاجات بدأت في الشارع الطرابلسي منذ إعلان نية الحكومة تمديد الإقفال العام حتى الثامن من الشهر المقبل، وذلك بعد 10 أيام من الإقفال التام سجل خلاله الطرابلسيون التزاماً وانتظروا على أساسه تعويضات وعدت بها الحكومة اللبنانية للعائلات الأكثر فقراً. 

وينقل الأهالي أن مدينة طرابلس شهدت، الخميس والجمعة والسبت وحتى الأحد، سلسلة تحركات متفرقة لمعظم القطاعات العاملة باليومية، مطالبين إما بإلغاء قرار الإقفال العام أو التعويض عليهم عبر المساعدات الموعودة، لأن الحالة وصلت إلى حدها ولم يعد المواطنون قادرين على تحمل الخسائر والضغط المعيشي، سواء كانوا من أصحاب المحال التجارية أو بسطات بيع الألبسة أو سائقين عموميين أو أصحاب الأفران وغيرهم، إضافة إلى عدد كبير من الشبان العاطلين عن العمل.

بعد ظهر أمس الاثنين، أقدم نحو 10 شبان على محاولة تفكيك حاجز لقوى الأمن الداخلي عند "إشارة المئتين" في المدينة، وذلك في سياق حملة سابقة أطلقها شبان المدينة لمنع إصدار المحاضر والغرامات بحق مخالفي الإغلاق العام في المدينة، احتجاجاً منهم على انعدام التعويضات والمساعدات التي وعدت بها الحكومة للمتضررين من الإغلاق.

وروى أحد الشبان، الذين شاركوا في هذه المحاولة، أنهم تعرضوا لكمين من قبل قوات مكافحة الشغب الذين كانوا بانتظارهم قرب الحاجز وسرعان ما انهالوا عليهم ضرباً وفرقوهم بالقوة، وهو ما أثار غضبا شعبيا، ودفع المئات للتضامن معهم والنزول إلى الشارع بهذا الحجم الكبير، ليزداد التوتر بعد اعتقال نحو 4 محتجين أمام سرايا طرابلس، ما أجج المواجهات وأعمال الشغب. 

صبية ونساء وشباب شاركوا في المظاهرات تنديدا بالوضع المعيشي القاسي

ويشير المشاركون في الاحتجاجات إلى أن "الدولة كانت تعلم مسبقاً بهذا الجو الشعبي في المدينة، وكل الجهات التي سجلت احتجاجها في الأيام الماضية، وهددت السلطات بخرق الإقفال العام وحظر التجول، كما صدرت تقارير أمنية حول هذا المزاج السائد في طرابلس، ومع ذلك لم يتحرك أحد لضبط الوضع أو تهدئة الناس عبر إرشادهم لحقوقهم أو تعويضهم عليها، بل آثر المسؤولون الصمت المعتاد تجاه المدينة وأهلها إلى أن انفلت الشارع بالأمس".

كورونا آخر الهواجس

يؤكد القيادي في حزب "سبعة"، المشارك في تحركات "ثورة 17 أكتوبر"، علاء حسين، أن الأمور في المدينة متجهة إلى مزيد من التصعيد، حيث "يتحضر الشبان بحسب ما عبرو،ا للمزيد من التحركات هذه الليلة قد تكون أكبر وأقوى من تلك التي شهدتها ساحات المدينة بالأمس". 

وأشار إلى أن "الشارع الطرابلسي اليوم بات خارج أي سيطرة، فالتحركات ليست ممسوكة ولا مقررة من قبل مجموعات الثورة وإنما الناس تتحرك عفوياً.”

ويضيف حسين، في حديثه مع موقع "الحرة"، أن حزبه أصدر بيانا دان فيه ممارسات القوى الأمنية في مواجهة المطالبين بلقمة عيشهم، و"أعلن دعم الثوار إذ لا يمكننا التخلي عن الناس في الشارع، ولكن طلبنا في المقابل اتخاذ اقصى درجات الحيطة والحذر بشأن جائحة كورونا كارتداء الكمامات وترك مسافات بين المحتجين وغيرها من الإجراءات الوقائية".

واستطرد قائلا: "ولكننا لا نستطيع اليوم الدعوة للنزول إلى الشارع لكيلا يحملنا أحد مسؤولية انتشار فيروس كورونا، في حين أن المحتجين في المدينة لم يعودوا مهتمين بالفيروس ومخاطر انتشاره على اعتبار أنهم يموتون جوعاً ولن يكون هذا المرض أسوأ مما يحصل معهم بفعل الإهمال الرسمي".

الإغلاق الشامل للحد من تفشي كورونا فاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان

ويؤكد "عبادة"، وهو شاب شارك بالاحتجاجات، لموقع "الحرة" أن "الناس في الشارع لم يكونوا خائفين من فيروس كورونا ولم يبالوا بالإجراءات ومنع التجول، فالحال التي وصلوا إليها أصعب مما قد يحمله المرض، مضاف إلى ذلك ثقافة شعبية لا مبالية أساساً بالمرض وتعتبره مجرد زكام أو مجرد مؤامرة لمنعهم من التحرك في الشارع، ولكن في الخلاصة الناس تفضل المخاطرة بكورونا على الموت جوعاً".

توجيه سياسي؟

ولأن الاحتجاجات جاءت من خارج المشهد المتوقع للبلاد، خرجت أصوات إعلامية وأنصار أحزاب السلطة السياسية في لبنان، لتحميل المحتجين أجندات سياسية واعتبارهم أنصاراً تارة لرئيس الحكومة المكلف، سعد الحريري، وتارة أخرى لشقيقه، بهاء الحريري، لوضع التحركات في سياق ضغط سياسي متعمد.

 وحول هذه الأخبار، يقول القيادي في حزب "سبعة" إنها ليست المرة الأولى التي توجه اتهامات للمتظاهرين بانتمائهم لتيار المستقبل أو بهاء الحريري، أو تحميلهم أجندات سياسية لتشويه قضيتهم ولجم تحركاتهم، وعلى الرغم من وجود بعض المجموعات المقربة والمحسوبة على جهات سياسة وأمنية، إلا أن ما جرى بالأمس كان خارج كل هذه الاصطفافات، حتى أنه كان لافتاً عدم مشاركة بعض المجموعات المعروفة على نطاق طرابلس في هذا السياق. 

من جهته، يقول عبادة إنه ليس بالأمر الجديد أن تكون هناك دائماً جهات توجه بعض المتظاهرين وتدفع مندسين إلى التحركات لضربها، ولكن مشهد الاثنين كان يضم شباناً وصباياً وكبار في العمر وأصحاب بسطات ونساء ليسوا موجهين إلا من قبل معاناتهم وحاجتهم، ومن يستطيع ملاحظة بعض المندسين للتشكيك بالتحركات، يستطيع أيضاً أن يلاحظ حجم الفقر والعوز الذي يضرب أبناء المدينة الفقراء.  

ويؤكد أكثر من شاب مُشارك في الاحتجاجات أن الأيام المقبلة ستشهد المزيد من التحركات الليلية "لطالما أن الحكومة والسلطات اللبنانية تنتهج قمع الطرابلسيين بدلاً من الاستماع إلى مطالبهم وتحقيقها، إذ لا يوجد حل حتى الآن من شأنه إرضاء الناس ولا يمكن دعوتهم إلى العودة لبيوتهم وهم جوعى ولا يملكون تكلفة قوت يومهم".

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".