لليوم الثالث على التوالي احتجاجات ضد السلطة في طرابلس
لليوم الثالث على التوالي احتجاجات ضد السلطة في طرابلس

بعد أيام على بدء التظاهرات الاحتجاجية في مدينة طرابلس (شمالي لبنان)، ومع سقوط قتيل جراء الاشتباكات مع الأمن، ليل أمس الأربعاء، بدأت دعوات الناشطين للنزول إلى الشارع في مختلف المناطق بسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد، رغم قرار الإغلاق العام الذي فرضته جائحة كورونا.

واستمرت، ليل أمس الأربعاء، المواجهات بين محتجين وعناصر من الجيش اللبناني، ما أسفر عن مقتل شاب يدعى عمر طيبا متأثراً بجروحه.

تشييع الشاب عمر

وهنا شددت الباحثة في القانون، إلهام برجس، في حديث لموقع "الحرة"، على ضمان وحفظ حق التظاهر مع إدانة العنف واستخدام الرصاص الحي ضد المدنيين الذي يعربون عن غضبهم وضيق سبل العيش بهم".

وسائل إعلام محلية رصدت إطلاق رصاص حي على المتظاهرين في طرابلس

ظروف معيشية صعبة

ويعمل الشاب عمر في فرن، وهو من سكان أحد الأحياء الشعبية الفقيرة في المدينة التي شهدت ليل الأربعاء - الخميس مواجهات عنيفة لليوم الثالث على التوالي.

وسقط العديد من الجرحى في اشتباكات عنيفة دارت الأربعاء، وقالت "الوكالة الوطنية للإعلام" الرسمية إنّ المواجهات أسفرت عن سقوط 226 جريحاً، 66 منهم نقلوا إلى المستشفيات بسبب خطورة إصاباتهم والبقية أسعفتهم ميدانياً طواقم طبية تابعة للصليب الأحمر اللبناني و"جهاز الطوارئ والإغاثة".
 

وحال عمر كغيره من شبان الشمال الذين تجمعوا في ساحة النور (وسط طرابلس)، في خضم انهيار اقتصادي بدأت ملامحه منذ عام 2019، حيث تظاهر الآلاف من اللبنانيين لأشهر عديدة وبمناطق مختلفة، فيما عرف حينها بثورة تشرين.

أحمد الجبلي (33 عاماً)، شاب متزوج ولديه طفلين، قال لموقع "الحرة": "يتهمنا البعض بالإرهاب وبإثارة الشغب، ولكننا نريد فقط تأمين الحليب والخبز لأطفالنا"، مضيفاً "لا نخاف الكورونا، نحن نموت في كل لحظة".

تظاهرات وسط تفشي كورونا

من جهته، أشار الناشط المدني في المدينة، زياد المصري، في حديث لموقع "الحرة"، إلى  أنّ "ما دفع الشباب إلى النزول للساحة هو الوضع الاقتصادي السيء والبطالة المتفشية، خصوصاً في ظل جائحة كورونا التي كشفت فساد هذه السلطة ومتاجرتها حتى بمرض الناس".

 

احتجاجات شعبية في ظل تفشي جائحة كورونا

وأكّد أنّ "الشعب اللبناني هو من ينظم التحركات، ولم يعد لدى الناس ما يخسروه لكي يفكروا في الجائحة".

منظمة العفو: لوقف تصدير السلاح الفرنسي

وحثّت منظمة العفو الدولية الخميس باريس على تعليق تصدير أسلحة إلى بيروت ما لم تتعهّد باستخدامها بما يتماشى مع القانون الدولي، مؤكّدة أنّ أجهزة الأمن اللبنانية استخدمت أسلحة فرنسية الصنع لقمع متظاهرين سلميين.

وقال مسؤول كسب التأييد للحدّ من الأسلحة في الفرع الفرنسي لمنظمة العفو الدولية آيمريك إلوين في تقرير، إنّ "فرنسا لا تزال منذ سنوات تزوّد قوات الأمن اللبنانية بمعدّات إنفاذ القانون التي استخدمتها لارتكاب أو لتسهيل ارتكاب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان".

وتحقّق مختبر أدلّة الأزمات وهيئة التحقّق الرقمي في المنظمة من صحة 101 مقطع فيديو لاحتجاجات اندلعت صيف العام 2015 امتعاضاً من سوء إدارة أزمة النفايات في البلاد، وللتظاهرات غير المسبوقة التي شهدها لبنان بدءاً من 17  أكتوبر 2019 احتجاجاً على الانهيار الاقتصادي وفشل الطبقة السياسية في تسيير شؤون البلاد.

وتحدّثت المنظمة عن "دور مشين" أدّته الأسلحة الفرنسية.

وأفادت عن إصابة "ما لا يقلّ عن ألف محتجّ بسبب استخدام القوة بشكل غير قانوني من جانب قوات الأمن اللبنانية التي استخدمت في الكثير من الأحيان أسلحة إنفاذ القانون الفرنسية الصنع، من ضمنها المواد الكيماوية المهيّجة مثل الغاز المسيل للدموع، والمقذوفات ذات التأثير الحركي مثل الرصاص المطاطي، والقاذفات المتعلّقة بها". 

الاحتجاجات التي بدأت من طرابلس استمرت الثلاثاء وامتدت إلى مدن أخرى في لبنان
"الموت جوعا أو بكورونا".. احتجاجات طرابلس تمتد لمدن لبنانية أخرى
منذ الاثنين، تستمر الاحتجاجات في مناطق لبنانية عدة اعتراضاً على تمديد قرار الإغلاق العام الذي أعلنته الحكومة حتى الثامن من فبراير، رغم وعود الحكومة بالتعويض على "العاملين اليومين" ودعم العائلات الأكثر فقراً بمخصصات مالية. 

توسع الرقعة.. الشعب جاع

وعن امكانية توسع رقعة الاحتجاجات، قال الناشط السياسي، أدهم الحسنية، في حديث لموقع الحرة: "الأكيد أن الأوضاع المعيشية تزداد سوءاً والتحركات ستبدأ في عدة مناطق بظل غياب تام لأي حل سريع".

هذا ودعت بعض منظمات المجتمع المدني إلى التجمع عصر اليوم (الساعة 4 بالتوقيت المحلي) في العاصمة بيروت تحت شعار "الشعب جاع ورح (سوف) يأكل حكامه".

 

وهنا رأى الكاتب والباحث السياسي، شادي نشابة، في حديث لموقع "الحرة"، أنّ "السلطة اعتبرت جائحة كورونا فرصة لها لتتمكن من ضبط زمام الأمور لصالحها كما كان الحال قبل 17 أكتوبر ، الأمر الذي أظهر فشلها الاقتصادي والإداري".

وأمل نشابة أنّ تتمدد التظاهرات من ساحة النور إلى كافة المحافظات في لبنان، قائلاً إنّ "الوجع ليس فقط في الشمال، الغضب موجود، ولكن فيروس كورونا يخيف عددا كبيرا من اللبنانيين ولا يمكن تجاهل هذه النقطة، فلولا وجودها لرأينا الاعتصامات في كل شارع".

كما اعتبر الناشط المدني الطرابلسي زياد المصري أنّ المدينة ستعيد الثورة إلى لبنان قطعاً، لاسيما بعد انفجار مرفأ بيروت الذي دمّر العاصمة بأكملها وتقاعست السلطة في إجراء التحقيق اللازم، على حد تعبيره.

وشدد نشابة على أنّ "المطالب في الشارع الطرابلسي هي نفسها التي كانت في 17 تشرين، مع طلب جديد وهو تفعيل المساعدات الاجتماعية التي يجب على الدولة تقديمها للمواطنين المتضررين من قرارات الإغلاق".

"الثورة لم تنته"

أما عضو اللجنة الإعلامية في حملة "لحقي"، ميشال أبي راشد، فاعتبر أنّ "الثورة لم تنته ولم تتوقف يوماً، ولكنها اتخذت إطاراً آخرا، وهو الندوات السياسية والتثقيف السياسي استعداداً للانتخابات النيابية".

وأوضح أبي راشد: "وضع الجيش في وجه المدنيين هو أحد أبرز الأسباب التي دفعت عدد من الثوار إلى الانتقال إلى العمل السياسي الثورجي، بالإضافة إلى تفشي فيروس كورونا، ولكن هذا لا يعني أنّ الثورة قد توقفت".

ووجد قسم كبير من سكّان طرابلس، ولا سيّما منهم العمال المياومون، أنفسهم بدون أي مدخول منذ دخلت حيّز التنفيذ إجراءات الإغلاق العام.

وبالإضافة إلى الوضع الصحّي شبه الكارثي، غرق لبنان في أسوأ أزمة اقتصادية منذ نهاية الحرب الأهلية (1975-1990) إذ انخفضت قيمة عملته إلى مستوى غير مسبوق وتضاعفت معدّلات التضخّم في البلاد واضطرت شركات عديدة إلى القيام بعمليات تسريح جماعية لموظفيها.

وبات نصف سكان لبنان الآن يعيشون تحت خط الفقر، في حين أن الطبقة الحاكمة متّهمة بعدم الاكتراث بمشاكلهم.

وبعدما كانت حركة الاحتجاج ضدّ تدابير الإغلاق العام تقتصر على مدينة طرابلس لوحدها، امتدّت شرارة الاحتجاجات يومي الثلاثاء والأربعاء إلى مدن أخرى حيث قطع متظاهرون بعض الطرق. 

ويشهد لبنان منذ نحو أسبوعين إغلاقا عاما مشدّدا مع حظر تجول على مدار الساعة يعدّ من بين الأكثر صرامة في العالم، لكنّ الفقر الذي فاقمته أزمة اقتصادية لا تنفكّ تتفاقم يدفع كثيرين الى عدم الالتزام سعياً إلى الحفاظ على مصدر رزقهم.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.