Lebanese protestors wave flags and shout anti-corruption slogans outside the parliament during a protest in downtown Beirut on…
لبنان.. مظاهرات مناهضة للفساد

 أسفرت مواجهات شهدتها مدينة طرابلس في شمال لبنان مساء الثلاثاء بين متظاهرين محتجين على قرار الإغلاق العام وقوات الأمن عن إصابة 45 شخصاً بجروح، وفق ما أفاد الصليب الأحمر اللبناني الأربعاء.

وتطلبت حالة 9 مصابين منهم نقلهم إلى المستشفيات للعلاج، بينما جرى إسعاف البقية ميدانياً، وفق المصدر ذاته. وكانت الوكالة الوطنية للإعلام أفادت ليلاً عن ثلاثين جريحاً في صفوف المحتجين وقوات الأمن. وتوزعت مجموعات ضمت كل منها العشرات من المحتجين في وسط المدينة، وفق ما أفادت مراسلة فرانس برس، حاول بعضها اقتحام السرايا. واعتصمت مجموعة أخرى في ساحة النور القريبة، وسار آخرون في مسيرة جالت أمام منازل عدد من نواب المدينة في المدينة. وأقدمت مجموعة على اضرام النار في سيارة تابعة لعنصر من قوى الأمن. وألقى محتجون بعضهم ملثم قنابل مولوتوف ومفرقعات نارية وحجارة على قوات الأمن والجيش التي لاحقتهم إلى الأحياء الداخلية وردّت لاحقاً بإطلاق قنابل مسيلة للدموع ورصاص مطاطي وعملت على محاصرة المحتجين وتفريقهم. وأقدمت مجموعات صغيرة من المتظاهرين على قطع طرق رئيسية في شمال لبنان وفي البقاع ومدخل بيروت الجنوبي. كما تجمع محتجون في وسط بيروت، قبل أن تفرقهم قوات الأمن والجيش. ويشهد لبنان منذ نحو أسبوعين إغلاقاً عاماً مشدداً مع حظر تجول على مدار الساعة يعدّ من بين الأكثر صرامة في العالم، لكن الفقر الذي فاقمته أزمة اقتصادية متمادية يدفع كثيرين إلى عدم الالتزام سعياً الى الحفاظ على مصدر رزقهم.

ولا يمنع تشدّد السلطات في تطبيق الإغلاق العام الذي يستمر حتى الثامن من فبراير وتسطير قوات الأمن يومياً الآف محاضر الضبط بحق مخالفي الإجراءات، كثيرين خصوصاً في الأحياء الفقيرة والمناطق الشعبية من الخروج لممارسة أعمالهم، خصوصاً في طرابلس حيث كان أكثر من نصف السكان يعيشون منذ سنوات عند أو تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة.

ويرجّح أن تكون النسبة ارتفعت على وقع الانهيار الاقتصادي. وقال عبد الله البحر (39 عاماً) وهو أب لثلاثة أطفال بغضب لوكالة فرانس برس على هامش مشاركته في التظاهرة "لا أتمكّن من احضار كيس خبز إلى المنزل.. سنموت إما من الجوع وإما من كورونا". وذكرت وسائل اعلام محلية أنّ أباً يعمل كسائق أجرة أقدم على ترك طفلته التي تبلغ بالكاد عامين مع أحد ضباط الجيش ليلاً في طرابلس لعدم قدرته على إطعامها. وتولى الصليب الأحمر الكشف عن صحتها قبل أن يصار إلى توقيف الأب ثم تسليمه الطفلة.

ويستثني الإقفال المرافق الحيوية والصحية والأفران وخدمة التوصيل في محال بيع المواد الغذائية. إلا أنّ بعض اسواق طرابلس شهدت الإثنين حركة شبه عادية. ويمنع حظر التجول على مدار الساعة. وسجّل لبنان منذ مطلع العام معدلات إصابة ووفيات قياسية، بلغت معها غالبية مستشفيات البلاد طاقتها الاستيعابية القصوى. وبلغ عدد الإصابات منذ بدء تفشي الفيروس أكثر من 285 ألفا و754، بينها 2477 وفاة.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.